نظرة

التعب بألف وجه في السينما

كتابة: أحمد بدر كرَّام


«إن أتباع الكنيسة الخمسينية يرمزون إلى فردٍ مُتعَبٍ أملى عليه تعبه ما ينبغي له أن يفعل، فالتعب هو الملاك الذي يلمس أصابع الملك، بينما يخلد سائر الملوك إلى النوم وينعمون بالأحلام. والتعب الصحي ليس إلا شفاءً، فمثل الفرد المُتعَب كمثل “أورفيوس” الذي حاصرته أشرس الوحوش حتى شاركته تعبه. إن التعب يمنح المشتتين مفتاح الخلاص. فكلما عزف المفتش “فيليب مارلو” عن النوم طوال الليل، تمكَّن من فك الألغاز ببراعة. كما أن “أورفيوس” المتعب فاز بقلب “يوريديس”. فالتعب يجعلنا أصغر سنًّا على نحوٍ لم نكنه من قبل. إنه أكبر من الذات، ويغدو كل شيء استثنائيًّا في طيات سكونه».

هكذا يرى بيتر هاندكه الأمرَ ويُضفي عليه صبغةً رومانتيكية، أو ربما يرثي المتعبين ويمجّدهم كمن يمجّد المعذَّبين لقوة تحمّلهم ويخبرهم أن هذا العذاب مقدّس. فمثلما أن «الفقراء يدخلون الجنة»، فإن المتعبين يحصلون على «مفتاح الخلاص»، لكن إذا كان لهم حقُّ الاختيار، فهل كان سيختار المتعبون التعب؟ وهل كان سيختار الفقراء الفقر؟

في عصرٍ يجد فيه الإنسان نفسه مجبرًا على حمل صخرة سيزيف مرارًا نحو القمة، بحثًا عن معنى أو مطاردًا لسعادةٍ مراوغةٍ يصعب الإمساك بها، تخور القوى مع كل محاولة للصعود ويُفقَد في الطريق ما لا يمكن استرداده أبدًا من السنوات الضائعة والأحلام. هنا، يتحول التعب والإنهاك إلى صلاةٍ سريةٍ تخص صاحبها وحده؛ لكنها صلاة غير مرغوب فيها، وفعلٌ شاق، وأنينٌ مكتوم. ولا تجد تلك الأجساد والأرواح المنهكة طريقًا آخر غير مصاحبة تعبها، والتمرد عليه في آنٍ واحد، مضحيةً بذاتها في سبيل الآخر، أو الحلم، أو إيجاد المعنى. ولعل السينما، أكثر من أي فنٍّ آخر، هي الأقدر على ملامسة هذا الشعور بالإنهاك وجعلنا نشعر به.

التعب كفعلٍ مقدس

في فيلم «مذكرات كاهن ريفي» (Diary of a Country Priest, 1951) للمخرج روبير بريسون (Robert Bresson)، المقتبس عن رواية تحمل الاسم نفسه، نراقب محاولات الراهب الشاب لإصلاح حال قريةٍ ريفيةٍ يجثم القلق والشك على أنفاس أهلها، بينما ينهشه هو تعبٌ يتفاقم يومًا تلو الآخر. إنه التعب الذي يأكل روحه في عزلته وهو يدوّن مذكراته، وحيدًا، تميته الغربة وتؤرقه الأسئلة؛ لكنه يظل مسكونًا بالآخرين أكثر من ذاته، محاولًا التصديق بأنه المخلّص لعذابهم، ومتألمًا لهم أكثر من تألمه لنفسه.

وفي الوقت الذي تتناقل فيه ألسنة أهل القرية سيرته، متحدثين عن كونه سكيرًا، يصوّر بريسون حياة الراهب المضنية، جسديًا وروحيًا، برهافةٍ بالغة؛ مبرزًا تأملاته الدائمة وحالته الشعورية التي تجول في خاطره من دون تصريح، وكأن قدره أن يكون المُصغي إلى آلام الجميع دون أن يجد من يُصغي إلى أنينه. ففي أحد المشاهد، يسقط الكاهن مغشيًا عليه من فرط الإعياء وسط روث البهائم، فتنقذه فتاةٌ تمسح وجهه الملطّخ، فتظهر من جديد ملامحه البريئة المعذَّبة، قبل أن تساعده على أن يعود إلى منزله وحيدًا مرةً أخرى.

تبدو حياة هذا الراهب تجسيدًا معاصرًا لآلام المسيح، غير أنه لا يُصلب، بل ينال منه السرطان في النهاية؛ ذلك المرض الذي استوطن جسده دون علمه نتيجة إهماله لصحته. وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، يهمس لزميله بوجهٍ يتصبّب عرقًا وروحٍ تشعّ طمأنينةً: «ما المهم؟.. النعمة تغمر كل شيء»، ويبدو التعب خلاصًا للكاهن الذي كان آخر ما يطلبه هو المغفرة.

الحرب كرمزٍ لتعب الإنسان الأبدي

في أحد أعظم الأفلام التي تناولت الحرب العالمية، فيلم «تعال وانظر» (Come and See, 1985)، يدخلنا المخرج إليم كليموف (Elem Klimov) في حالة الحرب من زاويةٍ شاعريةٍ نتتبع فيها الصبي “فلوريا” الذي يُستدعى أو يُقتاد إلى الجيش بطريقةٍ قاسية، فيودّع حياة البراءة التي كان ينعم بها مع أسرته فجأةً؛ ليجد نفسه في عالمٍ أشد ضراوةً وشراسةً من العالم الذي يعرفه.

وإذا كان روبير بريسون قد جعل من وجه الراهب مرآةً للنعمة وسط الألم والضجر والخوف، فإن إليم كليموف جعل من وجه الصبي “فلوريا” خريطةً للتعب الوجودي الناتج عن أهوال الحرب. في بداية الفيلم، نرى وجهًا نضرًا ممتلئًا بالحياة، حتى بعد استدعائه يبدو الأمر بالنسبة إليه كلعبة؛ فيتتبّع الجنود والمدرعات من حوله، ويتعرف إلى فتاةٍ ويصاحبها ويلعب معها، حتى تنهال القنابل من حوله فتكسر ذلك الهدوء الذي كانت تتسم به الطبيعة، وتحوّله إلى جنونٍ لا يتوقف. ومع توالي الدمار والرعب الذي يلاحقه ويقتل كل ما حوله، يبدأ هذا الوجه الملائكي في التآكل حتى يصبح الصبي كأنه رجلٌ مسنّ؛ وجهٌ يملؤه الرعب والخوف والقنوط من تلك المحرقة.

التعب هنا ليس مجرد إرهاقٍ جسدي ناتجًا عن الركض في الغابات والمستنقعات، بل هو تعب يُحدِث شرخًا في نفس ذلك الصبي. تتتبع الكاميرا بانسيابيةٍ “فلوريا”، وتغوص معه في الوحل، وتوثّق ملامحه عبر لقطات الـ (Close-up)؛ لترصد تحوّل الجلد إلى تجاعيد، والعيون إلى فوهاتٍ يملؤها الضجر والرعب. إن التعب الذي يعانيه “فلوريا” هو ثقل الحقيقة التي رآها ولم يكن مستعدًا لها؛ هو تعب الإنسان الذي أُجبر على أن يكون شاهدًا على فناء عالمه. يستخدم كليموف الطبيعةَ — المستنقعات، الغابات الموحلة، المطر — كأدواتٍ لتعميق الإحساس بضراوة الحرب. المشهد الشهير الذي يعبر فيه “فلوريا” والفتاة “غلاشه” المستنقعَ يمثّل ذروة التعب؛ إذ تغوص الأقدام في الطين اللزج الذي يكاد يبتلعهما، في لقطةٍ طويلةٍ تجعلنا نشعر بتلك المعاناة. هذا الإجهاد الجسدي هو انعكاسٌ للإجهاد الروحي؛ فالحرب في هذا الفيلم كالوحل، لا تسمح للإنسان بالخلاص السريع منها. إنها تجعل الحركة ثقيلةً، والدقائق بمثابة أيام؛ زمنٌ مشحون بالرعب لا بالتأمل الهادئ. يجعلنا ذلك نشعر بتعب الأنفاس المكتومة وأصوات الانفجارات التي تسبّب صممًا مؤقتًا، مما يجعل تجربة المشاهدة بحد ذاتها رحلةً في الإنهاك الحسي. تصل ذروة التعب الوجودي في نهاية الفيلم، عندما يقف “فلوريا” أمام صورة لهتلر ويطلق النار عليها. إنها المرة الأولى التي يقرر فيها “فلوريا” أن يفعل؛ أن يصرخ في وجه الظلم، مستحضرًا كل صور القتل والدمار وانهيار الحضارة.

في هذا الفيلم، تخرج الحرب من سياقها التاريخي لتصبح حالةً من السيزيفية القسرية. الإنسان هنا يحمل صخرة الرعب مرارًا، وفي كل مرة تسقط الصخرة، تأخذ معها جزءًا من ملامحه البشرية؛ فحتى بالمشاهدة، من دون أن نقترب، فإننا مع كل حربٍ من حولنا نشاهد أحداثها وما تخلّفه من مآسٍ، فيذهب جزءٌ من روحنا ولا يعود. إن التعب في سينما كليموف هو الصرخة الصامتة للضحية التي لم تعد تملك ترف البكاء. إنه الفيلم الذي يُثبت أن أصعب ما في الحرب ليس الموت، بل هو العيش؛ الاقتراب من معالم الرعب الذي تخلّفه، والذي تنحته تلك المشاهد في الذاكرة للأبد.

ولكنه مجرد تعب

في فيلم روما (Roma, 2018) للمخرج ألفونسو كوارون (Alfonso Cuarón)، والحائز على ثلاث جوائز أوسكار، لا يظهر التعب كعارضٍ جسدي ينتج عن يوم عمل طويل وشاق، بل يتبدّى كحياةٍ مملةٍ تستمر في إنتاج التعب بشكلٍ دائريٍّ لا متناهٍ يحيط بالشخصيات والأماكن. يضعنا الفيلم في ثقلٍ شعوري؛ ثقلٍ نلمسه في وقع الأقدام، في حركة الماء الذي يُغمر به البلاط لتنظيفه، وفي الصمت الذي يُطبق على أنفاس بطلة الفيلم “كليو”، التي تؤدي دورها يالتيزا أباريسيو (Yalitza Aparicio)، فهي المربية والخادمة، المحرك الصامت لهذا الثقل. كوارون لا يصوّر تعبها من خلال الشكوى ولا الدموع ولا الحوار، بل من خلال تراكم الصور البطيئة. نراها منذ المشهد الأول وهي تنظف فناء المنزل؛ وهي عملية يومية عادية. التعب هنا هو بنية حياة كليو؛ فهي التي ترعى شؤون المنزل، وهي التي توقظ الأطفال، وهي التي تغسل وتطهو وتنظّف. كليو لا تملك جسدها، بل هو أداة في خدمة الآخرين، وهذا الانفصال بين الذات والفعل يخلق ثقلًا روحيًا هائلًا نراه في عينيها اللتين تحملان حزنًا قديمًا، كأنها تعبت من الوجود قبل أن تبدأ في العيش. ويتجلّى هذا في الإحساس بالخذلان من الرجل الذي تركها وقد انتفخ بطنها؛ ذلك الشعور برتابة الحياة عندما يتحول جسدها إلى وعاءٍ لحياةٍ جديدة.

حيث يجتمع ثقل الجنين داخل جسدٍ منهكٍ أصلًا، مع الخذلان بعد هروب الأب الذي يتركها في السينما وحيدةً، لتكتشف بعدها أنه قد اختفى وتركها وحيدةً مع مصيرها؛ ذلك الشعور بأنها مواطنةٌ من درجةٍ أدنى، ليس لها أن تحلم بحياةٍ مستقرةٍ وشريكٍ يتقاسم معها تلك الحياة. يستخدم كوارون لقطات بانورامية بطيئةً جدًا، حيث تتحرك الكاميرا من اليسار إلى اليمين أو العكس برصانةٍ وهدوء. هذا الإيقاع السينمائي يفرض على المشاهد ثقلًا زمنيًا؛ فنحن لا ننتقل من حدثٍ إلى آخر بسرعة، بل نُجبر على الانتظار مع الشخصيات، حتى في مشهد متجر الأثاث الذي تندلع خلاله اضطراباتٌ في الشارع بسبب المظاهرات الطلابية؛ تلك اللحظة التي كان من المفترض أن تكون إحدى اللحظات المفرحة لكليو، إلا أنها تحوّلت إلى لحظاتٍ مخيفةٍ وقاسية، وقد جعلتنا اللقطة البانورامية نشعر بالديناميكية والتحوّل في الحدث من لحظات الهدوء إلى لحظات العاصفة.

القرار اللوني للفيلم بأن يأتي بالأبيض والأسود قد منح الفيلمَ ذلك الإحساس بالأجواء الرتيبة القاسية، حتى الضحكات العابرة تبدو وكأنها محمّلةٌ بضريبة ستُدفع لاحقًا. ومع حركات الكاميرا الهادئة، وذلك التحكم الهائل بالممثلين الثانويين (الإكسترا)، وشريط الصوت المبهر، خلق كل ذلك عالمًا حقيقيًا تمامًا، جعل كليو، بكل ما تشعر به، تقف على جانب الحياة. التعب هنا لا يمثّل شيئًا للعالم من حول كليو، وهو ما يجعلنا نشعر به؛ تلك العادية في التعب التي جعلت معاناة الكثيرين عابرةً من حولنا، ولا يتوقف لها الزمن؛ هي ما تقف عنده السينما وتُعطيه الأهمية.

يصل التعب بـ”كليو” إلى ذروته حين تجد نفسها مطالَبةً بإنقاذ الأطفال من الغرق وهي لا تُحسن السباحة. هنا تتحوّل إلى أمٍّ حقيقية لا تؤدي الواجب فحسب، بل تحاول إنقاذهم بدافع الأمومة رغم أنهم ليسوا أبناءها. في تلك اللحظة، تصبح كتلةً من الإرادة تقاوم الموج. وبعد أن تنقذهم تحتضنها العائلة بحبٍّ كبير، لكنها لا تسيطر على دموعها وتنفجر: “لم أكن أريد لها أن تولد”؛ هذا هو الانفجار الوحيد لبركان التعب الذي ظل خامدًا طوال الفيلم. إنه تعب الإنسان من الظلم، من الفقر، ومن الاضطرار إلى أن يكون “قويًا” طوال الوقت.

ينتهي روما بصعود “كليو” درجات السُّلَّم الحديدي حاملةً سلة الغسيل، لتعود إلى روتينها المعتاد. هذا المشهد الختامي هو أصدق تعبير عن التعب المستمر. لكن، ومثلما قال الراهب في فيلم بريسون: “النعمة تغمر كل شيء”، نجد في روما أن هذا التعب هو الذي يمنح “كليو” قداستها. إنها ليست ضحيةً فحسب، بل هي العمود الفقري الذي يمنع العالم من الانهيار؛ فثقلها هو الذي يمنح الآخرين خفّتهم، وتعبها هو الثمن الذي تدفعه لكي تستمر الحياة، أو هكذا يجب أن نُجمّل تعب هؤلاء لنمنحهم سببًا آخر لمواصلة الصبر. أجل، هو تعب مقدس، لكنها قدسية لن تفيدهم هم أنفسهم بشيء، ولن تمنحهم مفتاح الخلاص، على عكس تلك الصورة الرومانسية للتعب التي رسمها هاندكه.

مرثية من أجل المجهولين

تعبٌ آخر نتلمسه في حياةِ عاملِ قطعِ أشجار تدور كلُّها على هامش العالم، وحلمٌ آخر من أحلام المتعبين في الأرض، في فيلم «أحلام قطار» (Train Dreams, 2025) من إخراج كلينت بنتلي (Clint Bentley)، الذي شارك في كتابة السيناريو مع غريغ كويدار، وبطولة جويل إدجيرتون، وهو مقتبس من روايةٍ قصيرةٍ صادرةٍ عام 2011 تحمل الاسم نفسه للكاتب دينيس جونسون. يأخذ “روبرت جرينيه” القطار مع زملائه من منطقةٍ إلى أخرى، حيث يقطعون الأشجار ويبنون طرق القطارات، بينما يترصّدهم الموت كعزرائيل في فيلم «الختم السابع» (The Seventh Seal) في كل دقيقة؛ بسبب مهنتهم الخطرة حينًا، أو بسبب غياب القانون بين أولئك الأفراد الذين يمارس بعضهم العنصرية ضد الآخر. ويجري ذلك في أحضان الطبيعة، وبأسلوبٍ شاعريٍّ على غرار أسلوب تيرنس ماليك، المتأمل في حفيف أوراق الشجر، وجذعه الثابت، وفروعه المتمايلة في السماء؛ تلك الأشجار التي تبدو كحيوات بشرٍ آخرين، مهما طال عمرهم فإنهم ينتظرون تلك المناشير التي ستقطعهم، أو حرائق الغابات التي ستحوّلهم إلى رماد.

التعب هنا هو حياةٌ كاملةٌ متعبةٌ لأناسٍ على الهامش، يعيشون ويحلمون أحلامهم البسيطة التي يسترقون منها الفتات، لكنها تموت في صمتٍ في النهاية، حتى وإن عاشوا هم. بين تلك الصعاب التي يواجهها “روبرت” في عمله بثباتٍ وقوةٍ وصمتٍ، ورغم تعب أفكاره التي تحمل الموت في طياتها، وتصنع الزحام في رأسه، وتكسر سكينته، يجد المعنى في فتاةٍ يتعرف عليها، ويجد من خلالها معنًى لحياته؛ يتزوجها، ويصنعان بيتهما الصغير، ويمرّران قسوة الأيام في فناء ذلك المنزل. يشهد “روبرت” مقتل زميله في العمل، الذي كان يشاركه قطع الأشجار، على يد مجموعةٍ من العنصريين الذين يتخلصون منه لأنه صيني. وقد شهدت الولايات المتحدة، في أواخر القرن التاسع عشر، حملاتِ ترحيلٍ وتهجيرٍ واسعةً ضد المهاجرين الصينيين، أبرزها في ثمانينيات القرن التاسع عشر، مدفوعةً بـ«قانون استبعاد الصينيين» لعام 1882. وتضمّنت هذه الحقبة ترحيلًا وعنفًا أدّيا إلى مغادرة الآلاف، حيث انخفض عدد الصينيين في أمريكا بشكلٍ كبيرٍ نتيجة للسياسات العنصرية والتمييز. وفي بداية الفيلم، يتذكر “روبرت” من طفولته أحداث القبض على صينيين، لكنه في ذلك السن الصغير لم يعرف لماذا يُقبض عليهم، وحين يكبر يسأل السؤال نفسه عندما يُقتل زميله أمامه: «ماذا فعل؟»

يظل كابوس مقتل زميله يطارده، فتعب الأفكار هذا لا يرحل بتلك البساطة؛ فهو يظل يطارده في أحلامه، محدّثًا إياه بأن حياته تلك التي يرضى بها لن تمر هكذا، فثمة شيء ما لا بد أن يحدث، فذلك الموت الذي يأخذ رفاقه واحدًا تلو الآخر سيمر به لا محالة. وفي أثناء عودته من عمله، يرى السماء ملبّدةً بدخانٍ كثيفٍ ينمّ عن حرائق ضخمة، فيركض نحو المنطقة التي يعيش بها ليجد أن النيران قد غطّتها. ويفقد “روبرت” في لمح البصر بيته وزوجته وابنته، ويظل يبحث عنهم أعوامًا، متمسّكًا بأمل أنهم على قيد الحياة، حتى إنه يمارس الحياة المتعبة تلك كواجب؛ فالموت الذي كان ينتظر أن يأخذ منه الرُّوح قد أخذ منه الطاولة كلها ومنعه من اللعب مجدّدًا، فأصبح يعيش في تعب الفقد والحنين. يعيش روبرت ما يشبه الحياة في محاولةٍ للتأقلم مع الفقد؛ تشاغله الذكريات والهلاوس والأحلام بابنته التي ينتظر ظهورها بعد أعوامٍ من الغياب، حتى إنه يتراءى له أنها عادت بالفعل ثم تختفي، فيظل يبحث عنها مجدّدًا. ويعيش باقي أيامه في ذلك الانتظار المميت والبحث، حتى يقرر ترك الغابة والسفر إلى المدينة، حيث يبدو كطفلٍ يتعرف على الحياة للمرة الأولى بعد أن خطّ الشيب شعره؛ يرى معالم الحداثة بعد الحروب، ويرى عالمًا غير العالم الذي عرفه، ويركب للمرة الأولى طائرةً تجعله كطيرٍ ينظر من السماء. ومع كل تمايلٍ لها وكل دوران، تأتي ذكرى ما مرّ به وكل ما فقده، حتى أصبح وحيدًا مُتعبًا من الوحدة والاغتراب. يموت روبرت في وحدةٍ وهدوء، ونعرف ذلك من خلال صوت الراوي، مما يعطينا ذلك الانطباع بالمجهولية والموت في الخفاء؛ فمثلما بدأ رحلته وحيدًا وليس له أحد، انتهى به الحال كذلك. إنها مرثيةٌ للمتعبين في حياتهم، الذين لا يذكرهم الزمن، يئنّون في صمت، ويموتون في صمت، في الفناء الخلفي للعالم.

ما يجمع بين كل هؤلاء ليس شكلًا معينًا من أشكال التعب، ولا كونُه الألمَ الماديَّ الذي يصيب أجسادهم أو يرهقها، بل إنه التعب بمفهومه الشامل الذي يخلق بنيةً عامة لا يعرفون غيرها. ربما نراها، للوهلة الأولى، طبقةً ثانية أو ثالثة من طبقات الدراما التي تخدم صراعاتهم أو تحكم الحبكة الدرامية، لكنها – تلك البنية – عالمٌ أكثر اتساعًا من الدراما نفسها، عالمٌ يعيش فيه الكثيرون مع الوحدة والاغتراب وفقد الهوية وفقد الأحباب ومآسي الحروب. التعب لا يمثّل في تلك الأفلام حدثًا عارضًا، بل بنيةً يعيش فيها هؤلاء الذين يقبعون في قاعدة هرم العالم. التعب ليس مرضًا، إنه ألمٌ وجودي، تيه، صمت، وعرقٌ داخل الوجدان، وقصصٌ على الهامش.


أحمد بدر كرَّام
كاتب ومخرج مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى