بعد ولادتنا إلى هذا العالم يَنعصِرُ الوجودُ بأكمله ليقبعَ في إنسانٍ واحد. وفي عمرٍ مبكّرٍ نَعي وجهَه، فنطالعُ الأنثى للمرّة الأولى من خلال أمهاتنا، وندرك أنهنّ أجملُ ما وقعت عليه أعيننا، فترتسمُ الحياةُ بين الحاجبين والذقن. ومع تقدّم الزمن، تستلقي في تعابيرهنّ انعكاساتُ مشاعرنا، وطريقتِنا في تلقّي وجهِ الآخر. اعتدتُ أن ألامسَ شامةً تختبئُ في وجنة أمي، فتُطفئُ شيئًا من قلقِ الانفصال والتعلّق. نحبُّ أمهاتنا كثيرًا فيَغدُونَ جميلاتٍ حدَّ الإبهار، قبل أن تتشابكَ مساراتُ الجمال، وينقطعَ وصالُنا بالحقيقة، فلا نعرف: أنحبُّ الجميلَ لأنه جميل، أم يغدو جميلًا لأننا نحبّه؟
تتفحّصُ عدسةُ المخرج سام مينديز حياةَ أسرةٍ أميركية تبدو من بعيدٍ مثالية، ثم لا تلبث أن تنكشفَ عن فراغٍ سحيق، الحلمُ الأميركي بواقعيّته الفذّة، صورةٌ دعائية اختزلت الجمالَ في وعدٍ لا وجود له. يختم فيلم American Beauty بتعريفٍ للجمال لا نتوقّعه، حيث تتبع الكاميرا كيسًا بلاستيكيًا يرقص في الريح أمام جدار، لا يقصده أحدٌ ولا يعنيه أحد، فيبدو للحظةٍ أجملَ ما يمكن أن يُرى. نغفل، في طحن الحياة القاسي، عن الجمال من حولنا، حتى حين يكون الجمالُ أن نُحدّق في اللاشيء فنراه؛ يهمس ريكي، وهو يشاهد الشريط: أحيانًا يكون في العالم من الجمال ما لا أُطيقه، فأشعر أنّ قلبي على وشك أن ينهار.
ثمّ حين بدأتُ أختبر التجربة الإنسانية بأبعادها كافّة، فهمتُ أنّ الجمال قد يقبع في لُطفٍ عابرٍ من غريب، أو في حوارٍ عميقٍ مع صديق، في خيرٍ غير متوقَّع، أو في إصرار الإنسان على أن يولد من جديد بعد الانكسار. ومع اتّساع معانيه، بقي السؤالُ الذي راودني متعلّقًا بعلاقته الجدلية مع الأنثى: لماذا مرّ تناولُنا للجمال في الأدب عبر المرأة تحديدًا؟ ثمّ تتوالى الأسئلة: متى يدرك الطفلُ الجمالَ للمرّة الأولى؟ وكيف يُترجَم ذلك الإدراك فيما بعد؟ وما الفرق بين جمال الشكل وجمال المضمون؟ وأيّهما تحفظ الذاكرة؟ لا بدّ هنا من اعترافٍ كتبه كثيرون قبلي، لكنّ ذكره ضروريّ: الجمال ليس مفهومًا ثابتًا نمسكه فيستكين؛ إنّه ابنُ ثقافته وزمنه، ولا يفلت من قبضة من يملك قوةً تمكّنه من فرض ذائقته على الآخرين. ولذلك فإنّ ما يبدو للوهلة الأولى بديهيًّا، أن نعرف الجميلَ حين نراه، هو في حقيقته أشدّ الأشياء تعقيدًا.
ولي اعترافٌ آخر أيضًا، قلبي كلُّه مع الجمال الذي لا تمسكه العينُ الأولى. غير أنّي أدركتُ أنّي لا أستطيع أن أُنصف الجمال إن بدأتُ من حيث أهوى؛ فتاريخُ الجمال، كما سأتتبّعه، هو في جانبٍ كبيرٍ منه تاريخُ سلطةِ الشكل، كيف قُدِّم الجسدُ ثم أُخضِع، كيف فُصِل الجميلُ عن الخيّر ثمّ أُعيد وصلُه، وكيف تُوِّج الشكلُ وحده في النهاية. لذلك اخترتُ ألّا أفصل الشكلَ عن المضمون بترفٍ شخصي، بل أن أرافقهما وهما ينفصلان ويلتحمان عبر القرون. ومن هنا كان لا بدّ أن أعود للبداية.
تداخل الجمالُ منذ البداية بمفاهيم لم تكن قد انفصلت عنه بعد: فالجسد الممتلئ في التماثيل الأولى عبّر عن الجمال المرتبط بالخصوبة والولادة، كما أنه التحم مع الخير بمعناه البدائي، حين لم يكن الخير فكرةً أخلاقية بعد، فما هو جميل كان صالحًا بالضرورة، وتماهى أيضًا مع القداسة، لأن القدماء لم يتصوّروا آلهتهم إلا فائقة الجمال؛ كان الجمال المفرط عندهم علامةً على أن يدًا إلهية مرّت من هنا. في سومر، جسّدت إنانا (عشتار لاحقًا) آلهةَ الحب والرغبة، ولم يكن الجمال بعدُ مملكةً تحتاج إلهًا يحكمها. وعنها كتبت إنهيدوانا الأكدية، وهي أول مؤلِّفة معروفة بالاسم في التاريخ البشري، تراتيل تتغنّى بفتنة إنانا وبهائها؛ أي يمكننا أن نقول إنّ أول نص أدبي يحمل توقيع صاحبه كتبته امرأةٌ عن جمال أنثى إلهية، وفي ذلك بيّنة على أننا نحاول تخليد الجمال بالكتابة منذ آلاف السنين. أما الجمال القديم نفسه، حتى عند أفروديت التي ستُلقَّب لاحقًا بإلهة الجمال، فكان ظلًّا للرغبة أكثر من كونه صفةً قائمةً بحد ذاتها.
وفيما وجدتُ نفسي أغرق شيئًا فشيئًا في محاولات تتبّع السياق الذي انبثق منه الجمال، أو بالأحرى أو لِمَ عدَّ البشرُ للوهلة الأولى، أنّ الجميل خيّرٌ بالضرورة عدتُ عدتُ لأفلاطون وأثينا، فوجدتُ أن اللغة اليونانية نفسها كانت قد صهرت الجمالَ والخيرَ في مثالٍ مركّبٍ واحد: «كالوكاغاثيا»، الجميل والخيّر معًا، وهو اللقب الذي كان يُطلَق على المواطن الكامل. فالفصل بين الجمال الجسدي والخير الأخلاقي، أي الشكل والمضمون، لم يكن أمرًا تمنحه اللغةُ أصلًا. وعملت فلسفةُ أفلاطون داخل هذا الانصهار، وبدأت على نحوٍ مفارقٍ بتفكيكه في آنٍ معًا؛ ففي «المأدبة»، إحدى أشهر محاوراته، وضع على ألسنة شخصياتها البذورَ الأولى لكل ما سيقوله البشر بعده عن الجسد والحب والجمال.
وجد أفلاطون في الجمال الجسدي المدخلَ والدرجةَ الدنيا الضروريةَ لبلوغ المعرفة الجمالية، أي ما سيُعرَف بعده بالمضمون؛ يكمن لديه الجمال الحقيقي وراء طبقاتٍ متعددة، على الناظر أن يخترقها واحدةً بعد أخرى. وفي «المأدبة» مفارقةٌ تستوقف من يقرأها اليوم: أعمقُ ما قاله أفلاطون في الجمال جاء بصوت امرأة، ديوتيما، التي ربما لم توجد أصلًا؛ قناعٌ أنثويٌّ في محاورةٍ كتبها رجلٌ عن الحب بين الرجال، في مأدبةٍ أُقصيت عنها النساء. هكذا فإن أول فلسفةٍ للجمال استعارت صوتَ امرأة، بينما محَت النساءَ الفعليّات.
وبينما استفاضت الفلسفة الإغريقية في تفكيك الجمال ورتّبت الجسديَّ في أدنى درجاته، كان الشعر الجاهلي يفعل الشيءَ نفسه دون أن يدري. فالقصيدة الجاهلية لا تُفتَتح بالحرب ولا بالفخر، بل بالوقوف على الأطلال وذكر المحبوبة؛ فالغزلُ عتبةُ القصيدة كما كان الجسدُ عتبةَ سُلَّم أفلاطون. من هناك يرحل الشاعر على ناقته، عبر الصحراء وصراعاتها، ليصل في آخر القصيدة إلى الحكمة، غايةِ الأغراض وأسماها. هكذا عدّد امرؤ القيس مفاتنَ محبوبته عضوًا عضوًا في مطلع معلقته؛ يبدأ الشعر من الجسد المشتهى لينتهي عند المعرفة، تمامًا كما أراد أفلاطون لمحبِّه أن يصعد من الجسد الجميل إلى المُثُل. ثقافتان لم تلتقيا، وبنتا السُّلَّمَ نفسَه.
أثناء نشأتي ارتبط لديّ مفهوما الجمال والحشمة؛ فمن كان جميلًا فهو بالضرورة مغرٍ، ويتوجّب عليه أن يحتشم، وإلا حوسب عند الله وفق النص الديني. يظن كثيرون أن الجمال وتغطيته وُلدا من الأديان، والحقيقة أن الاحتجاب يسبق نزول الأديان السماوية بقرون طويلة؛ ففي القوانين الآشورية الوسيطة، قبل الميلاد بأكثر من ألف عام، أُلزمت الحرائرُ وبناتُ الأشراف بتغطية رؤوسهنّ، وحُرِّم الحجابُ على الجواري والبغايا تحت طائلة العقاب. كان الحجاب علامةً على امرأةٍ يملكها رجلٌ ذو نسب. ويتخلل الجمالَ مفهومُ الندرة أيضًا: ما يشحّ يُشتهى، وما يُشتهى يُحجَب؛ لذلك عزمت العائلاتُ على إخفاء الجمال في قلب تحوّلٍ تاريخيّ ترافق مع الانتقال إلى الحضر وتبادل البضائع والموارد، فالمرأة المحجوبة امرأةٌ لا تحتاج أن تعمل في الحقل، وكانت التغطية بذلك علامةَ ثروةٍ قبل أن تكون علامةَ تقوى.
ولا أستطيع أن أمرّ على الجمال عند العرب دون أن أوفي القرآنَ حقَّه من الذكر. ورد لفظ «الجمال» بصيغته الاسمية مرةً واحدة لا غير: «وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ» (النحل: 6) جمالُ مشهدٍ يوميّ يمرّ دون انتباه، يحثّنا النصُّ على التأمل فيه. أما جمال الإنسان فجاء في سورة يوسف صدمةً جسديةً نتعرّض لها عند رؤية الجميل: نسوةٌ قطّعن أيديهنّ ذاهلاتٍ عن ألمهنّ، وقلن «ما هذا بشرًا». ما يذهلني في قصة يوسف أنّ جماله هو ذاته لعنتُه؛ أولُ جميلٍ مفرطِ الجمال في النص المقدَّس رجلٌ دفع ثمن جماله وترفّع عنه، وهذا السموّ نفسه هو الباب الذي سيدخل منه المتصوفة لاحقًا، حين جعلوا من جمال يوسف شاهدًا على الجمال الإلهي. وبين هذا وذاك كتب ابن حزم في «طوق الحمامة» عن النظرة الأولى وسلطان العين: كيف يدخل الحبُّ من البصر قبل أن تعرف النفسُ ماذا أصابها.
فإذا كان الحبّ يدخل من العين قبل أن تعرف النفسُ ماذا أصابها، فأيّ سلطانٍ يبقى للأخلاق على ما تختاره العين؟ السؤال أقدمُ ممّا ظننت: كان قد طُرح في أثينا، وأجاب عنه تلميذُ أفلاطون نفسه. في «فن الشعر» فصل أرسطو الحكمَ الجماليَّ عن الحكم الأخلاقي فصلًا هو الأول في تاريخ الفكر: يمكن للمأساة عنده أن تصوّر الشرّ وتبقى جميلة، لأن جمالها في بنائها لا في فضيلة موضوعها. بذلك تصدّعت «كالوكاغاثيا» التي صهرت اللغةُ اليونانية فيها الجميلَ والخيّر؛ فصار في وسع المرء، لأول مرة، أن يكون جميلًا وحسب. لكن هل يكتفي الجميل بكونه جميلًا؟
في فيلم Wolf تأتي على لسان جاك نيكلسون، متحدثًا إلى ميشيل فايفر، إحدى إشكاليات الجمال التي تبرز حتى في يومنا هذا، أنتِ جميلةٌ إلى حدٍّ يجعل الرجال يلتفتون، لكنك تريدين أن يلتفتوا إليكِ أنتِ، إلى ما خلف الوجه وطبقاته؛ والمأساة أن ما يقبع في الداخل قد لا يستحقّ الرحلة، وأن الشيء الوحيد الذي يدفع أحدًا إلى تكبّدها أصلًا هو الوجه نفسه. مشهدٌ قصير يقول لنا إن الجمال هو ما يدفعنا إلى الاكتشاف وتحمّل مشقّات المعرفة؛ يمنح الجميلَ فرصةَ أن يُكتشَف، ويحرمه في الوقت ذاته يقينَ أنه اكتُشف لذاته.
إلا أنّ هذه الإشكالية بحدّ ذاتها، إدراكُ الجميل لما يعنيه جمالُه، لم تكن قد وُلدت بعد، لأن الجميل لم يكن قد انفصل عن المقدّس. وهكذا رسمت حدود النظرة الجمالية في العصور الوسطى، ثم أنزل عصرُ النهضة الإلهيَّ من سمائه إلى جسد الإنسان التناغمُ وفق المعماريّ الرومانيّ فيتروفيوس الذي رأى أن الجسد البشريّ يمكن أن يُحصَر في دائرةٍ ومربّعٍ معًا، كرمزًا للتناغم الإلهيّ الذي يصير الإنسانُ وفقه جسرَ العبور بين الإلهيّ والماديّ. وكان هذا ركنًا في إنسانية النهضة التي رفعت الجسدَ البشريّ بوصفه عالمًا مصغّرًا للخلق، غير أن الجسد الذي حُصر في الدائرة والمربّع كان جسدَ رجل. أما المرأة فظلّت، حتى حين تُرسَم، كفينوس بوتيتشيلي، إمّا إلهةً أو مستورةً بشعرها. الكمال الذكوريّ يُعرَض، والكمال الأنثويّ يُؤلَّه أو يُحجَب. ومع ذلك لم يكن أحدٌ في ذلك القرن يسأل عمّن ينظر؛ الجمال كان لا يزال صفةً في الجسد، لا حكمًا في عين الرائي. ذلك السؤال كان ينتظر قرونًا أخرى.
وكل هذا ولم يكن الجمال قد استقل بعد عن غيره من المفاهيم الكبرى: الدينية منها والأخلاقية والرياضية. وفي عام 1750 نشر الألمانيّ ألكسندر باومغارتن كتابًا بعنوان Aesthetica، فنحت به مصطلح «الإستطيقا» (علم الجمال) من الكلمة اليونانية aisthesis، أي الإدراك الحسّي؛ وبه استقلّ الجمال أخيرًا بعلمٍ يخصّه بعد أن ظلّ قرونًا تابعًا لغيره، لكنه استقلّ عن الأشياء لينتقل إلى عيون الناظرين. فقد نقل هيوم سلطةَ الحكم الجمالي من الشيء الجميل إلى الناظر إليه؛ فالجمال عنده لا يقبع في الأشياء ذاتها بل في الذهن الذي يتأمّلها. ثم أعاد توزيع هذه السلطة على «نقّادٍ» بعينهم: أي أن الجمال لم يعد صفةً يملكها صاحبه، بل حكمًا يصدره غيرُه عنه، وثمّة من هو أهلٌ لإصداره وفي ذلك تمهيدٌ لاقتلاع ملكية الجمال من صاحبها، ثم جاء بيرك ففرّق بين مفهومي الجميل والجليل: أحدهما يعبّر عن الرقّة والضعف والحاجة إلى الحماية، والآخر عن الهائل والمرعب والقويّ، وربط الأولَ بالأنوثة والثاني بالذكورة. وبذلك منحت الفلسفةُ الجمالَ بُعدًا جندريًا صريحًا لأول مرة في نصٍّ فلسفيّ مكتوب.
ولعلّ أبرز من تناول الجمال في ذلك القرن وفصله عن الرغبة والمنفعة، هو كانط، ففي «نقد ملكة الحكم» قدّم كانط أشهر تعريف للحكم الجمالي في تاريخ الفلسفة: الرضا بلا مصلحة؛ أن يعجبك الشيء دون أن تريد منه شيئًا، فتكون الوردة جميلةً حين لا تريد قطفها. ومن أهمّ ما فيه تمييزه بين الجمال الحرّ، وهو ما لا يخضع لمفهومٍ مسبق، والجمال التابع، وهو ما نحكم عليه بمقارنته بفكرةٍ عمّا ينبغي أن يكونه. وقد وضع كانط جمال الإنسان في الخانة الثانية: فجمال البشر لا يمكن أن يكون شكلًا خالصًا أبدًا، لأننا لا ننظر إلى وجهٍ دون أن نُحضر معه مثالًا عمّا ينبغي للإنسان أن يكونه. وهكذا انتهى القرن الثامن عشر طاردًا المضمونَ من مملكة الجمال ومتوِّجًا الشكلَ وحده، في يد الناظر لا في يد صاحبه.
في الحقيقة لا يتّسع هذا المقال لما آل إليه الجمال فلسفيًا ومعرفيًا في الحداثة وما بعدها، لكن يمكنني القول إن أحد أوضح تجلّيات الجمال في القرن العشرين جاء من السينما والفنّ، حيث اقترب من الإنسان المعاصر أكثر مما فعل في أيّ قرنٍ مضى. برز الجماليّ في الموسيقى وفي ما هو شعبيّ أيضًا، وخرج من حدود المعرفة الأكاديمية التقليدية؛ وصار في متناول من يجلس في صالةٍ مظلمة أو يستمع إلى أغنية. كسر الجمال قوالبه، وللحظةٍ قصيرة بدا أنه استُرِدّ من أصحاب السلطة عليه. ثم جاء القرنُ الحادي والعشرون فكبّله بالصناعة التي أخضعته لمعايير السوق والرائج.
وبقي السؤال الذي فتحه القرن الثامن عشر ولم يُغلقه أحد: مَن الذي ينظر؟ نقل هيوم الجمال إلى عين الناظر، ولم يكن يتصوّر أن تصير تلك العين، بعد قرنين ونصف، خوارزميةً ترسم شكل العالم وتعيد ترتيب كل ما فيه، حتى لتؤثّر في حواسّنا وانتباهنا لما حولنا من جمال. لقد ورث الذكاء الاصطناعيّ النظرةَ دون التجربة التي صنعتها؛ فكيف يتشكّل ذوقُنا حين يسبقنا إليه ناظرٌ بلا عينين، بل بلا إنسانٍ خلفه أصلًا؟ وهل ندخل اليوم، حين تهيمن الآلة، عهدًا جماليًّا جديدًا؟ ثمّة طفلةٌ في داخلي شهدت شروقًا لا يُنسى، تُذكّرني أن الجمال يُشعَر به قبل أن يُحكَم عليه، وأنه يأبى أن يُسجَن في قوالب مدروسة الزوايا محدودة الأبعاد. لذلك سأظلّ أبحث عنه حيث لا تصله الخوارزمية: في اللامألوف والمنسيّ، حيث تتلاقى الذاكرة والطبيعة والهشاشة.




