The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

الظلّ الأموميّ: أن تستيقظ دون أن تُشفى

283

  • شروق فَتَّال
    كتابة

    شروق فَتَّال

    كاتبة وناقدة وطبيبة سورية مقيمة في ألمانيا
  • آلاء حسانين
    مراجعة وتدقيق وإخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

ما استدعاني إلى كتابة هذا المقال رغبةٌ ملحّة في الفهم، من النوع الذي يلي الاستيقاظ. لا الاستيقاظ بمعناه الفيزيولوجيّ، تلك العملية المعقّدة التي تُشعل القشرة الدماغية وترفع النشاط الكهربائيّ لتُخرجنا من انخفاض الوعي إلى اليقظة الكاملة، بل استيقاظٌ آخر، أبطأ وأقسى، يحدث مرّةً واحدة في العمر إن حدث.

أثناء رحلتي مع الاكتئاب التبست عليّ مفاهيم كثيرة: الموت، والمعنى، والوجود. تضخّمت وحوش اللاجدوى وتسطّح الزمن. وبعد خمس سنوات من صداقةٍ ملفّحة بالسواد، بدأت بذور الضوء ترسل إليّ بخجلٍ خيوطها الصفراء، وأخذ الملاتونين، هرمون النوم، بالانخفاض، لأشاهد أمامي صورًا من حياةٍ لم أعشها بالمعنى الحقيقيّ، كأنّها مشاهد من فيلمٍ مملّ أراقبه وأنا على جبلٍ من الحزن والاستكانة.

تتشابه أعراض الاكتئاب سريريًا؛ ما يختلف هو ما يحدث في الداخل، كيف يتحدّث المريض عن أشباح الظلام التي تسرق بريقه. ولأنّ الفراق عنه ينبغي أن يكون ودّيًا، جلستُ أصغي وأفهم وأتحدّث، على أن تبقى الزيارة ممكنةً في أوقاتٍ لا تخضع لشروطٍ تُذكر. ومع افتراقنا انبثقت حاجةٌ غريبة إلى استدراك الزمن الضائع، والحزن الموروث، والطبقات النفسية المتلبّسة في كلٍّ منّا. لا أظنّني، في سعيي الحثيث، أنتظر أجوبةً وتفسيرات، لكنّني بالضرورة أرغب في الاستمتاع بفعل الاستيقاظ بعد سباتٍ طويلٍ.

في جلسات العلاج كنت أصف لمعالجتي مروة هوّةً غير محدّدة الملامح في داخلي، ككهفٍ في نهاية العالم لم يُكتشف بعد، فراغًا يبتلع كلّ شيء. كانت تُمعن النظر في وصفي، تكتب في دفترها وتسأل: هل هو ثقبٌ مفتوحٌ أم مغلقٌ؟ قاعٌ واضح الآفاق أم مُدمَجٌ بشيءٍ آخر؟ سخرتُ في سرّي من هذه التفاصيل المعمارية، ما الذي يهمّها في كلّ هذا التصوّر الهندسيّ؟

لكنّ اللغة التي نصف بها ما نشعر به ترسم للآخر خريطةً لانتقال الفكرة من الظلام إلى الضوء. كنت أقاوم أسئلتها وألتفّ هاربةً منها؛ والهروب من هوّةٍ، ولو بالتحدّث عنها، فعلٌ نبيلٌ للنجاة. غير أنّ هذا النوع من الهوّات يكبر كلّما ابتعدنا عنه، ولا سبيل إلى فهمه إلا بالإفلات في شباكه، أو بالأحرى الهبوط لمعرفة عمق القاع ثمّ محاولة الردم.

الاستيقاظ الذي أتحدّث عنه تتجاوز غايته النور. ظننتُ طويلًا أنّ الشفاء هو إضاءة ما كان معتمًا، لكنّ يونغ كان يعرف أنّ هذا وهم: لا يُنال التنوير بتخيّل أشكال النور، بل بإيصال العتمة إلى الوعي. العتمة التي كنت أصفها لمروة بكلّ هذه التفاصيل المعمارية، الهوّة، الكهف، الفراغ، سمّاها يونغ بكلمةٍ واحدة: الظلّ.

كنت قد اطّلعت على مقاربة يونغ للقناع (persona)، واللاوعي الجمعيّ، والأحلام؛ مفاهيم ساحرة قادتني إلى تشريح ما قدّمه للإنسان. فنحن، بالنسبة إليه، لسنا كيانًا واحدًا متجانسًا، بل طبقاتٌ معقّدة تقود كلٌّ منها المشهد الإنسانيّ على نحوٍ غير مفهوم: الأنا التي تتكيّف وتُدير، والقناع الذي نُقنع به الآخرين والأهمّ أنفسنا، واللاوعي الذي يحفظ ما لم نستطع احتماله. أمّا الظلّ فيقع على العتبة بين الاثنين.

«الظلّ مشكلةٌ أخلاقية تتحدّى الشخصية الأنويّة برمّتها؛ إذ لا أحد يبلغ وعيَه بظلّه دون جهدٍ أخلاقيٍّ جسيمٍ. والوعيُ به يستلزم الاعتراف بالجوانب المعتمة للشخصية بوصفها حاضرةً وواقعيةً. هذا الفعل هو الشرط الجوهريّ لأيّ معرفةٍ بالذات، ولذا فهو، كقاعدة، يُلاقى بمقاومةٍ عنيدة.»

في الجملة الأخيرة استدعاءٌ كثيفٌ لأكثر معضلاتنا التباسًا، ما لا نرغبه، ما لا نطيقه في أنفسنا، يعود بطرقٍ لا واعيةٍ ثمّ يسقط على الآخر كمرآةٍ لظلالنا. ومع ذلك بقي يونغ متمسّكًا بضرورة التعرّف على هذه الظلال بوصفها جزءًا أصيلًا من الذات. نظريّة الظلّ هي ما جعلني أحبّ أعماله، وأكنّ له امتنانًا خاصًّا: لأنّه أعطاني اسمًا لما كنت أصفه لمروة بالصور والاستعارات، ولم أكن أعرف اسمه.

ثمّ اقترح يونغ، في عمله على اللاوعي الجمعيّ، صورةً بدائيةً للأمّ راسخةً في لا شعور البشر جميعًا، لها وجهٌ مضيءٌ وآخرُ معتمٌ، تحمل في طبيعتها تناقضًا عجيبًا. لكنّ العالم لم يحتمل هذا التناقض، فأخذ نصف الصورة وسمّاه «الأمّ الصالحة»، ورمى النصف الآخر إلى القاع. وصار هذا النصف المطرود، الذي يكره دوره أحيانًا ويرغب في الفرار، هو ما تخفيه الأمّهات وتدفع به بأقصى طاقاتهنّ نحو الداخل.

كتبت أدريان ريتش عام 1976: «العامل يستطيع أن يؤسّس نقابةً أو يُضرب عن العمل؛ أمّا الأمّهات فمفصولاتٌ عن بعضهنّ داخل البيوت، مربوطاتٌ بأطفالهنّ بروابط الشفقة؛ لذلك غالبًا ما أخذت إضراباتنا البرّية شكل الانهيار الجسديّ أو النفسيّ.»

الانهيار، إذن، احتجاجٌ لا يجد لغةً. وأنا التي افتتحتُ اكتئابي بانهيارٍ دام خمس سنوات، ثمّ هربتُ من أسئلة مروة لأنّي لم أملك بعد لغةً أسمّي بها ما يحدث في الداخل، أعرف هذا الإضراب البرّيّ من الداخل. وبعد تسعةٍ وأربعين عامًا على جملة ريتش، صوّرتها المخرجة برونستين سينمائيًا في فيلمها If I Had Legs I’d Kick You بغرابةٍ تدعو إلى التأمّل.

تبدأ ذروة الفيلم حين تعود ليندا وابنتها إلى شقّتهما فتجدانها وقد غرقت في مياهٍ غامضة المصدر. تتبّعت ليندا الماء فوجدت سقفًا مهترئًا في غرفتها ينسدل منه بلا توقّف. ثمّ فجأةً يتمزّق السقف، فتظهر مغارةٌ سوداء كأنّها كانت موجودةً دائمًا وانتظرت اللحظة لتنكشف؛ صدعٌ مفتوحٌ لا يبدو أن إصلاحه ممكنًا. تنهار ليندا في موجة قلقٍ مفزعة، بينما يماطل زوجها في الإصلاح، ويمرّ الجيران كأنّ شيئًا لم يكن. منذ هذه اللحظة يصبح الثقب وجه ليندا الثاني: تلك الفجوة التي فُتحت فوقها، تقطر فيها وتُسقطها كلّ ليلة.

وهنا، دون أن أتوقّع، وجدتُ سؤال مروة المعماريّ يُجاب أمامي على الشاشة، الهوّة التي وصفتها بالكلام صارت ثقبًا في عمارة، في سقف. ما سخرتُ منه في دفترها ردّه الفيلم إليّ حقيقةً معماريةً تقطر ماءً.

وفي الوقت ذاته تعاني ابنة ليندا من مرضٍ مجهول يظهر ثقبًا صغيرًا في بطنها، إلى جانب الحبل السرّيّ، تأكل من خلاله وهي في السابعة كما يستمدّ الجنينُ غذاءه من أمّه. نكتشف تدريجيًا أنّ ليندا لم تتّخذ قرارًا واعيًا بالإنجاب، وأنّها تنظر إلى ابنتها بوصفها عبئًا ثقيلًا يعطّل حياتها ويجعلها غير قابلة للاحتمال. لدرجة أنّ المخرجة أخفت وجه الابنة عن الكاميرا، دلالةً على الحجاب النفسيّ بينها وبين الكائن الذي يُفترض أنّه يمنح الأمّ معنى وجودها؛ حجابٌ سميكٌ إلى حدّ أنّ الكاميرا نفسها لا تستطيع اختراقه.

ثقبان إذن ما يطلعنا على المشهد، ثقبٌ يطلّ على ليندا من فوق، وثقبٌ يمتصّ منها من الأسفل، الظلّ نفسه في اتجاهين، يسقط عليها من السقف، ويُورَّث منها عبر الحبل السرّيّ. الأمومة، في الحالتين، فتحةٌ لا تُسدّ.

في طفولتي كثيرًا ما أصغيتُ إلى أحاديث الكبار توقًا إلى تخطّي العمر. وفي إحدى الجلسات النسائية استرقتُ السمع لما يُقال، على مستوى العائلة الضيّق، عن امرأةٍ اختارت أن تمضي في حياتها رغم وجود أطفالها. اتّسمت التوصيفات بتعنيفٍ لفظيّ بقي عمرًا يتبادر إلى ذهني كلّما قاطعتني الدروب بأمّهاتٍ امتلكن رؤيةً مغايرة للمثالية المتعارَف عليها؛ قالب الأمّ المنسوج عبر مئات السنين. وبقيت الأنانية وأشنع درجات الفردية تحكم نظرتي إليهنّ، حتّى كان الاكتئاب هو الباب الذي فهمتُ منه ماذا يعني أن تُسبّب لكِ خياراتُكِ الحياتية آلامًا عنيفة لا تنتهي إلا بمحاولة تغييرها.

هل يمكن للأمّ أن تدرك ظلّها دون أن تفقد ذاتها فيه؟ هذا السؤال يُدير الفيلم في صمت. تحاول ليندا احتواء التناقض بسيلٍ عابثٍ من الانعكاسات على علاقاتها، أو بالهروب، لكنّ الثقب يظهر ويكبر مع مرور الوقت. وحين يُغلق المجتمع الباب أمام الاعتراف بالكره الأموميّ، لا تجد المشاعر مكانًا تُسمّى فيه، فتتظاهر اكتئابًا أو مرضًا جسديًا، وفي حالاتٍ أشدّ عنفًا ضدّ الذات أو ضدّ الطفل. وقد فهمتُ في دراستي للطبّ أنّ الحمل والولادة من أكثر التجارب الحياتية زخمًا؛ لا يعود جسد المرأة كما كان إلا بعد سنوات، وتزداد احتمالات المرض النفسيّ بوضوح. وفي عالمٍ يُطالب الأمّ بحمل هذه الأعباء، لا بدّ من التسامح وكسر التابو: أن ننقل السؤال من «كيف يجب» إلى «كيف يمكن».

هنا تُسمّي عالمة الاجتماع شارون هايز هذا المَطلب «الأمومة المكثّفة»: أيديولوجيا تُحمّل الأمّ وحدها مسؤولية كلّ شيء، وتُملي تربيةً متمركزةً حول الطفل، موجَّهةً بالخبراء، مستغرِقةً عاطفيًا، لا تترك حيّزًا لذاتها، حتّى يصير كلّ خيارٍ صحّيّ أو غذائيّ شهادةً على حبّها. هذا ما تُطالَب به ليندا من كلّ زاوية؛ والأعمق أنّها تقتنع بعجزها عن بلوغ هذا التفاني.

ظلّ ليندا، إذًا، ليس ظلًّا فرديًا ينبت من تكوينها وحدها؛ هو في إحدى الجوانب ظلٌّ تزرعه الحداثة في كلّ أمٍّ بمطالبها المستحيلة، ثمّ تحاكمها على وجوده فيها. الثقب في سقفها شهادةٌ على نظامٍ يُنتج الظلال بالجملة ثمّ يتعجّب من ظهورها. وحدها تتحمّل العواقب، لكنّ الظلّ ظلُّنا جميعًا.

ليندا، طوال الفيلم، تترنّح في مكانها. تعي أنّها ليست بخير وأنّ التراجع ليس خيارًا، فتُسقط ظلّها على ابنتها لعجزها أن تكون الأمّ المتوقّعة، وتُسلّط غضبها على زوجها الغائب لأنّها لا تستطيع أن تكرهه علنًا، وعلى معالجها الذي تتمنّاه الأمّ التي لم تجدها، وعلى نساءٍ يبدين أكفأ منها. والثقب يكبر فوقها؛ فما لا يُرى في الداخل لا بدّ أن يخرج من مكانٍ ما.

لحظة الوعي لديها هي ظهور الثقب نفسه. هذا هو الاستيقاظ الذي تجسّد في المشهد الأخير، لا تُشفى ليندا في برهة، ولا تصير أمًّا صالحة، لكنّها تَرى. ويتكشّف لها ما وراء المفهوم السماويّ للأمّ. والرؤية، عند يونغ، هي البداية التي بدونها لا يحدث أيّ تغيير.

في اللحظات الأخيرة، ولأوّل مرّة، ينكشف وجه الطفلة. شيءٌ ما تغيّر في ليندا: الكاميرا كانت تُرينا ما عجزت ليندا عن رؤيته، والآن تستطيع أن ترى ابنتها بوضوح. لا ندري ما سيحدث بعدها؛ تتركنا المخرجة مع نهايةٍ مفتوحة، كأنّها تقول إنّ الحلّ يكمن أحيانًا في ثقبٍ في السقف يدخل منه ضوءٌ يكفي. الفيلم، بهذا المعنى، عينٌ تنظر إلى ليندا حين لا ينظر إليها أحد. وحين نجلس أمامه نصير عينًا أخرى، ننظر إلى ظلٍّ أموميّ ظلّ في العتمة طويلًا، ونمنحه ولو لساعتين إذن الظهور.

وبالعودة إليّ: لعب استيقاظي دورًا مؤلمًا بما يكفي ليدفعني إلى التعرّف على ظلّي وسبر مكامنه. فبعد أن تحدّثت عنه لمروة بدأت ألاحظ أنّه يرافقني أينما حللت، كأنّ وعيي به سلّمه صكّ التظاهر براحةٍ مطلقة؛ بعوضةٌ سوداء تطنّ في أذني وتأبى الرحيل، قاعٌ يمدّ جذوره في داخلي ويبتلع كلّ شيء معه، السعادة، والذاكرة، وحتّى علاقتنا بالزمن. ظننتُ أنّي وحدي معه، إنسانٌ وهوّة ولا شيء آخر، حتّى فهمت، مع العمل الدؤوب في جلسات العلاج، أنّ الظلّ حالةٌ تُولد مع مجيئنا إلى هنا، وأنّ الهروب منه كالهروب من الرغبة: أمرٌ لا نقدر عليه، أفعوانةٌ تزداد تعقيدًا كلّما حاولنا التخلّص منها.

هذه هي التوأمة بيني وبين ليندا، كلتانا استيقظت دون أن تُشفى. لم يُنِرْ وعيي بالظلّ غرفتي، لكنّه فتح فيها ثقبًا يدخل منه ضوءٌ يكفي. ومروة عينٌ تراني في هذا العالم، تُذكّرني بأنّي لم أكن أهذي حين كنت أصف الهوّة. وفي الأخلاق اليونغية، أن تُرى بالكاميرا، وبالثقافة، وفي النهاية بالذات نفسها، هو الشرط الأوّل غير القابل للتراجع في طريق التكامل النفسيّ.

سؤال مروة عن شكل الهوّة، الذي سخرتُ منه، كان السؤال الصحيح.