” ولكنه كان أبي”.
في الثواني الأولى من الفيلم، قبل أي كلمة وقبل أي صوت، تظهر مرآة في غرفة متقشفة، مطموسة، لا تعكس شيئًا، كأن أحدًا مرّ عليها بيده ومحا ما فيها بقصد أو بإهمال، لا فرق بينهما في النهاية. ثم يخرج وجه كورين من الظلام ببطء، ليس كظهور درامي إنما كشيء ينجو بصعوبة من الاختفاء، وجه شاحب ومريض ومرهق، كأن الجسد نفسه يحمل ذاكرة لا يريد أن يتذكرها، وكأن الزمن لم يمر عليه بل مرّ فيه وترك آثار مروره واضحة على كل ملمح. هذه المرآة ليست ديكورًا ولا جمالًا بصريًا يؤثث المشهد، هي سؤال الفيلم كله المضغوط في لقطة واحدة: من نكون حين تُمحى صورتنا؟ ومن الذي محاها؟ التاريخ الكبير الذي لا يسأل أحداً قبل أن يمرّ، أم الأب الذي أحببناه أكثر مما أحببنا الحقيقة، أم نحن أنفسنا حين اخترنا ألا نرى ولا نسأل ولا نعرف أكثر مما يريحنا معرفته؟ وهل ثمة فرق في النهاية بين هذه الإجابات الثلاث، أم أنها تصف الشيء ذاته من زوايا مختلفة؟
“الأشباح والظلال – Les Rayons et les Ombres” فيلم فرنسي أخرجه ( كزافييه جيانولي – Xavier Giannoli ) عام ٢٠٢٦، ويروي قصة حقيقية بكل ثقل هذه الكلمة وبكل ما تحمله من مسؤولية أمام التاريخ والأحياء والأموات معًا. جان لوشير كان صحفيًا يساريًا، مؤمنًا بالسلام الأوروبي، يحمل مشروعًا إنسانيًا حقيقيًا للمصالحة بين فرنسا وألمانيا، بعد حرب أنهكت القارة وأخلت المدن من أهلها وعلّمت الأوروبيين أن الحضارة ليست دروعًا إنما زجاجًا يتكسر. وفي سنوات قليلة، بقرارات كثيرة صغيرة لم تبدُ في وقتها أكثر من تنازلات عملية ضرورية، أصبح هذا الرجل نفسه من أبرز وجوه التعاون مع الاحتلال النازي في فرنسا، حتى اعتُقل ونُفّذ فيه حكم الإعدام عام ١٩٤٦. إلى جانبه في كل هذا كانت ابنته كورين، ممثلة شابة وُعدت بنجومية، سارت في ظله لأنه كان كل ضوئها، وسقطت معه لأن الظل حين يتلاشى لا يُحذّر أحدًا مسبقًا. لكن جيانولي لا يرى هذه القصة كما اعتادت السينما أن ترى حكايات الحرب؛ من منظور الضحايا -الذين يستحقون بكل تأكيد كل صوت يُمنح لهم- بل يفعل شيئًا أشد صعوبة وأكثر إزعاجًا وجرأة: يُدخلنا البيت الذي ارتكبت فيه الخيانة، يجعلنا نعيش من الداخل، نجلس على كراسيهم ونشرب في كؤوسهم ونرى التاريخ من خلف عيونهم، قبل أن يُدرك عقلنا ما تفعله أيدينا. وهذا هو الفعل الأعظم الذي يستطيع الفن القيام به: ألا يُعطيك إجابات بل يجعلك تشعر بثقل الأسئلة وتحمل وزنها أنت.
لا يُبنى جان لوشير في الفيلم كشخصية شريرة، إنما كشخصية قابلة للفهم، وهذه هي المشكلة الحقيقية التي يضعها الفيلم على طاولتنا دون أن يُريحنا بإجابة جاهزة. يبدأ من مكان يبدو معقولاً. من قناعة بالسلام، ومن رغبة في الاستقرار، ومن إيمان بأن الحرب يمكن احتواؤها أو التفاوض معها أو تأجيلها. لكنه مع كل خطوة صغيرة يعيد ترتيب هذه القناعة ويخفف حدتها ويساوم عليها، لا دفعة واحدة بل تدريجيًا، حتى يصبح الخط الفاصل بين ما يؤمن به وما يفعله غير مرئي، لأنه لم يعد يريد أن يراه بعد الآن. كان يريد أن يحافظ على صحيفته التي بناها، وعلى صداقة عمره مع أوتو، وعلى الاسم الذي اشتغل طويلاً على ترسيخه، وعلى الحياة المريحة التي أصبحت تعيشها ابنته معه. وفي كل خطوة نحو الهاوية كان يقول لنفسه هذا آخر تنازل، لأن الحوار حين يبدأ يصبح ترتيبات، والترتيبات تصبح تنازلات، والتنازلات تتراكم حتى تصبح تواطؤًا لا يمكن التراجع عنه، وفي كل حلقة من هذه الحلقات كان كل شيء يبدو منطقيًا ومبررًا من الداخل. وهذا بالضبط هو ما يجعل التاريخ يُعيد نفسه: ليس لأن البشر أشرار بطبيعتهم، بل لأنهم يُقنعون أنفسهم في كل مرة بأن لحظتهم استثنائية وأن ظروفهم تُبرر ما لا يُبرَّر، وأن من جاء قبلهم لم يكن يعرف ما يعرفونه، حتى يكتشفوا بعد فوات الأوان أنهم كانوا يسيرون على الطريق ذاته، الذي سار عليه من سبقهم ولم يتوانوا عن لعنهم.
حين شهدتْ محاكمة أيخمان، لاحظت حنة أرندت شيئًا صعب الهضم: أن الشر الكبير لا يحتاج إلى إنسان كبير الشر. وصفت ما رأته بـ”تفاهة الشر”. ليس بمعنى أن الشر تافه أو أن عواقبه هينة، لكنها قصدت أنه لا يشترط إنسانًا استثنائيًا في قسوته، لا يشترط كارهًا متعصبًا ولا وحشًا مبتهجًا بما يفعل، بل يكفيه إنسان عادي يُنفّذ دون أن يفكر، يُطيع دون أن يسأل، ينسحب من المسؤولية الشخصية باسم الالتزام الجماعي. الفكرة أن الأفعال الأكثر إجرامًا في التاريخ لم تُرتكب بالضرورة من عقول مُعذَّبة أو أرواح مظلمة استثنائية، لكن ارتُكبت في الغالب من أناس أوقفوا قدرتهم على التساؤل، على التحقق، على أن يقفوا أمام ما يفعلونه ويسألوا: وهل هذا صحيح؟ جان لوشير ليس أيخمان، ليس قاتلاً يُعدم أحدًا بيده، لكنه ينتمي إلى الجنس نفسه من البشر الذين يجعلون الأشياء الكبيرة ممكنة، بسكوتهم وانسحابهم وإيجاد التبريرات ربما لما يرفضه ضميرهم ليلًا، لكنهم يواصلون فعله نهارًا.
الجبن لا يبدو جبنًا حين تعيشه من الداخل، يبدو أحيانًا حكمة، يبدو واقعية، يبدو حرصًا على من تحب، وهذا تحديدًا هو ما يجعله خطيراً بعمق. أرسطو رأى الشجاعة فضيلة والجبن رذيلة، لكنه كان يعرف أيضًا أن الفضائل لا تولد مع الإنسان بل تُكتسب بالتدريب والبيئة والنماذج التي رآها أمامه في سنواته الأولى، ومن نشأ في ظل الخوف والحسابات الصغيرة ونماذج المهادنة والصمت أمام ما لا يريح، كيف يُطالَب فجأة في لحظة فارقة بشجاعة تكسر حياته كلها؟ هذا السؤال ليس دفاعًا عن الجبن لكنه محاولة لفهم كيف يُنتَج، لأن من لا يفهم كيف تُصنع الرذيلة لا يستطيع حماية نفسه منها. ومع ذلك يبقى الثمن الذي دفعه الآخرون بسبب هذا الجبن حقيقة لا يمكن محوها: إذا كانت الشجاعة تُكتسب بالتدريب، فمن يتحمل مسؤولية غيابها؟ والفرق بين أن تقول للناس كونوا شجعانًا وبين أن تُدرّبهم على الشجاعة هو الفرق بين خطبة جنائزية وحضارة حية.
والأمر لا يتوقف عند صاحب الجبن وحده، لأن الجبن حين يصدر من شخص يملك سلطة ويُشكّل الفضاء الثقافي حول من يقتدون به، يتحول إلى نموذج يُعلَّم بالممارسة لا بالكلام. حين يقرر صاحب صحيفة أو صوت عام أو موقع مؤثر أن ينسحب من الحكم الأخلاقي وأن يختار الصمت أو التبرير أو التجميل، فهو لا يتخذ قرارًا خاصًا، لكنه يُعلّم دون أن يتكلم أن الصمت ممكن وأن الغياب مقبول وأن التنازل عادي، وهذا التعليم الصامت يتحول إلى ثقافة تسري في النسيج الاجتماعي حتى يصعب رؤيتها لأنها أصبحت هي المعيار. الجبن لا يكلّف فقط من يمارسه، لكنه يُورّث نموذجًا يتعلمه من يأتي بعده ويُعيد إنتاجه في سياقات لا تشبه الأصل في ظاهرها لكنها تنهل من المنطق نفسه.
وفي قلب هذا المسار كله تقف كورين. لا كشخصيّة ثانوية، ولكن كجسد يحمل النتيجة، كحياة تشكّلت داخل ظل لم تختره ولم تستطع الخروج منه. الأب في حياة كل إنسان هو أكثر من شخص: هو المنظومة الأولى التي تتعلم من خلالها أن العالم آمن أو مرعب، هو الاسم الذي تحمله قبل أن تختار لنفسك اسمًا، هو الوضع الاجتماعي الذي تدخل به الغرف قبل أن تثبت نفسك فيها، وهو الإطار الأول الذي يُرى من خلاله كل شيء يأتي لاحقًا. وأكثر ما يُقلق في هذا الفيلم ويبقى معك أيامًا بعد مغادرة الصالة هو الحب الأبوي الحقيقي غير المصطنع الذي يسكن كل مشهد بين جان وكورين، الذي تراه في الطريقة التي ينظر بها إليها وفي الطريقة التي تؤمن به حين يتكلم وتسكت بقية الغرفة. هو يحبها فعلاً، وهي تحبه فعلاً، وهذا الحب بالذات – لا الكراهية ولا الطموح الإجرامي الواضح – هو ما جعل كل شيء ممكنًا. الحب حين يكون الحقيقة الوحيدة التي تحكم الاختيار، قد يتحول إلى عمى لا يكون بالضرورة باردًا أو قاسيًا، لكنه عمى دافئ يشعرك بالأمان بينما يقودك ببطء نحو ما لا تريد أن تراه. ولا يتهم الفيلم الحب كما لو كان الوجه الناعم للشر، بل يُري كيف يمكن لأنبل المشاعر أن تُوظَّف، لا عن طريق الخداع. لكن بالحرص الزائد وبالرغبة في الحفاظ على الجميل وبالأمل في أن الأشياء ستصلح من ذاتها إذا استمررنا في الوقوف بجانب من نحب. غير أن ثمة شاهدًا لا يقبل هذا الأمل ولا يشارك في الوهم؛ السل. المرض الذي يسكن كورين وأباها في الوقت ذاته، حيث يترك جسداهما يتآكلان في صمت. كما يكشف ما يتحاشى العقل مواجهته، ويرفض أن يؤجل الحقيقة إلى ما بعد انتهاء الحرب أو ما بعد الشفاء أو ما بعد أي وعد آخر بالغد. كلاهما يعيشان بالقدر الذي تسمح به اللحظة الراهنة ويؤجلان كل سؤال آخر، والجسد وحده لا يؤجل. كورين تمشي في ظل أبيها لأن ظله يتيح لها العيش بطريقة لم تتدرب على طريقة أخرى غيرها، وحين يصبح هذا الظل ثقيلًا لا تعرف كيف تخرج، لأن الخروج يعني أن تقف وحيدة في عالم لا اسم لها فيه بدونه. وحتى حين تحاول التمرد، يظل التمرد نفسه دورانًا حوله، يأخذ منه مركز ثقله حتى في لحظة الرفض، لأن الإنسان الذي يقضي حياته في مقاومة أبيه لا يختلف جوهريًا عن الإنسان الذي يقضيها في تقليده. كلاهما يجعل من الأب النقطة التي ينطلق منها ويعود إليها، كلاهما محاصر داخل نفس الدائرة، كلاهما لم يجد طريقه الخاص الحر بعد. وفي مشهد يصف بدقة مؤلمة هذا التعقيد كله، تقول كورين للمرأة التي آوتها بعد أن طاردها الناس في الشارع وبصقوا في وجهها: كان أبي، كان أبي، يجب أن تفهمي! هذه الجملة ليست دفاعًا عن جريمة أو تبريرًا لها، إنها اعتراف بأن الحب الحقيقي لا يُلغيه الخطأ أو الجُرم مهما كبر، وأن التاريخ حين يحكم على إنسان لا يستطيع أن يحكم في الوقت ذاته على كل ما كان يعنيه هذا الإنسان لمن أحبّه. وهذا هو الجرح الذي لا يلتئم في الفيلم: جرح أن يكون من ارتكب الجريمة هو أيضًا الشخص الذي علّمك أن تمشي، والشخص الذي كان يقف عند الباب ينتظرك حين تتأخر، والشخص الذي آمن بك حين لم يؤمن بك أحد. كيف تجمع كل هذا في جملة واحدة؟ كيف تحب وتُدين في آنٍ واحد؟ الفيلم لا يعاقبها على هذا الحب، لكنه يتركنا نحمله كسؤال مفتوح، وهو يعرف أن من يبحث عن إجابة واضحة أو عن حسم لهذا السؤال، لم يفهمه بعد.
كورين لم تكن جاهلة تمامًا بما كان يجري. لكنها كانت تعرف بالقدر الذي يسمح لها باستمرار الحياة، وهذا نوع خاص ومعقد من الجهل لا يمكن مساواته بالغباء ولا إعفاؤه بسهولة بذريعة البراءة؛ إنه الجهل الذي يملك المعلومة لكنه يختار ألا يفتح الباب الذي تقود إليه، يختار أن يبقى الباب موصدًا لأن ما خلفه سيُغيّر كل شيء، وتغيير كل شيء يعني إعادة بناء نفسك من أسسها وهذا من أشد الأشياء على الروح. وربما كانت كورين تعرف هذا عن نفسها منذ البداية، منذ أن صرخت في فيلم «Prison sans barreaux» عام ١٩٣٨: أنا بريئة، بريئة، بريئة! صرخة فتاة تؤدي دورًا في قصة خيالية لا علاقة لها بما سيأتي. لكن جيانولي يعيد هذه الجملة لاحقًا حين تكررها كورين في غرفتها مرارًا، لا كممثلة تؤدي دورًا إنما كامرأة تحاول إقناع نفسها قبل أن تُقنع أحدًا آخر، والتمثيل والحياة يتداخلان حتى لا يمكن الفصل بينهما. هل كانت تلعب دورًا طوال حياتها، أم أن حياتها كانت هي الدور؟ في آخر الفيلم، على ركام كل شيء، تجلس كورين أمام ليونيد موغي، المخرج اليهودي الأوكراني الذي منحها أول أدوارها الكبيرة في ذلك الفيلم عام ١٩٣٨، حين كانت الدنيا لا تزال واسعة وكانت هي لا تزال ممثلة واعدة لا ابنة متهم. لم يكن يجب أن يجلس أمامها بعد كل ما حدث، لكنه يجلس. يتحادثان، وتقول في سياق ما بأنها لم تكن تعرف، فيسألها بهدوء لا يخلو من قسوة رحيمة: وهل حاولتِ أن تعرفي؟ فتنظر إلى النافذة ولا تجيب. في ذلك الصمت وتلك النظرة يقع أكثر لحظات الفيلم إيلامًا لأنهما لا يتهمان ولا يُبرّئان، فقط يفتحان بابًا ظلّ موصدًا طويلاً، والباب حين يُفتح بهذه الطريقة لا يمكن إغلاقه ثانية. ثم يُغيّر هو الموضوع، ويعرض عليها أن تعمل معه من جديد، ويختم المشهد بما يشبه الإيمان الأخير: لا يبقى إلا السينما. وما يجعل هذا كله أكثر كثافة هو هوية من يجلس أمامها: رجل من الذين تأذّى ناسه بما صنعه أبوها يمنحها فرصة أخرى، وهذا ليس عفوًا – فالعفو أبسط من هذا – لكنه هو اختيار مواصلة الحياة بكل تعقيداتها، والإيمان بأن الفن يستطيع أن يحتوي ما يعجز عنه التاريخ.
حتى الفرح في هذا الفيلم مشبوه. مشاهد الحفلات الديونيزية المُقامة في قلب الاحتلال، حيث الشمبانيا تتدفق والموسيقى تصخب والأجساد ترقص وكأن العالم خارج هذا القصر قد توقف أو لم يكن موجودًا أصلاً، لا تُصوَّر كبهجة لكن كسؤال نفسي معلّق في الهواء: هل كان هؤلاء يستمتعون فعلاً، أم كان الاحتفال المبالغ فيه هو الطريقة الوحيدة التي يعرفونها لإسكات شيء ما داخلهم يعرف ما يجري ولا يريد معرفته؟ الإنسان لا يشعر بمتعة حقيقية عميقة إلا حين يشعر بأمان حقيقي، والأمان المبني على خوف الآخرين، هو في الحقيقة قلق يرتدي ثيابًا جميلة ويضحك بصوت أعلى مما تقتضيه النكتة. الاحتفال في قلب الكارثة هو وجه من وجوه الإنكار، تكثيف مصطنع للفرح لإسكات الصوت الداخلي الذي يعرف ويتهم، ضجيج منظّم ضد صمت يصبح أكثر إلحاحًا كلما حاولت إغراقه بالموسيقى. ولهذا حين تنتهي الحفلة ويمشي الناس في الشارع المظلم، يملؤهم حينها صمت مطبق، وفراغ خاص لا يردمه شيء. تعمل هذه الاحتفالات أيضًا كآلية للتورط الجماعي، لأنك حين تحضر وتصفق وتشرب مع الجميع، تصبح طرفًا في المنظومة بغض النظر عن كل ما تؤمن به في سرك، وهذا ذكاء السلطة في كل عصر: لا تطلب منك أن تؤمن، تطلب فقط أن تحضر.
ومن الحفلات إلى الصحيفة والصورة والكلمة، الحجة ذاتها تمتد لأن الأداة مختلفة لكن المنطق واحد. جان يبدأ بالأمل لا بالكذب، وهذا ما يجعل سقوطه أكثر إقناعًا وأشد إيلامًا، لأن الأمل حين يُفصل عن الواقع يتحول إلى أداة إقناع تعمل بالضبط لأنها صادقة في نبرتها. الثقافة ليست بريئة! هذه هي الحقيقة الأكثر إزعاجًا التي يطرحها هذا الفيلم، والحقيقة التي نُحجم عن مواجهتها لأنها تستدعي مسؤولية لا نريد حملها. نريد أن نؤمن بأن الكتب والأفلام والموسيقى تقف خارج السياسة محمية بنقائها الجمالي، لكن الرواية التي تُبنى باسم السلام والأمل يمكن أن تكون وقودًا لآلة لا يعرف عنها صاحبها شيئًا. وهذا هو الشكل الأشد خطورة في تاريخ التلاعب بالرأي العام: ليس الكذب الذي يمكن تفنيده، بل الحقيقة المنقوصة التي تبدو كاملة. من يملك الصورة يملك شيئًا من الحقيقة، أو على الأقل يملك الرواية التي ستبقى بعد أن يُنسى السياق الذي أنتجها، والرواية البصرية تعمل بآليات أعمق من الوعي النقدي، إذ يُشكّل الشكل الجمالي وعيَ المشاهد قبل أن يُشكّله المضمون الصريح. يصنع جيانولي فيلمه بجمال بصري مُحكم ومقصود، يُصوّر الحفلات في الضوء الذهبي المخملي ويُلبس الانحطاط ثيابًا فاخرة ويجعل المشاهد يستمتع بما يشاهده، قبل أن يُدرك أنه يستمتع بصورة الهاوية لا بالنجاة منها، لأنه يضع المشاهد في الموقع الذي كانت فيه كورين بالضبط: أمام جمال حقيقي محيط بشيء قبيح لا يمكن رؤيته بوضوح من الداخل. السينما هنا لا تُدين من فوق بصوت علوي، بل تجعلك تشعر بمذاق الخطيئة من الداخل قبل أن تُريك ثمنها في الخارج. وتطرح في هذا سؤالاً لا إجابة مريحة عنه: هل نحن نشهد أم نُفتن؟ هل الكاميرا تكشف أم تُغري؟ وهل يمكن أن يتحول الجمال نفسه إلى نوع من التواطؤ حين يجعل ما يجب أن يُرفض قابلاً للمشاهدة المريحة؟ السينما تملك قدرة نادرة على إعادة الصوت لمن لا صوت لهم وعلى جعلنا نفهم ما كنا نرفض فهمه، لكن هذه القدرة يمكن أن تعكس اتجاهها وتعمل على إعادة كتابة الذاكرة وتجميل ما لا يستحق التجميل وشرعنة من يملك أدواتها، وبهذا المعنى السينما ليست ملاكًا محايداً لكنها مرآة لمن يمسك بها. وسؤال من يمسك بالمرآة؟ هو سؤال سياسي في الأساس.
بعد انتهاء المعارك وسكوت المدافع، تحدث إعادة توزيع للأصوات لم يُعلن عنها أحد لكنها تعمل بصمت ودقة مؤثرتين. الضحايا يملكون الكلام: تُكتب قصصهم وتُدرَّس لأجيال، تُبنى لهم النصب والمتاحف والأرشيفات الضخمة التي تضمن ألا يُنسى ما حدث لهم، وصوتهم يتحول إلى جزء من الذاكرة الجماعية للأمم ومن الهوية التي تنبني عليها السياسة والتعليم. وهذا حق مشروع وضروري ولا يجوز المساس به. لكن في الجانب الآخر، المخطئون وأبناء المخطئين وأحفادهم محكومون بشيء مختلف: لا صوت، أو صوت يتحدث باستمرار باللغة الوحيدة المتاحة له وهي لغة الاعتذار المستمر، واسم يصبح وصمة تسبقك إلى الغرف قبل أن تدخل، وصمت أثقل من الكلام يحمله من لم يُسأل عن رأيه ومن لم يكن قد وُلد بعد حين جرى ما جرى. كورين ماتت في الثامنة والعشرين من عمرها، محكومًا عليها بعشر سنوات من الحرمان من الجدارة الوطنية، لم تعمل بعدها في الفن الذي كان كل حياتها، وابنتها وُلدت في خضم الفضيحة وحملت الاسم الملوّث قبل أن تفهم معنى الكلمات. الجيل الثاني يحمل وزن ما لم يرتكبه بأشكال أكثر خفاءً وأطول أثرًا: في النظرة الأولى التي تسبق التعارف، في الأسئلة التي تُطرح قبل أن يُتاح لك الكلام، في الشعور الدائم بأن الانتماء يحتاج إلى تبرير لا يحتاجه من لم يأتوا من هذا الاسم. المأساة لا تنتهي بموت المذنب، إنما تتوارثها أجيال لم يؤخذ رأيها ولم تجلس على تلك المائدة التي اتُّخذت فيها القرارات. والانتقام الذي يُصوّره الفيلم بمشاهد قص الشعر والمطاردة في الشوارع ليس عدلاً بأي معنى عميق للكلمة، بل هو طبقة إضافية من العنف تُضاف فوق الطبقات السابقة دون أن تمحو منها شيئًا: يُشبع غضبًا إنسانيًا مفهومًا لكنه لا يُعيد ميتًا واحدًا، ويُثقل أناسًا لم يكونوا أطرافًا في القرار ولم يملكوا يومًا خيار الرفض. التاريخ لا يُغلق حين يُعاقَب المذنب، إنما يبقى مفتوحًا ويعود في طبقات تبدو أحيانًا بعيدة من مصدرها الأصلي لكنها تحمل جذره في أعماقها.
في هذا الفيلم، الشر نادرًا ما يأتي بقرار واضح ومعلَن، وحين يأتي يكون مُغلَّفًا بما يكفي من القناعة والنبل ليبدو في الظاهر شيئًا آخر تمامًا. وهذا بالضبط ما يجعله أكثر إزعاجًا من أي عمل يقدّم الشر مكشوفًا والشرير معلَّمًا، لأن الشر الذي يرتدي وجهًا مألوفًا ويتكلم بلغة الحلم والحماية لا يمكن رفضه بالسهولة التي نتخيلها حين نكون بعيدين منه. أوتو أبيتز كان يحب فرنسا حقًا، كان يحب أدبها وفنها وطريقة حياتها، وكانت صداقته مع جان نابعة من اشتراك حقيقي في القيم وفي الحلم بأوروبا لا تتكرر فيها حماقة الحروب. لكن أوتو وصل في مرحلة ما إلى نقطة كان يرى فيها ويعرف، واختار مع ذلك أن يمضي، ليس بالضرورة حبًا في الشر إنما إيمانًا بالفكرة التي تقوده إليه أكثر من إيمانه بما يقوله ضميره. جان انزلق ومأساته في ذلك الانزلاق، أما أوتو فاختار باسم شيء أكبر منه، وهذا النوع من الاختيار لا يمنح صاحبه راحة الضمير، إنما يمنحه ما هو أخطر منها؛ يقينًا بأنه على حق.
الأيديولوجيا الكبيرة تستطيع أن تمتصّ الحب والنبل والنوايا الحسنة وتُعيدها أدوات، لأنها تعرض على الإنسان ما يريد أن يسمعه عن نفسه: أنه يخدم فكرة أكبر منه وأنه يحمي شيئًا يستحق الحماية، وحين يُقنع الإنسان نفسه بهذا يصبح ضميره الفردي في إجازة طويلة لأن الجماعة أخذت دوره. والقومية حين تتحول إلى عقيدة مغلقة تُذيب الفرد في الكل وتجعل ضميره يعمل باسم الكل لا باسمه، تفتح أمامه مساحة واسعة لفعل ما كان يعرف في قرارة نفسه أنه خطأ، وهو مطمئن لأن المسؤولية موزّعة على الجميع ولا أحد يحملها وحده. ويبقى السؤال الذي يتحاشاه الاثنان: هل هذا صحيح؟ سؤال بسيط، لكن الإجابة عنه كانت ستغيّر كل شيء، وهذا بالضبط هو سبب تحاشيه.
وكلاهما، جان وأوتو، وصلا في النهاية إلى المكان ذاته بطريقتين مختلفتين، فالانزلاق لا يعفي من المسؤولية والاختيار الأيديولوجي لا يمنح البراءة. أما الصداقة بينهما، تلك الصداقة التي بدأت بإشتراك في الحلم والقيم وانتهت بانفصال لم يُعلَن رسميًا، غير أنه تحقّق ببطء عبر سنوات من الاختيارات المتباعدة، فتطرح سؤالاً لا إجابة مريحة عنه: هل تصمد القيم الإنسانية المشتركة حين تصطدم بثقل الالتزامات السياسية والأيديولوجيا التي تكبر حتى تملأ كل شيء؟ الفيلم يجيب بما يؤلم: في الغالب لا تصمد، لأن السياق يكبر حتى يصبح أضخم من أي شيء شخصي، وينتهي الاثنان على ضفتين لم يختارهما بقرار واحد واضح، غير أن قرارات كثيرة صغيرة تراكمت حتى لم يعد ممكنًا الرجوع عنها، ولم يعودا يتكلمان اللغة ذاتها حين يتكلمان عن القيم التي جمعتهما يومًا. وحين يصل الفيلم إلى مشهد المحاكمة وصوت المدعي العام يملأ القاعة: “كلمات الأوغاد تُسلّح أذرع الأغبياء” تصبح كل هذه المسارات مرئية فجأة في لحظة واحدة: مسار الأب الذي انزلق، ومسار الصديق الذي اختار، ومسار الابنة التي حملت ما لم ترتكبه، ومسار كلمات خرجت يومًا من قناعة صادقة وانتهت وقودًا لآلة لا علاقة لها بذلك الحلم الذي بدأ منه كل شيء.
في نهاية الفيلم تعود الكاميرا إلى الغرفة ذاتها والمرآة ذاتها، والبقعة التي تطمس الانعكاس لا تزال في مكانها. لكن هذه المرة نعرف من أين جاءت؛ لم تكن تلوثًا في الزجاج ولا إهمالاً من أحد، كانت كل الأشياء التي اختار أن يُعمى عنها وكل الأسئلة التي آثر ألا يطرحها في الوقت الذي كان الطرح لا يزال ممكنًا وكان للكلمة ثمن لا يُدفع لاحقًا. هذا الفيلم لا يُدين بسهولة ولا يعفو برخص، يفعل ما هو أصعب وأكثر احترامًا للتعقيد الإنساني: يُفهّم كيف يصير الإنسان ما لم يكن يتوقع أن يصيره، كيف يتحول الحلم إلى تبرير والصداقة إلى غطاء والحب إلى سُجن مريح، وكيف يحمل الأبناء وزن ما لم يرتكبوه لأن التاريخ لا يسأل من يختار أن يولد ولمن. ويتركنا في النهاية بسؤال لا يريد أن يُجاب بسرعة: ماذا كنا سنختار نحن، لو كنا هناك، في تلك الغرفة، في ذلك الزمن، مع ذلك الأب وتلك الصداقة وذلك الخوف الذي يبدو دائمًا أصغر مما هو عليه في البداية؟
«كل إنسان على الأرض له وجهان. الخير والشر. إلقاء اللوم على الجميع هو عدم فهم شيء.» – فيكتور هوغو، الأشعة والظلال،١٨٤٠.
كتب هوغو هذا قبل الحرب بمئة عام، وكأنه كتبه وعينه على هذه المرآة بالذات. السينما في أفضل لحظاتها ليست محكمة تصدر أحكامًا أو خطبة تُلقي مواعظ. هي مرآة من نوع خاص لا تكتفي بعكس ما هو أمامها لكنها تعكس ما بداخلك أنت، ما لم تعترف به لنفسك بعد، ما تعرفه وتؤثر ألا تعرفه. وهذا الفيلم مرآة ثقيلة ومُتعِبة وضرورية، لا يمكن النظر فيها على استعجال.



