The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

هلمَّ نصنع إرثنا من الجمال

34

  • فاطمة ياسر
    كتابة

    فاطمة ياسر

    كاتبة ومهندسة معمارية من اليمن
  • بهاء إيعالي
    تحرير ومراجعة وتدقيق

    بهاء إيعالي

    كاتب ومترجم من لبنان
  • آلاء حسانين
    إخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

بالقرب من وادي نهر كراي في بيكسليهيث، والتي كانت يومئذٍ من كِنت وصارت اليوم جزءًا من لندن، شيّد الشاعر والمصمّم الإنجليزي ويليام موريس بتعاونٍ مع المعماري فيليب ويب منزله الشهير المعروف بالبيت الأحمر عام 1860، مجسّدًا في بنائه شيئًا من فلسفته الخاصة في العمارة والفن والحياة. كان بيتًا ينفتح على الطبيعة بدل أن يقف في وجهها، وحديقةً تأتلف وإياه في تكاملٍ فتّانٍ، وزخارف وقطعًا فنية أبدعتها أنامل بشرية ماهرة: أنامل موريس وزوجته جين ورفاقه من الفنانين والحرفيين.

نال البيت الأحمر إعجابًا واسعًا في عصره، وامتدّت شهرته بعد وفاة صاحبه حتى صار واحدًا من العلامات الباكرة في تاريخ حركة الفنون والحِرَف، ورمزًا ذائع الصيت لفكرة الأصالة الفنية التي قضى موريس حياته مدافعًا عنها. بمعنى ما، كان البيت بيانًا جماليًا مبنيًا بالطوب والخشب والزجاج، مكانًا يتجاوز السكن إلى معنى أوسع.

في العبارة التي تنقلها جان مارش في كتابها عن موريس والبيت الأحمر، يقول موريس: «بغطرسة الشباب، عزمتُ على أن أغيّر العالم بالجمال. إذا كنتُ قد نجحتُ بطريقة صغيرة، ولو في زاوية صغيرة واحدة من العالم، بين الرجال والنساء الذين أحبهم، فسأعدّ نفسي مباركًا، مباركًا ومباركًا، وسيستمر العمل».

تبدو هذه العبارة على بساطتها مفتاحًا لفهم ما يغيب عن كثيرين منا: أن التحوّل في العالم يبدأ أحيانًا من زاوية صغيرة واحدة، بين أناس نحبهم ونقاسمهم الحياة، أكثر مما يبدأ من المدن الكبرى أو القرارات الكبيرة. زاوية صغيرة واحدة، لا أكثر ولا أقل. في هذه المساحة المحدودة أدرك موريس أن الجمال ليس حلمًا بعيدًا ننتظره من سلطة أو ثروة أو قدر سعيد، بل عملٌ يبدأ حيث نقف، ويمتدّ بقدر ما نمنحه من صبر ومحبة.

كثيرًا ما ترافقنا رغبة صادقة في تغيير العالم من حولنا، لكننا ما نلبث أن نصطدم باتساعه وقسوته، فنرتدّ إلى يأسٍ عميق. نغرق في صور مدنٍ أخرى: شوارع ظليلة، بيوت مضيئة، شرفات مزهرة، مقاهٍ مرتّبة، وحدائق تبدو كأنها وُلدت كاملة من غير تعب. نتخيّل مكانًا آخر غير مكاننا الذي ينضح بالقبح والفوضى، وبيتًا آخر غير بيتنا الكامد، ونودّ لو تيسّرت لنا الهجرة إلى مواطن أحلامنا، حيث يغلف الجمال كل ما تقع عليه العين وتلمسه اليدان. لكن السؤال الأعمق هو: إلى متى نظلّ نرى الجمال في أماكن الآخرين كأنه حقّهم وحدهم، وننظر إلى مدننا وبيوتنا كأنها قَدَرٌ نهائيٌّ خارج دائرة المراجعة؟

إن الحاجة إلى الجمال، في أبسط مظاهره المادية، حاجة إنسانية ملحّة تتجاوز الزينة الفائضة والهبة المحصورة في الميسورين. أرأيتَ كيف يُمتع ناظرينا ويسرقنا من أنفسنا مرأى شرفةٍ ملأى بالأزهار وسط حيّ شعبي كالح؟ وكيف توقظ فينا، ولو للحظة، رغبةً في أن نبدأ شيئًا مماثلًا؟ لقد فهم صاحب تلك الشرفة كيف يبدأ من زاويته الصغيرة، وفهمت الفتاة التي تقيم في شقّة متواضعة بلا شرفة كيف تصنع زاويتها حين وضعت للنباتات أصصًا صغيرة على عتبة النافذة، وزيّنت حجرتها بما استطاعت من أشياء صنعتها أو انتقتها بمحبة. هكذا يهب الجمال نفسه لمن ينقّب عنه، ولمن يبدأ قبل اكتمال الشروط.

يتحجج كثيرون بانعدام الفناء، وبالشرفات التي تنقص الكثير من شققنا، وبالنوافذ التي لا عتبات لها، وبالمال الذي لا يكفي لشراء مقتنيات جميلة، وبالموهبة التي فارقتنا فلم نعرف أي سبيل نسلكه. غير أن الجمال قد يكتفي بمساحة صغيرة وكلفة يسيرة؛ قد يبدأ بترتيب ركن، أو إنقاذ كرسي قديم، أو زراعة نبتة، أو تعليق صورة، أو صنع شيء صغير باليدين. وما النباتات والأزهار التي تزيّن الأفنية والشرفات إلا إحدى صوره البهية، وإن كانت من أصفاها وأشدّها قدرة على بثّ الحياة في المكان.

مشكلتنا في كثير من الأحيان ليست في الفقر وحده كما نعتقد، فكثير من بيوت الطبقة المتوسطة وأحيائها تخلو مما ينعش الروح من مظاهر الجمال، وكثير من أبنائها يملكون القدرة على البدء لكنهم يفتقرون إلى الرغبة أو العادة. يرون الجمال في بلاد غيرهم وبيوت غيرهم، فيطربون له ويحلمون به، ثم يتسخّطون من القدر الذي أبقاهم في بيئة لا تشبه أحلامهم. هنا تنتهي المهمة غالبًا: عند الحسرة.

لقد جعلتنا كثرة المشاهدة أقلّ ممارسة. نحدّق طويلًا في صور البيوت والحدائق والمقاهي عبر الشاشات، فننال ومضاتٍ سريعة من الانتعاش، ثم يزول أثرها مخلفًا في النفس حسرةً خفيّة. ومع الوقت تضعف علاقتنا بالجمال الحيّ، ذاك الذي لا نكتفي برؤيته، بل نشارك في صنعه. فالعقل والروح يحتاجان إلى عملٍ تجد فيه اليد متعتها، وإلى جهدٍ يوقظ فينا الإحساس بأننا قادرون على الخلق، ولو في حدودٍ صغيرة. إن عملًا جميلًا نصنعه بأيدينا يقرّبنا من أنفسنا، ويجلو الغبش عمّا نؤمن به من حقائق خيّرة، ويفتح أعيننا على ما تزخر به الحياة من احتمالات البهجة والفرح.

ما علينا سوى أن نعيد اتصالنا بالجمال، وأن نمنح أنفسنا وقتًا لتأمله بوصفه أثرًا يغيّر مزاج الروح. ثم نرقب ميولنا الصغيرة، ونصغي إلى الأفكار العابرة قبل أن تطمرها السرعة، ونسمح لها بأن تختمر في عقولنا حتى تصير، يومًا بعد يوم، عملًا ملموسًا نحدّق إليه بفخر وندعو من حولنا ليشاهدوه. عندئذٍ تولد في أعماقنا سعادة نادرة: سعادة الخلق والإبداع.

في منتصف القرن التاسع عشر، هاجم الناقد الفني الإنجليزي جون راسكن الثورة الصناعية وما أحدثته من أضرار جسيمة في البيئة والمجتمع. وكان عمال المصانع، في نظره، من أكثر المتضررين من عالمٍ حوّل الإنسان إلى ترسٍ في آلة. رأى راسكن أن الإنتاج الآلي حرم العامل من المتعة والرضا اللذين تنطوي عليهما الأعمال اليدوية، كما حرم الناس من منتجات ذات قيمة جمالية عالية، فصارت البيوت تزدحم بأشياء رديئة الصنع، مزيفة، تنقصها لمسة الإنسان التي تمنح الجمادات شيئًا من الروح.

كان راسكن مدافعًا شرسًا عن الجمال في تجلياته المختلفة، ومؤمنًا بأثره العميق في الروح البشرية. وتجاوز الجمال عنده حدود الترف البصري، فصار صلةً بين المادة والضمير، وبين العمل والكرامة، وبين الإنسان والعالم الذي يسكنه. في هذا المعنى رأى أن ما نصنعه ونراه ونلمسه يشارك في تشكيل أخلاقنا وذائقتنا، وأن القبح المستمر يؤذي العين والروح معًا.

تأثر ويليام موريس بأفكار راسكن تأثرًا قويًا، واقتفى أثره مدافعًا عن الجمال في وجه الآلة الصماء، وحريصًا على جعله متاحًا لعامة الناس. بدأ بحلمه الخاص، ثم جعله بيتًا، ثم وسّعه إلى رؤية في التصميم والعمل والحياة. كان دفاعه عن الفن متصلًا بدفاعه عن العدالة الاجتماعية؛ فقد آمن بأن الحياة الكريمة تكتمل بالخبز وبما يجاوزه: بيتٌ يسرّ العين، وعملٌ يحفظ كرامة اليد، وأشياء يومية تحمل أثر الإنسان تتجاوز قسوة المصنع وحدها. لذلك ترك موريس أثرًا دائمًا في تاريخ التصميم البريطاني، كما ترك أثرًا في الفكر الاجتماعي والسياسي، داعيًا إلى عالمٍ يتاح فيه نصيب من الجمال والكرامة للجميع.

ربما لن يكون بوسعنا أن نغيّر مدننا الكالحة دفعة واحدة، ولا أن نبتني بيوتًا تجسّد فلسفاتنا كما فعل موريس. لكن بوسعنا أن نبدأ من تلك الزاوية الصغيرة التي نملكها: نافذة، طاولة، رفّ، مدخل بيت، شرفة ضيقة، حجرة متواضعة. بوسعنا أن نعمل فيها جهدنا، وأن نستمع إلى الفكرة العابرة حين تمرّ، وأن نصبر عليها حتى تصير شكلًا ولونًا ورائحةً وأثرًا. وحين نفعل ذلك نكون قد اقتحمنا أفقًا لم نكن نعلم بوجوده، وبذرنا بذرتنا في حقل الجمال الكبير. ولن يطول الأمر حتى تزهر تلك البذرة، فتكون مسرّة لنا وللناظرين.

يقول ويليام موريس في «آمال ومخاوف حول الفن»: «لقد خلّد التاريخ، كما يُسمّى، ذكرى الملوك والمحاربين لأنهم دمّروا؛ وخلّد الفنّ ذكرى الشعوب لأنهم أبدعوا». ثم يذكّرنا بأن الحياة في الأزمنة الماضية لم تكن كلّها مذابح واضطرابات، كما توحي كتب التاريخ أحيانًا؛ فقد كانت المطرقة تدقّ على السندان، والإزميل يدور حول عارضة البلوط، وكان شيء من الجمال يولد كل يوم، ومعه شيء من السعادة الإنسانية.

ولعلّ هذا هو الإرث الحقيقي الذي نستطيع أن نشارك فيه: أن نترك في زاويتنا الصغيرة أثرًا يقول إننا عبرنا العالم محاولين أن نجعله ألين قليلًا، وأبهى قليلًا، وأكثر إنسانية.