The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

الغريب كاهن وطبيب وحبيب أحيانًا

118

  • آلاء حسانين
    مراجعة وإخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا
  • رغدة مصطفى
    كتابة

    رغدة مصطفى

    كاتبة ومهندسة من مصر

في القطار يلتقي غريبان، ومع المسير تتغير المصائر، وتتشابك الأقدار لنشهد قصة حب ملتهبة. على طاولة بار، يقرع غريبان كأسيهما ويتبادلان الأعداء، وينظمان جريمة قتل مكتملة. في السينما، يمكن أن نصدق أي شيء مع سيناريو محكم، وإحساس صادق من الممثلين بإدارة مخرج واعٍ. ماذا عن الواقع؟ نصادف في حياتنا ملايين الغرباء، فهل يمكن أن تتطور الأحداث كما في الأفلام؟ بعدما صار واقعنا أكثر تعقيدًا وعبثيةً في سير أحداثه. هل يمكن أن تنفتح أرواحنا مع غريب، نُخبره في مصادفة عن سر من أسرارنا، وجعٍ يعتصرنا، وأمنيات عنيدة؟ أو أن نمزح ونلقي بالنكات، ونقبل شرب فنجان قهوة، ونستمع معًا لأغنية مسافرة، أو نكتفي بتمشية قصيرة. مواقف كتلك بسيطة وحميمية تحدث في العادة مع أصدقاء، فهل نتصور أنها تحدث مع غريب نلتقيه لأول مرة؟

شخصيًا وقعت معي مصادفات من هذا النوع، أغلب المواقف كانت تحدث في المواصلات العامة. حدث أن أُلقي إليَّ بفاكهة لذيذة كالخوخ تحيةً لطيفة من مسافر لآخر في قطار. تلقيت عروض زواج من غرباء يُقسمون بصدق نواياهم. طبطبت كف سيدة على كتفي حين لمحت دموعي، دون أن تنطق بكلمة. تعرفت على فتاة لا أذكر اسمها وقررت التأخر عن عملي لأبحث معها عن حذاء. استعارتني يومها كصديقة، لم نكتفِ بشرائه، بل ذهبنا إلى مطعم صغير والتهمنا طبقي كشري. تجولنا بعدها في المدينة في نهار خريفي منعش، ودّعتُها نهاية الجولة دون أن نتبادل أرقامنا.

في الثلاثية الشهيرة Before Sunrise وBefore Sunset وBefore Midnight تقابل بطلا الفيلم في قطار يعبر مدن أوروبا، راحت تتلاقى الأعين وتتبادل الأحاديث، ومع اهتزاز القطار اهتزت مشاعرهما وتقاربت. اختيار القطار مسرحًا لبداية الأحداث ليس اعتباطًا؛ الشعور بالغربة يُحرر صاحبه ليكون أكثر خفةً وانفتاحًا وشغفًا بكل جديد وغريب. انطلاق القطار دفع بانفلات المشاعر، وراحت الحكايات تتوالى كما المدن عليهما، وهما يتجولان داخل ذاكرتهما.

حكى جيسي “إيثان هوك” عن نهار قررت فيه أخته تعليمه صنع قوس قزح باستخدام خرطوم مياه في اتجاه الشمس، ففعلها جيسي وظهر له طيف جدته المتوفاة مع القوس الملون، وراحت تبتسم له وهو ينظر إليها، إلى أن سقط الخرطوم فاختفى القوس وطيف الجدة. أصرّ والداه على أن ما رآه خيالات، فالأموات لا يظهرون للأحياء. لم يجادلهما، وأبقى الحكاية في ذاكرته حقيقةً لا تقبل الشك.

حكت سيلين “جولي دلبي” عن ذهابها لطبيبة نفسية بعدما انفصل عنها حبيبها، وكان مدمن كحول وسيئًا في الفراش. بقيت معه شفقةً عليه حتى انفصل عنها فأصابها الهوس. كانت تُخرج أفكارها مع طبيبتها، وحكت عن قصة ألّفتها تقتل فيها البطلة حبيبها، فأرادت الطبيبة أن تُبلّغ الشرطة وتعاملت مع القصة كرغبة حقيقية يجب مقاومتها.

حكايات كثيرة من هذا النوع تبادلاها سيلين وجيسي دون خوف من حكم الآخر. فالذاكرة مليئة بالحكايات، وفعل الانتقاء لا يكون عفويًا إذ استهدف إعجاب الآخر. هنا أراد كل طرف أن يكون ذاته، أن يسرد ما يمس روحه ويشغل باله، لا ما يجتهد في تذكر تفاصيله ووصفه ليظهر بصورة مثالية. فلا تنافس أو ضغوط لنيل مكاسب في العمل، ولا روابط اجتماعية تستوجب التأنق في الملبس والحديث. ولم يخجلا من أن تُظهر حكاياتهما كم الشخص ساذج أو مجنون. فهو اللقاء الأول والأخير كما يُفترض.

في فيلم مصري آخر “مهمة صعبة جدًا” اختار المخرج أن يكون البار ملتقى الغريبين، جاعلًا من السُكر وسيلةً للتحرر من القيود، ودفعات الشراب وقودًا لمواصلة الحكي عن بؤس حياتيهما وأحقادهما، وعن كراهية كل طرف لعدو بعينه يمثل عقبةً لحياة أكثر سعادةً وراحة. أحمد “فاروق الفيشاوي” يكره زوج أمه لأنه كان يومًا صديقه، ووحيد “صلاح السعداني” يعادي زوجته التي بوفاتها سيتمكن من أموالها.

مع السُكر يفقد الإنسان زمام أمره؛ تنكسر القيود التي يفرضها على سلوكياته، وتتحرر المشاعر، ليظهر الغضب كوحش فشل صاحبه في ترويضه، ويتعرى المُحب فتسقط دموعه وتتجلى وداعة ضعفه. فتنكشف مع السكر الأسرار والرغبات الغامضة والمكبوتة.

الفيلم المصري فكرته مقتبسة عن فيلم أمريكي “غرباء في قطار” إخراج هيتشكوك؛ كان القطار ملتقى الغريبين، وأظهر المخرج منحنيات القضبان وخطوط السكك الحديدية الملتوية والمتداخلة مع بداية الأحداث دلالةً على تغيير المسارات والمصائر الذي سيحدث بلقاء الغريبين، واستعان بحالة السكر أيضًا لينساب الحوار. في السينما يمكن أن يتحول الغريب العابر إلى عاشق وزوج أو شريك في جريمة قتل.

فالجزء الأول من الثلاثية جسّد واقعًا عاش أحداثه المؤلف، لقاء وحيد حدث وموعد لآخر لم يحدث. هنا تلعب السينما دورها، فمع تحويل الأحداث إلى فيلم لم يرغب المخرج في التوقف عند الفراق، فصنع جزأين آخرين حيث يظهر البطلان كزوجين في الفيلم الأخير.

في الفيلم الآخر “مهمة صعبة جدًا”، قاد السكر أحد الطرفين للتفكير بجنون وذكاء ناصعين في تبادل قتل عدويهما؛ لن يخطر ببال أحد ربط الجريمة بمنفذها لأن لا دافع لديه ولا معرفة سابقة بالقتيل. أراد المؤلف استثمار حدث متكرر كالسكر وما يتبعه من انفلات للمشاعر والصراخ بالمعاناة والشكوى في صناعة فيلم جريمة مختلف ومثير.

ترغب السينما هنا في الإجابة عن السؤال الذي طالما حيّر الإنسان، سؤال “ماذا لو؟” طوال مسيرته، والإنسان يتساءل عن قدره وعن السكك التي تجنبها مقابل المسار الذي سلكه مختارًا أو خانعًا.

“لو” التي يُقال عنها في المثل إنها تفتح باب الشيطان، تُجيد السينما الإجابة عنها بفتح الأبواب على مصراعيها، لندخل معها تلك العوالم الموازية لحياتنا.

بهذا المنطق أقنع جيسي سيلين بالنزول من القطار ليقضيا ليلةً معًا في شوارع فيينا؛ طلب منها أن تسافر بالزمن إلى المستقبل وتتخيل نفسها متزوجةً تشعر بالملل، وربما تتذكره وقتها كفرصة أضاعتها. لكن قضاءها ليلةً معه سيؤكد أنها لم تخسر شيئًا، لأنه كزوجها “ممل”، يقولها ساخرًا لإقناعها.

جانب كبير من غرامنا بالسينما عائد لقدرتنا على التماهي مع الأبطال وتخيل أنفسنا في مواقعهم، والسماح لأنفسنا بالاستمتاع بردود أفعال أكثر حريةً وجنونًا دون أن نخاطر بخسارة ما لدينا أو مواجهة مجهول مخيف.

ذات المتعة نجدها في الأدب؛ ففي رواية “٢٤ ساعة من حياة امرأة” للأديب ستيفان زفايغ، لقاء عابر مع غريب أدخل “س” البطلةَ في مغامرة غيّرت نظرتها لذاتها وكادت أن تتخلى عن حياتها المستقرة وأولادها. كانت صالة القمار هي الملتقى، حيث الغريب الشاب مدمن قمار. استطاعت في سويعات أن تشاهد عليه مشاعر وانفعالات متعددة من البهجة إلى الحزن والشغف واليأس. ومتابعة كل تلك التغيرات على ذات الشخص جعلتها منجذبةً إليه، خاصةً مع عجزه عن إخفاء مشاعره كما يبرع رواد هذا المكان بدواعي اللعب. فظنّت أنها على معرفة جيدة بدواخله، لتتبعه عقب خروجه من الصالة وتبدأ مغامرتها معه.

اختيار صالة القمار كان وسيلة زفايغ ليعرض حالات شعورية مختلفة ومكثفة تنتاب البطل مع حالة السكر التي كان عليها لتُفقده زمام أمره تمامًا.

بعد أكثر من عشرين سنةً صادفت البطلة غريبًا آخر، فنصبته كاهنًا لتودعه اعترافها بما اقترفت وتُزيح ثقل تلك الذكرى، إذ طائفتها المسيحية لا تؤمن بنظام الاعتراف الكنسي كما تقول.

أراد زفايغ أن يُثبت كيف يمكن للقاء عابر نتعرض فيه للغواية أن يُكلّفنا حياتنا، ويكشف لنا كم هي هشة وعرضة للضياع. يكشف أنفسنا وقدرتها العجيبة على خوض المغامرات والتضحية بكل شيء في ليلة. ويجعلنا نتساءل عن حقيقتنا: هل هي ما نعرفه عن ذاتنا طوال حياتنا، أم ما نكتشفه مع غريب عابر؟

نأتي للواقع بسؤال عدد من الكتّاب والباحثين وأصحاب الأعمال الحرة عن مصادفات حدثت ومواقف مع غرباء ومآلاتها في واقع الحياة.

يتذكر “بلال عبد الله” باحث سياسي، مقابلته لسيدة شريدة في محطة قطار رمسيس جعلت من عربات القطار مسكنًا لها؛ يوضح بلال: “لا يوجد ما يوحي أنها مشردة سوى اصطحابها كيسًا مهلهلًا يحوي أشياءها؛ خلاف ذلك هي تشبه أمهاتنا، هيئة بسيطة ومريحة لا توحي بشيء مريب.” يُكمل بلال: “لا أعلم كيف بدأ الحديث وانساب، ليكون أطول حوار عابر خضته مع غريب. كانت مستجدةً في حياة التشرد؛ عاشت أغلب سنوات عمرها في الأردن صحبة زوجها، وعقب وفاته ودّت أن تعيش ما تبقى من عمرها في مصر، فعادت لمسقط رأسها. لم تُطق الحياة تحت سطوة زوجة أخيها الذي استولى على شقة العائلة، فاضطرت على وقع الكثير من الممارسات الاستفزازية أن تترك المنزل، لينتهي الحال بها تقضي يومها في عربات القطار دون ممارسة التسول، الأمر الذي استحقت عليه تساهلًا من مفتشي القطارات الذين اعتادوا وجودها دون تذكرة.” يُضيف بلال: “وراء هذا الخط الدرامي عشرات القصص سردتها عن حياتها مع زوجها وعن طفولتها وحياة الشقاء بعد عودتها. أدهشني رفضها الحازم إخباري باسمها، وكان لديها إصرار غريب كما لو أنها تتمسك بالطابع العابر للحديث وهوية كلينا للآخر كغريب.”

يحكي “محمد مصطفى” تاجر بلح عن مشترية سألته في نهار رمضان عن مكان يمكنها أن تشرب فيه سرًا، فذهب بها إلى مخزن خاص بعمله وأشعل في ذات المكان سيجارة. وما بين شرب كوب ماء وسيجارة، حدثته عن مشاكلها الأسرية ومعاناتها مع أهل زوجها بعد وفاته وضغوط أهلها. لم يسألها محمد عن اسمها ولم يصادفها مرةً أخرى، لكنها أتت مرارًا على باله، يقول إنه كان يتمنى لو يطمئن عليها.

اعتادت “آلاء فودة” شاعرة مصرية وصيدلانية، في المرحلة الثانوية والجامعية من حياتها، أن تستقل المواصلات العامة وتدير أحاديث مع غرباء. تقول: “كنت أتفرس الوجوه جيدًا وما إن أستشعر لطف أحدها حتى أبادر بالحكي.” كانت تحكي عن مشاكل عائلية ودراسية لا ترغب بالجهر بها أمام المقربين. وفي مصادفات أخرى كانت آلاء المستمع لا المتكلم، وتؤكد: “أنا أيضًا أُجيد الإنصات.”

واحدة من تلك اللقاءات حدثت في حمام السيدات في أحد المولات، حيث صادفت فتاةً تضبط ميكياجها، فسألتها إن كانت تراها جميلة، وهي بصحبة خطيبها وقد عرفت مؤخرًا أن جارةً له متزوجة تُشاغله، الأمر الذي شككها في ذاتها. حاولت آلاء أن تُزيح الشكوك عن الفتاة وتعزز ثقتها بنفسها.

آلاء أيضًا تشككت في فترة من حياتها في نفسها بسبب زيادة في الوزن، إذ جرّبت محاولات كثيرة لإنقاصه دون فائدة، فسألت في مرة إحدى العابرات: “هل تراني ذات وزن زائد؟”

تُبرر آلاء لجوءها لسؤال الغرباء والحكي معهم بدلًا من المقربين بأنها لا ترغب في تضخيم مشاكلها أو استرعاء انتباههم لأمر تفضل تجاوزه، فمعرفتهم ستُعمق المشكلة ربما وتُبرزها.

بينما لا يبادر محمد مصطفى بالحديث مع الغرباء كونه شخص كتوم كما يصف نفسه، يتفق بلال عبد الله معه في هذا الأمر موضحًا أنه يمتنع عن حكي مشاكله الخاصة للمقربين، طالما لن يُصلحها غيره فلا مبرر لإثارة ذعرهم. ويجد أن الحديث عن مشاكله لا تجاهلها مع الغرباء يزيد من حزنه وشعوره بالعجز.

في أغلب القصص يُمثل الغريب في وجه من وجوهه دور الطبيب النفسي أو الكاهن، يحتاجه المرء ليُخفف من ثقل الأوجاع والحيرة بالحكي دون مقابل مادي، الحكي بسلاسة واطمئنان لأنه اللقاء الأول والأخير.

تلك القاعدة تحديدًا، اللقاء الوحيد، هي ما يُفرق بين الواقع والخيال. يُصر العابر في الواقع على أن يظل غريبًا بلا اسم أو عنوان، لتبقى الحكاية هي البطل. لا يتذكر أحد هنا أية أسماء حتى لو ذُكرت في اللقاء، لكن الحكايات صمدت في ذاكرة الغرباء.

يُلجأ أيضًا للغريب لأن المقربين في كثير من القصص هم أطراف المشكلة أو على إطلاع بها، لذا يصبح الحكي للغريب أسهل، إذ لا اعتراضات أو شروحات مختلفة يمكن أن يواجهه بها أحد وهو مسترسل في حكي روايته الخاصة. يُلقي بحكايته كرسائل الحب المحفوظة في زجاجات في عرض البحر، لا يطمح أن يوصلها الموج إلى الشاطئ أو أن يحفظها الغريب في ذاكرته.

أغلب اللقاءات لا تمثل حوارًا متبادلًا كما يدور في السينما؛ في تلك اللقاءات هناك دومًا متكلم وآخر منصت باهتمام يدفع المتكلم للاسترسال. فشهوة الحكي متى تملّكت المرء لا تُغري بالضرورة الآخر للحديث، يكفي المتحدث حينها أن هناك من يُنصت له بلطف وودٍّ نبيل دون أحكام.

في الواقع أيضًا نجد تنوعًا في الأمكنة التي تمثل ملتقى للغرباء، من المواصلات العامة إلى حمام أحد المولات مرورًا بالأسواق. في حين يُهيَّأ مسرح اللقاء في السينما أو الأدب لتُسهم الأمكنة في انفتاح الحوار وليُصدق المشاهد إمكانية حدوث حوار حميمي من هذا النوع مع غريب؛ نجد مثلًا قطارًا يعبر المدن والرغبة بمرور الوقت تدفع الحوار للأمام، أو ملتقى البار وكأس الشراب وقودًا للحوار، أو صالة قمار يكون اللعب فيها قادرًا على تغيير مصائر البشر. هذا بينما لا أحد يعرف في الواقع سر انفلات الحكي فجأةً من غريب لغريب.

ربما وعد بالسعادة والراحة هو ما يرجوه الغريب بحديثه مع الآخر؛ إذ تنصح عدة دراسات مؤخرًا بالحديث مع الغرباء. واحدة من تلك الدراسات ذكرتها مجلة Psychologies، وهي بحث أجراه نيكولاس إيبلي وجوليانا شرودر من جامعة شيكاغو عام 2014، وتضمن تسع تجارب منفصلة؛ طلبا من الركاب المشاركة في واحدة من ثلاث مواقف: الانخراط في محادثة مع شخص غريب في القطار، أو الجلوس في عزلة، أو التصرف كما يفعلون عادةً كالنظر إلى هواتفهم وغيرها. ووُجد أن الفئة الأكثر سعادةً والشعور بالإيجابية هي التي أدارت حديثًا مع غريب. لذا تنصح المجلة والباحثون الأشخاصَ بالحديث مع الغرباء لتوسيع عالمهم والنظر خارجه كل حين، فغالبًا ما يجلب الحوار شعورًا إيجابيًا بالسعادة والرضا عن النفس لكلا الطرفين.

يحاول الشعر هنا أيضًا بطريقته الخاصة التقاطَ سر انفلات الحكي فجأةً بين غريبين:

دمعتي التي بللت كف الغريب دون قصد، نظرتي الشاردة المعلقة بزر قميصه العلوي أسفل التفاحة مباشرةً، سري الصغير وهو يسري لمسمعه، هفوتي التي أغمض عينيه عليها، سقطتي التي منع حدوثها ذراعه، دمي الذي لوّث قميصه، حُلمي وهو يلامس كتفه حين فتحت عيني فطار، قطع البسكويت التي تقاسمناها لنُخرس الجوع، دندنته وهي تميل بجسدي، تلك الرهافة التي تفتح ببطء أبواب الجنون.

ربما لرهافة السبب لا يمكننا القبض عليه، لكن يظل هناك سحر في مشاركة الغريب شيئًا ما: ثمرة فاكهة، سيجارة، حكاية أو سرًا. هذا ما يُعيد إلينا ثقتنا في الإنسانية إذ نثق في الغريب.