فيما مضى، لم يسبق لأحد أن سألني قط: «من أين أنت؟» هناك، في مدينتي التي كبرت فيها في باكستان. ولمَ قد يفعل ذلك؟ فالجميع يعرفون أصلي وفصلي وقد يعرفون أيضًا اسم جدي. لذا فإن هذا السؤال لم يتحوّل بتاتًا إلى سؤال بادئ لكل حديث مع غريب ما، بالتوازي مع عبارة «إن الجو جميل حقًا اليوم». والسؤال المرافق لها: «كيف تعرف إذن فلان؟ صاحب الدعوة» إلا بعدما غادرت مدينتي إلى مدينة أكبر، وبعد ذلك إلى بلاد أبعد.
حين انتقلت للدراسة في لاهور، حدث وتعرفتُ إلى أناس جاؤوا من جميع أنحاء باكستان وأحيانًا ما وراءها.. وكل مرة تفوهت فيها باسم مدينتي، فيصل آباد. تكرر التعليق ذاته وكأنه رسالة مسجلة: «فيصل آباد؟ أهل تلك المدينة ظريفون وأصحاب نكتة». وأحيانًا يتبع ذلك تعليق عن جودة طعام المدينة الساحر. وكأنما بولادتي هناك، وقعت عقدًا يلزمني أن أكون مضحكًا وصاحب نكتة في كل لحظات حياتي. غير أنني لم أكن كذلك على الدوام، أحيانًا كنت مجرد رجل منهك يبحث عن حافلته بين الزحام.. غير أن كل هذه الأسئلة جعلتني أفكر مليًا في قدرة الناس الغريبة على الافتراض، وعلى أن يرسموا عنك صورة كاملة، ملامح وطباع وحتى مصيرًا ما.. قبل أن يمنحوك حتى خمس دقائق من تواجدهم الحقيقي في حياتك. وهذا هو السؤال الذي أود الآن أن أغوص فيه حقًا: لماذا هذا الفضول كله حول المكان الذي جئنا منه؟ وكيف ينبغي لنا أن نصغي بحق حينما يجيبنا أحد؟
لماذا نسأل هذا السؤال في الأصل؟
من الواضح أن أصل هذا السؤال لا يُعدُّ فضولًا عابرًا، وإنما هو أقرب إلى نوع من علم الأعصاب المهووس بفكرة مسقط الرأس. باعتبار أن البشر يملكون بطبيعتهم نظامًا آليًا يبحث عن الأنماط دونما كلل أو ملل، فإن ربط مكان ما بصفات مفترضة لساكنيه هو أحد أكثر الاختصارات المحببة إلى العقل البشري. فبدلًا من أن نرهق عقولنا بقراءة كل وجه جديد كصفحة بيضاء ونغوص فعليًا في الحديث، نترك الأمر للجغرافيا لتخمن عنّا هذه العملية برمتها. وهذا ما يسميه علماء النفس «نظرية الهوية الاجتماعية»، حيث نميل إلى تصنيف أنفسنا والآخرين في قوالب وجماعات، ويقترن هذا بما يسمى «الجوهرانية النفسية»، ذلك الاعتقاد المريح نعم، لكن الخاطئ بالرغم من ذلك: أن كل من ينتمون إلى مجموعة ما يحملون بداخلهم جوهرًا موحدًا ومشتركًا.. وكأن الباكستانيين جميعهم وُلدوا بالضرورة بحس فكاهي، أو أن السويسريين جميعًا على سبيل المثال، يلتزمون بمواعيدهم بدقة.
غير أنه من باب الإنصاف الإشارة إلى أن البيئات الثقافية تشكّل فعلًا العادات ووجهات النظر، لذا فإن هذا الاختصار ليس مُولدًا تماما من الفراغ. لكن ما إن تقول «أنا رجل من باكستان»، حتى يبدأ في ذهن من أمامك عرض صامت لكل ما اختزنه يومًا عن الرجال وباكستان وعن الرجال الباكستانيين على وجه الخصوص، قبل أن يسألك حتى عمًا تفضل الحديث فيه بشكل حقيقي. تتحول المحادثة بهدوء بعد ذلك من سؤال «من أنت؟» الذي قد يبدو بريئًا، إلى «ما الذي يمثله جواز سفرك؟». وأغلب ظني أن هذا قد لا ينبع بالضرورة من سوء نية واضحة، لكنه غالبًا فضول يرتدي ثوبًا لا يناسب مقاسه. لكن في الحالتين فإن النتيجة واحدة، إذ يتحول اللقاء الأول إلى محاضرة جغرافيا عوضًا عن أن يكون تعارفًا حقيقيًا بين إنسانين.
استجواب الحانة
أما خير مثال على هذا، فما عشته في وقت سابق من هذا العام أمام باب حانة صغيرة في لندن، حين سألني أحدهم كالعادة من أين أنا. وما تلا إجابتي بعد ذلك لا يمكن عدّه مجرد فضول بأي حال.. إنما كان اختبارًا مفاجئًا لم أستعد له في جغرافيا باكستان وسياستها، امتد من جغرافيا البلد الفعلية وتطور إلى محاكمة أخلاقية عمَّا إذا كان الباكستانيون يحترمون القانون عمومًا. لا أمانع في العموم مناقشة الجغرافيا السياسية، لكنني أفضّل أن أفعل ذلك في مكان آخر غير باب حانة وبعد كأس واحد، في الوقت الذي أخذت فيه أغنية «تيليفون» لليدي غاغا تصدح خلفي، وبدت كأسوأ موسيقى تصويرية يختارها الكون لبدء حديث جاد.
لنحلل الآن السؤال الذي رسخ في ذاكرتي بشكل عميق تلك الليلة، فقد تابع ذلك الشخص حديثه قائلًا: «سمعت أن الناس في باكستان لا يحترمون القانون وأن المخدرات تُباع هناك في كل زاوية. أهذا صحيح؟» هذه جملة واحدة، ومع ذلك نجحت في أن تكون خاطئة بثلاث طرق مختلفة على الأقل.
أول خطأ هنا هو مشكلة الجغرافيا، لأن باكستان بلد كامل وليس مجرد حبكة رديئة في فيلم جريمة. مجرد أخذ خطوة بسيطة إلى الوراء وإلقاء نظرة أوسع، كفيلان تمامًا بتصحيح هذه الصورة.
ثانيًا نأتي لخطأ الحكم المسبق المطمور داخل سؤال مماثل. فهذا السؤال يحمل استنتاجه في طياته قبل أن يُطرح، دون أن يترك أي مساحة لإجابة صادقة. وبما أن كثيرين منا يربطون بالفعل جزءًا من هويتهم بالمكان الذي أتوا منه، فإن سماع بلدك يُحاكم مسبقًا يقلب بهدوء عبارة «حدثني عن نفسك» إلى «دافع الآن عن أمتك بأكملها دون سابق إنذار ودون أي هوادة».
أما الخطأ الثالث فهو هذا الفضول الذي يتنكر في زي سؤال، فحين يكون هدف السؤال الأول والأخير تأكيد اعتقاد مسبق في ذهن صاحبه أصلًا، فإنه يكف عن أن يكون فضولًا خالصًا، ويتحول إلى حكم مسبق يرتدي زي علامة الاستفهام كقناع. لكن إذا كان الهدف تعلم شيء حقيقي، فالأجدر أن نتحول إلى صيغة أبسط وأكثر خفة، مثل «كيف هي الحياة هناك في باكستان؟» فهذه الصيغة تفتح الباب لحوار حقيقي، أما الصيغة الأخرى فهي أقرب شبهًا لمرافعة قانونية.
ثمة أيضًا سبب نفسي واضح يجعلنا ننجذب دومًا إلى الصيغة الأبسط مهما كانت خاطئة، عوضًا عن الاستعانة بصيغة أكثر دقة وتعقيدًا. تشير نظرية «الحاجة إلى الإغلاق المعرفي» لآري كروغلانسكي (1990) إلى أن الغموض مكلف للعقل، لذا فإن الناس يميلون نحو إجابات واضحة ومرتبة، حتى حينما تكون الحقيقة أشد التباسًا وتشابكًا، لأن التعقيد يثير في عقولنا ارتباكًا مزعجًا، فيما تخفف السردية الواضحة – مهما كانت بعيدة عن الدقة – هذا الإزعاج على الفور.
الحل الذي لا أحد يريد أن يعترف ببساطته
يمكننا أن نعرض الآن خبرًا سارًا، وهو أن كسر الصورة النمطية لا يستدعي ساعات من التناظر، أو حتى عرضًا تقديميًا مطولًا. كل ما يستدعيه هو أن تلتقي بصورة فعلية وصادقة بالشخص الذي أمامك. بحسب «فرضية التواصل» لغوردون ألبورت (1954)، إن التفاعل الحقيقي مع أشخاص من خلفيات متنوعة يعمل على تقليل التحيز، ويعود ذلك إلى أن الأحاديث الحقيقية تعمل على تحطيم الافتراضات المسبقة دون رحمة. فالشخص الذي يُختزل عادة إلى تصنيف واحد مثل «رجل باكستاني»، «شخص فرنسي»، «أحدهم لم أسمع عنه إلا في الأخبار»، يسهل حبسه في قالب جاهز. أما من يملك اسمًا وحس فكاهة وكتابًا مفضلًا، وآراء صريحة في آداب ركوب الترام، فيصعب تصنيفه بهذه السهولة. يسمي علماء النفس هذا «التفريد»: وهو اللحظة التي يكف فيها إنسان عن أن يكون مجرد مدخل موسوعي متحرك لبلده، ويبدأ في أن يكون ببساطة ذاته، هو فقط لا غير.
عشتُ شخصيًا تجربة حيّة على هذا الأمر العام الماضي أثناء عودتي من عملي بالترام، سألتني امرأة كانت تجلس في الكرسيّ المجاور عن الكتاب الذي بين يديّ، دون أن تبدأ حديثها بسؤال عن المكان الذي جئت منه. وبالضرورة قادتنا المحادثة إلى أن تسألني من أين أنا. قلت باكستان، فقالت إنها من مصر. وكان ذلك سؤالًا آخر يحمل اهتمامًا صادقًا وحقيقيًا، يرافق كل تلك الأسئلة الأخرى عن الطعام والشعر والموسيقى، وحتى الشأن السياسي الأكثر تعقيدًا، دون أن يرافق ذلك أحكام مسبقة ومترصدة. لا اختبارات مفاجئة ولا دفاع عن شرف أمة بأكملها عند التاسعة مساءً على متن وسيلة نقل عامة. وتلك المحادثة العابرة في الترام تحولت بطريقة ما إلى واحدة من أمتن صداقاتي.
فهل أكره هذا السؤال إذن؟
لا. سؤال «من أين أنت؟» يمكن أن يكون مدخلًا جيدًا لبدء أي حديث، غير أن مشكلتي ليست في السؤال نفسه، إنما في فريق التحقيق الذي يظهر أحيانًا فور النطق بالجواب. والفضول يعد من أجمل ما في التواصل الإنساني، لكنه حين يمتزج بافتراضات جاهزة سلفًا يكف عن أن يكون فضولًا، ويتحول إلى استجواب شديد التهذيب. اسألني من أين أنا إن شئت، لكن على الأقل لا تقرر من أكون قبل أن تمنحني فرصة لأخبرك بنفسي.
فلنحول هذا إلى تجربة صغيرة، ففي المرة القادمة التي تلتقي فيها بشخص يبدو «غريبًا عن هنا»، امنح نفسك ثانية واحدة إضافية قبل أن تتفوه بشيء، اسأل نفسك إلى أين تريد أن يذهب هذا الحديث فعلًا. هل تريد التحدث إلى إنسان حقيقي، أم ترغب بقراءة ملخص من ويكيبيديا عن بلده؟ تلك الثانية الواحدة من النية الصادقة هي التي تصنع فارقًا حقيقيًا بين مناظرة ومحادثة.
نحن نطور باستمرار كل شيء آخر في حياتنا، الهواتف والتطبيقات وحتى السيارات التي تكاد تقود نفسها بنفسها، أليس غريبًا أن يظل أول حديث بيننا وبين غريب يكرر برمجية عقلية عتيقة عمرها عقود؟ وإذا كنا قادرين على إعادة اختراع كل شيء تقريبًا فلمَ لا نعيد اختراع طريقة حديثنا مع الغرباء؟ لنجرب أن نستبدل سؤال «هل صحيح أن…» بـ«كيف هو الأمر فعلًا…»، ثم لنكتشف ماذا يمكن أن يحدث. ربما نحصل على حكاية جميلة عن عادات القيادة الغريبة، أو على أقل تقدير، نغادر وقد التقينا بإنسان حقيقي وليس محض صورة نمطية أُلبسِت معطفًا طويلًا ثم يُدَّعى أنه هو.





