يمتلك العالم طريقته الخاصة في تهذيبنا وتشكيلنا وفق ما يراه مناسبًا للفضاء العام، ويستخدم مشاعرنا الشخصية كحارس أمين يوجّه ما نشعر به نحو الخطر أو نحو الخط الأخضر. كان العار أحد أكثر الأسلحة فاعلية في حماية نظام المجتمع السائد؛ يتسلل كضيف غير مرغوب فيه بعد كلمة عابرة، أو نظرة طويلة، أو حركة صغيرة نفعلها بعفوية ثم نكتشف فجأة أنها “خارج الحدود”. وكطفلٍ صغير، تنكمش الروح داخل الجسد كلما اقتربت من تلك المنطقة الممنوعة، وترتدي قناعًا جديدًا في كل مرة تبتعد فيها عن حقيقتها قليلًا وتقترب من العار أكثر.
عرفتُ العار من المشاعر التي كانت تتشكل تحت الأنظار الناقدة، حتى قبل أن يكون لهذه الكلمة معنى واضح داخل قاموسي الصغير. عبارات مثل: “حركتك مثل الدود”، “اجلسي.. عيب”، “هل أنتِ بنت شوارع حتى ترقصي هكذا؟”، “عيب، لا تنظري لفلانة بهذا الشكل”، “توقفي عن الأكل”، “أنتِ مش متربية؟ تصرفي كبنت متربية”. كانت هناك دائمًا لغة تحيط بجسدي؛ لغة تحذير وخوف، تخبرني بأن جسدي حين يميل بطريقة ما يصبح تهديدًا، ويحمل إيحاءً جنسيًا يفتح بابًا للفتنة، وحين يشتهي شيئًا يتحول إلى مصدر للقلق، وحين يأكل أكثر أو أقل من اللازم يفشل في أن يكون مرغوبًا بما يكفي أو لافتًا للنظر. وكطفلة صغيرة، كنت أحب الحركة، وأحب أكثر أن يكون لجسدي مساحة من الحرية يعبر بها عن نفسه، كأن رغباتي الأولى كانت مشدودة في جوهرها إلى الحرية، وإلى يقينٍ بأن جسدي مقدس ولا يملك أحد غيري حق تحديد ما يريده.
وفي رحلة اكتشاف المشاعر المختلفة التي كان جسدي يختبرها، لم تكن المساحة كافية لي، فكانت غرفتي المكان الوحيد الذي يستوعبني. أغلق باب الغرفة سريعًا، أضع “الطرحة” الكبيرة جانبًا، ثم أثبّت الهاتف أمامي وأشغل أغنية لـ (Rihanna)؛ أضع القبعة على رأسي، وأرتدي البنطال القصير، وأمسك بشعري من الخلف متباهية بتلك القصة القصيرة وقميصي الأخضر. كنتُ أنفصل تماماً عن المحيط من حولي، مطمئنة بالكامل إلى الباب الموصد. غرفتي.. تلك المساحة المقدسة التي أجد فيها نفسي بعيدةً عن كل الخوف الذي يكبل روحي. لم أكن أفهم السبب خلف رغبتي الشديدة في التملص من كل القيود، ولم أكن أتحمل فكرة ألّا أتصرف كما أهوى وكما أحب تمامًا.
المشهد الأكثر إثارة في اليوم كله كان حين أقرر الخروج بتلك الصورة أمام صديقات والدتي، فأشعر بعدها بالتقزز يكتسح ملامحهن، وبغضب والدتي يتحدث أسرع من لسانها.
ما تعلمته في سنوات التمرد الأولى هو أن الهرب من هذا الواقع كان يكمن في إكمال تعليمي العالي أولًا؛ لأني بتلك الطريقة أضمن العمل والاستقلال فلا يقف في طريقي شيء. لاحقًا، كنت أحاول أن أكون أكثر توازنًا من السابق، فمارست كبتًا من نوع جديد على نفسي؛ تركت شعري يطول، وتوقفت عن صبغه بالألوان التي أحبها، وتواجدت أكثر في المساحات التي لا أريد التواجد فيها، حتى بدأ الصمت يزحف نحوي، وصرت ألجأ للسكوت في حلقات النقاش التي كانت تثير حنقي وغضبي، لكنني مع ذلك، ظللت أغلق باب غرفتي حتى آخر يوم.
فوق سطح القارب الشراعي (الفلوكة)، ولمعة النيل المطلة على أهل القاهرة تنادي بشاعرية، رغم تكرارها، وكأنها تحدث للمرة الأولى؛ كانت أنغام الموسيقى الراقصة تتغلغل في مسامات جسدي كلها، وكأنني تحولت فجأة إلى فضاء موسيقي مفتوح؛ لا تنفصل النغمات عني، وأكاد أنا أيضًا لا أنفصل عنها. كل شيء في ذلك الفضاء الواسع للأغنيات كان يعبر عني، وعن انحناء جسدي المتموج. أرقص أكثر، فتصبح الموسيقى أكثر التصاقًا بي، وأرقص أكثر، وأفكر بالكلمات التي ستنضج بعد هذه اللحظة العذبة، لتصل إلى أقصى الروح، وتخرج أخيرًا بصورة مفهومة.
كيف تحول الجسد المكتظ بكل علامات العار إلى هذه النوتة المتمايلة، شديدة الحساسية تجاه الصوت؟ كيف غادر الخجل والخوف جلدي؛ ذلك الجلد الذي كان يتغذى على الهلع، وأصبح الآن غير مكترث بإتقاني للرقص من عدمه؟ أيها الناظرون إلى هذه المساحة الشاسعة، هل تعرفون أصلًا أي ضيق مررتُ به قبل الآن؟ “إنها المصيبة”؛ هذا ما سمعته دائمًا حين يتحرك أبسط جزء من جسدي. وكما أخبرتني والدتي: هناك رقص محتشم وآخر لا يمت للأخلاق بأي صلة، وهناك رغبة مقبولة وأخرى محرمة لا تقبل أي مفاوضة، لذلك لا بد من قطع المحاولة من أساسها.
المرأة التي تعرف كيف تقدر نفسها لا ترقص، تتزوج مبكرًا، ولا تحادث الرجال، ولا تثير الغرائز، ولا تستدعي الخطيئة. ماذا لو أصبحت راقصة؟ هل سأكون منبوذة أكثر من الآن؟ ماذا لو كنت أرغب بالرجال والنساء معًا دون تحيز؟ هل يكون ذلك سببًا لغضب الله؟ كيف تحول جسدي الطاهر إلى شيء يُعبَّر عنه باعتباره جريمة؟ وكيف التصقت “المصيبة” بهذه الكتلة التي باركها الله من فوق سبع سماوات، بكل ما تحمله من أفكار ومشاعر وأحلام وطموحات وتحديات وسحر عجيب يتشكل بصورة مميزة؟
فكيف يمكن أن يكون لي جسر في المنتصف، يمزج ما بين عالمي والعالم الخارجي، على الأقل ليصبح هذا التواجد محتملًا، وغير مثير للحنق على الدوام؟ إن العالم من حولي علّمني لونين فقط؛ الأسود والأبيض. الحيادية مرفوضة، وامتزاج الألوان الجديدة أيضًا غير مقبول. وما أعنيه بالألوان هنا ليس سوى مجازٍ للأفكار والأفعال والطباع والتوجهات الفردية المرتبطة بتجاربنا الإنسانية الواسعة.
حين يكون العالم منطقيًا بيقين ثنائي يحمل صبغتين فقط: الأسود والأبيض، ينشأ لوني الحيادي الخاص في المنتصف، وكأني وحيدُ قرنٍ بين الدجاج. وجدت نفسي في عالم يتقبل الحب بصورة معينة، والحرية بصورة أكثر تحديدًا واختصارًا، لأبدو أشبه بمسخ ملون يحمل ألوان الطيف التي لم أعرف ماهيتها. وكيف يمكنني أن أعرف تلك الألوان وأنا مصابة بعمى الألوان، وأعيش في مجتمع يتوقع مني الزواج برجل فحسب، لا بامرأة؟
لكنني لم أمتلك اللغة الكافية لأعرف ما الذي أشعر به، ولا من أين يأتي، ولا ما هو المجتمع الذي أنتمي إليه. كانت تلك الأيام الأولى من عالمي الملون شديدة الوحدة، لدرجة أنني ظننت أنني الوحيدة المصابة بهذا العطب في الصومال كلها. ولأنني لم أعرف أوطانًا أخرى بعد، كنت أحسب أن ما هو مقبول في بلدي هو الشيء الوحيد الذي يحق له الوجود على سطح الكوكب؛ نفس النظرة الثنائية، ونفس اللونين: الأسود والأبيض، وكأن تشكيلة عقلي مكوّنة من هذا المنطق وحده.
هل تكون الرغبة رغبة عميقة من الأساس إذا لم أكن أعرف تسميتها؟ وهل اعترافي بوجودها يعني أن تصبح مرئية للعالم من حولي؟ عالم يرفض تلك الرغبة بالكامل، لا ينكر وجودها، ومع ذلك يعتبرني مسخًا لمجرد شعوري بها، أو يطلب مني كبح جماحها لأفوز بالهدية الإلهية التي تؤهلني لأن أكون من الصنف المبارك من البشر؛ أولئك الذين جاهدوا كثيرًا حتى عرفوا الخلاص من رغباتهم الدنيئة.
كنت أدرك، منذ سن مبكرة، أن وجودي هش وغير مهم، وأن مثليتي عمّقت تجربتي العدمية لتبلغ بها أقصى حدودها، مما دفعني إلى محاولة إقناع نفسي بازدواجية ميولي، حتى يكون لي، على الأقل، وجود نسبي في عالم لا يمنحني أهمية إلا من خلال علاقتي بالرجال. إن رغباتي الداخلية، التي بدأت تظهر في سنوات الإعدادية، شكّلت لي لاحقًا عبئًا لا يُحتمل. لم أكن أميز الفرق بين أن أحب ولدًا أو بنتًا؛ فحين أعجبت بإحداهن في الصف السابع الابتدائي، كتبت لها رسالة ملونة؛ كل سطرٍ بلون مختلف بالقلم الذهبي الذي يترك لمعاتٍ في كل مكان يلمسه، سكبت عطري فوق الورقة وطويتها بشكل متساوٍ، ثم كتبت في الختام: «هل تكونين صديقتي؟»
تعرقت طوال اليوم توترًا، ووقفت خلفها في الطابور الطويل غير قادرة على إعطائها الورقة. أخيرًا، سقطت مني على الأرض، فأخذها الأولاد الأشقياء وعلقوها على جدار الفصل ملصقةً بعلكة. كانوا يقرؤون كل سطر بصوتٍ عالٍ وأنا أموت خجلاً، لكنني كنت ممتنة لعدم كتابة اسمي على تلك الرسالة. كنت خجلة أكثر من اللازم تجاه طلب صداقة، وأشعر بالفضيحة لأن أحدًا ما قرأ تلك الأحرف، ولم أقوَ أبدًا على إخبار أحد بأن تلك الرسالة كانت رسالتي، ولم أعبر عن غضبي؛ كنت أشعر بأنني أرتكب جريمة ما، ولا يمكنني الاعتراف بها.
في البداية لم أمتلك القدرة على التمييز بين الصداقة والحب، فاعتقدت أنه شعور طبيعي؛ وأعني بالطبيعي أنني أحب أيًّا كان، وأن يكون هذا مقبولًا وعاديًا في العالم الخارجي دون أن أتعرض للإقصاء أو التجريم. وبرغم أن المجتمع من حولي قائم على علاقات بين الرجال والنساء فقط، لم أتعمق في البداية في إمكانية حدوث ما أفكر به، أو حتى في معقولية ما أشعر به.
كانت تلك السنوات خالية من المعرفة والهوية، وحتى التعريفات. كنتُ عارية تمامًا من كل المصطلحات والتسميات والبحوث، وحتى الكتب والقصص الغرامية. لم يكن الإنترنت موجودًا ليساعدني على البحث والقراءة، ولم يكن مسموحًا في منزلنا بوجود التلفزيون؛ لذلك، كل ما كنت أملكه لم يكن سوى الأفلام الهندية التي كنت أشاهدها في غرفتي بعد أن ينام أهل البيت، تحت بطانية تصيبني بحرٍّ شديد، فقط كي لا يتسرب الضوء من شق باب الغرفة المجاورة التي تقطنها والدتي؛ الرقيب الأول والأهم في حياتي. ورغم شاعرية الأغاني الهندية في كل فيلم، كنتُ أتخيل تلك الفتاة الرشيقة ترقص من أجلي عوضًا عن البطل الرئيسي، وحين أسرح مع الأغنيات، كنتُ أتخيل كل من أعجبتُ بهم، وعلى وجه الخصوص تلك الفتاة التي تدرس في الصف الثاني عشر.
الفتاة نفسها التي كتبتُ لها الرسالة، وبعد أشهر من المحاولة الأولى الفاشلة، قررتُ أخيرًا إعطاءها رسالة أخرى. انتظرتُ بعدها سنتين حتى ترد عليّ، لأعرف لاحقًا أنها تزوجت، مما أثار استيائي بشدة. لم أذهب إلى المدرسة لأيام، ولم أكن أقوى على الذهاب إلى منزلهم لأنني كنت صديقة أختها. لم يخطر ببالي، ولو لمرة واحدة، لماذا أنا مشحونة بكل مشاعر الحزن الكبيرة هذه، ولماذا انتظرتُ كل هذا الوقت حتى ترد على رسالتي البريئة، ولماذا لم أكن قادرة على سؤالها مباشرة: «هل تكونين صديقتي؟»
في عام 2011 سافرت من مدينة “جالكعيو” إلى عاصمة الصومال “مقديشو”، بعد إنهاء المعهد الذي كنت أدرس به عوضًا عن المدرسة الثانوية، والذي كان بمثابة دير للراهبات على الطريقة الإسلامية. كانت مكافأتي على إنهاء التعليم الديني هي السفر للاندماج أكثر في المجتمع المتدين، والولوج إلى عالم صُنع من أجلي حتى قبل أن أكون موجودة فيه. هناك سمعت عن المثلية لأول مرة، حين صوّت البرلمان الصومالي على حقوق المثليين ورفضها، ودار أمامي نقاش عن الحقوق والمعتقدات الدينية تجاه هذا الفعل، لكني لم أعرف كيف أرد، سوى أنني شعرت بأنني لا أرفض ولا أكره ما أسمع، ورغم أن المصطلح كان جديدًا، فقد بدا مألوفًا جدًا.
كانت المثلية في الصومال تُعتبر جريمة أسوأ من القتل؛ حيث من الممكن أن تتسامح العائلات مع القاتل، لكن ليس مع المثليّ، وكان من حق الأهل أو المجتمع قتل أي شخص يُتهم بهذا الفعل أو الإضرار به وإيذائه علنًا. ولم يكن هذا الفكر العنيف مدانًا، وإنما كان محفوفًا بمباركة المجتمع بشكل كامل تقريبًا. لم يكن المجتمع العربي مختلفًا عن المجتمع الصومالي، لكن الفارق هنا يكمن في أن المجتمع الصومالي يتكتم بالكامل على هذا الوجود الواسع وينكر وجود جميع الأطياف، مما منعني لوقت طويل من تصور إمكانية وجوده أصلًا. لم يكن هناك أي نوع من المجتمع السري خلال نشأتي، أو على الأقل في تلك المدينة الصغيرة التي تواجدتُ فيها بمعزل عن الإنترنت. ومع تحريم عائلتي للتلفاز، لم أكن متصلة بالعالم الخارجي سوى من خلال روايات نجيب محفوظ، وأجاثا كريستي، ورضوى عاشور، وأشعار تميم البرغوثي ومحمود درويش.
بعد قدوم الإنترنت، تواصلتُ مع نساء كثيرات في السعودية، وسوريا، والإمارات، ومصر، وحتى الأردن وليبيا. كان من المثير للاهتمام معرفة تجاربهن واحدة تلو الأخرى، حيث تبادلنا القصص والفن والمعاناة من خلال المنتديات السرّية والعلنية. لم تكن مجرد علاقات عن بُعد، بل كانت أشبه بعائلة حقيقية تتواصل بشكل ما، وتساعد بعضها البعض في النمو. وبعض تلك الصداقات ما زال مستمرًا في حياتي بعد عقدٍ ونصف تقريبًا.
في البداية كنا نحاول كتابة روايات تعبّر عن طريقتنا في الحب، ونتحمس لانتظار الأجزاء القادمة بفارغ الصبر. كنا نحاول التواصل في مجموعات كبيرة تتسع فيها صداقاتنا تدريجيًا مع الوقت، ولم يكن الأمر مقتصرًا على الكتابة فقط؛ بل تبادلنا الأرقام، وبكينا معًا، وتتبعنا تفاصيل حيواتنا، وتحدثنا عن المستقبل، واطمأنّت قلوبنا لمعرفة مسار حياة كل واحدة منا. وبالرغم من صعوبة التجربة، كان من المحفز والباعث على الأمل أن نرى الفتاة السعودية تجد نفسها وتختار أن تعانق حقيقتها في واقع يمنعها ويحرم عليها حتى قيادة السيارة، وأن نرى صديقتها اليمنية، التي ربما تعرضت لزواج قسري في عمر صغير، تعترف بأحقيتها في اختيار حياة تشبهها، وأنهن أيضًا يساعدن الصديقة التي سافرت وهي تهرب من أهلها في الأردن لتجد نفسها في الإمارات. كل الاختلافات كانت تتلاشى رغماً عنها لأن التجربة كانت واحدة، والرقابة التي كانت تسمح بالبشاعة لكنها لا تتساهل مع أي امرأة تريد الحرية لنفسها ولجسدها، لم تكن قادرة على إنهاء قصصنا.
أذكر ضحكات جارات والدتي وهن يصفن لها إحدى الجارات التي تسكن مع صديقتها؛ كان عمري ثماني سنوات، ولم أكن أعرف سبب ضحكهن، لكن والدتي أخبرتني بأن تلك الجارة “سحاقية” تسكن مع صديقتها، ترتديان الملابس نفسها، وتشربان القهوة سويًا، وبدلًا من الزواج وبناء أسرة، على حد تعبير والدتي، فإنها تتخلى عن كل شيء من أجل هذا الفعل المشين! لم يكن الضحك كرد فعل هو كل ما في الأمر، بل كان أعمق من ذلك؛ لأن ما اكتشفته واستوعبته لاحقًا لم يكن مجرد لحظة عابرة. بعد عشر سنوات، في الصومال، حدثت قصة مؤلمة؛ حيث علمت إحداهن أن ابنها مثليّ، فأعادته من أمريكا إلى الصومال لتسلمه بنفسها للميليشيات الإسلامية، حيث فقد روحه بتلك الطريقة البشعة.
لاحقًا فهمت مدى صعوبة التجربة الكويرية في عالم يسود فيه الطابع الديني، وأنها ليست تجربة سهلة أو عابرة. ومن الغريب والمذهل أن تنجو رواية مثل «بنات الباشا» لـ «نورا ناجي» من مقص الرقيب، بل أن يُصنع منها فيلم كامل عن عشر نساء يعملن في أحد الصالونات النسائية، إحداهن مثلية. لم أشاهد الفيلم بعد، لكن خلال قراءتي للرواية كان من المدهش بالنسبة لي أن تنجو هذه القصص، وأن أشهد على تجارب أخرى بعيدة عن تجربتي، مما منحني تصورًا بشرعية وجودي في هذا الكون. للفيلم وللرواية قدرة غريبة على عدم إقصاء هذه الشخصية، التي، وبرغم واقعيتها، يُحتّم عليها حياد الواقع التهميشَ عادةً، وكأنها غير موجودة أو ضبابية مستحيلة الرؤية. ويبدو أن السينما والأدب والشعر لم تكن يومًا خالية من الاعتراف بالأطياف الملونة والتأكيد على وجودها في عالم يرفض الاعتراف بوجودنا، ويميل إلى النمطية، ويعتمد على الرقيب في كبح الرغبات الشخصية أو التظاهر بكبتها.
قبل عشر سنوات، سمعتُ لأول مرة أغنية “شهرزاد” للمغنية تيريز سليمان، واعترتني دهشة لم أتوقعها؛ لأني لم أصادف قط كلمات عربية تصف الملحمة الشعورية التي أحس بها حين أفكر بتقبيل إحداهن. تغني تيريز، وأتمايل أنا على الأنغام، سماعاتي ذات السلك في أذني، وهاتفي مثبت داخل بنطال البيجاما. تغني: “تمّي ع تمّا شو بقي …غير أنو الدنيا تبطيء حركتها والدوران… قصص بعيونها تشدني، تختزل عمري اللي فات. شتا شتا شتا”. يتحول الصيف في غرفتي إلى شتاء وأنا أفكر بالفتاة التي تعجبني، ويعود الصيف للاشتعال. أنا والأغنية، البيت نائم، الجميع صامت، ننجو من العالم الرمادي، ويخطفنا قوس قزح إلى عالم آخر نعرفه ويعبر عنا بصدق، ويبعدنا عن الهامش ولو للحظة.
كل المسميات التي تضعنا في الظل تراقب، وتظل تراقب، لكن الرغبة في مزاولة الحياة بكل ما فيها من ممنوعات ما زالت حقيقية، طرية وطازجة. إن ما أضافته لي الأغنيات الهاربة من الرقابة، والكتب، والأفلام المترجمة المتاحة مجانًا، تجربة تشبه ما ذكرته الكاتبة “كارول بي كريست” في كتابها “الصوفية النسوية”: «حينما تضع إحدى النساء خبرتها في كلمات، يمكن لامرأة أخرى ظلت صامتة خوفًا مما سيظنه الآخرون أن تجد في كلماتها تأييدًا وتعضيدًا. وحينما تقول امرأة أخرى بصوت عالٍ: نعم، هذه كانت خبرتي أيضًا، تفقد المرأة الأولى بعضًا من خوفها.»
إن الرغبات التي وصلت إليّ رغم الرقابة المشددة، ورغم القصة المحبوكة لي والجدران العالية التي أُحيطت بها، أعادت ترتيب الواقع ليشبه ما أريده. ومع ذلك ظل العار حاضرًا، لا يغيب بل يخفّ، وأحاول جاهدةً كسره بالتجربة الجديدة.
وهذا ما يحدث الآن فوق هذا القارب الجميل؛ جسدي يتمايل، يرقص، ويعيد رسم خارطته داخل الأغنية. يمسك بخصر تلك الجميلة، يقترب أكثر، ينسى العيون المتلصصة، ويواصل المرح في فضاء غير مكتمل الحرية، لكنه يخصّني وحدي. في منتصف الأحكام التي تتساقط واحدةً تلو الأخرى فوق جسدي الذي لم يبلغ الثلاثين، أغطي هذا الجسد، أختبره، أزيّنه كما أريد، أستدعي حوله جميع الأرواح، وأتتبع أثر جداتٍ لم أكن أعرف أنهن يتركن طريقًا يصل إليّ.





