The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

محاولات خارج الضجيج

105

  • صالحة عبيد
    كتابة

    صالحة عبيد

    قاصة وكاتبة ومهندسة من الإمارات
  • آلاء حسانين
    مراجعة وإخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

(1)

يناير 2025

مؤخرًا كنت أمرّن نفسي مرارًا على تقبّل فكرة اللايقين، خارج الحتمية، خارج ما هو متحقق بشكل أكيد، وفي مرات كثيرة عندما أمسك بنفسي وأنا أتجه نحو اليقينيات بسذاجة، كنت ألوم نفسي على عدم نضجي المفترض وأتجه بإصرار نحو الاحتمالات، نحو المنطقة الهشة بين الممكن واللاممكن، لأستكين، استكانةَ المتحرر من رغبة قديمة بالسيطرة على كل شيء.

أتذكر كثيرًا لحظةً في مطلع 2025، رأس السنة في “بروكسل” البلجيكية، في مطعم على الطراز القوطي اختار أن يكون احتفال رأس السنة لمرتاديه هو الاختباء خلف الأقنعة، كنا جميعًا نرتدي الأقنعة ونجلس متحررين من يقين هوياتنا الأكيدة، التي يكون أول ما يحددها هو الملامح الكاملة لوجه الجالس أمامك، راقبت كيف كان الناس بشكل ما، أخف، لم يحاول أي منهم أن يخلع قناعه حتى عندما بدأ العد التنازلي، ودخلنا السنة الجديدة، جميعهم استكانوا في لحظة خارج السيطرة تلك، في الغرابة التي جعلتهم يعتقدون أنهم آخرون، خارج تواريخهم وتجاربهم الشخصية، لكأن في الأمر فقدانَ ذاكرة اختياريًّا.

في تلك اللحظة تحديدًا، كان شريكي يفاتحني بموضوع الزواج، من خلف قناعه الذي اخترناه معًا، كنت أعرفه تمامًا كشخص خلف ذلك القناع وهو يقترب من عامه السادس والثلاثين، لكنني على الجانب الآخر كنت أتخيلنا أشخاصًا آخرين، أختار فقدان ذاكرتي الخاص، حتى أعادني سؤاله إلى الواقع.

في ظرف آخر كنت لأُصاب بالرعب، لكنني في لحظتي المستكينة تلك، مضيت نحو الأمر بشكل أكثر خفة.

***

(2)

يناير 2026

كنا قد أنهينا للتو عشاءنا مع عائلته في بيت من بيوتهم، أراقب في كل لقاء كيف أنهم لا يتحدثون عن بيت واحد بعينه، رغم أنها العائلة نفسها في تلك البيوت العديدة بين موسكو وبروكسل وأمستردام ودبي وبودابست ومونتينيغرو وسالزبورغ وبلغراد والقاهرة وفيينا، يتحركون بين تلك المدن ببساطة ويتبادلون مناسباتهم حسب المزاج كل مرة في بيت أو مدينة دون أخذ أي مكان على محمل الجد، تأملت ألبومًا للعائلة كانوا فيه يخلطون بين تلك البيوت جميعها كأنها بيت واحد ولكأنها المدينة نفسها، ولا أعرف إن كان الأمر يعود لتاريخ طويل من الترحال والتجارة، أم أنه إدراك طويل من لايقينية المكان أيضًا، وجوه كثيرة تسكن تلك الألبومات، بعضهم أمامي وإن تغيرت ملامحهم، ووجوه أخرى غائبة، لكنهم في كتلتهم المتماسكة، لا يبدون كمن عبر به أي فقد، كالمسرنم في حالة ممتدة من لايقينية الحياة.

كانت تثلج في الخارج بغزارة وضجيج الريح المصاحب ينذر بعاصفة وشيكة، لكنهم في الداخل خارج الحيز العام للمكان، يتحركون غير عابئين بشيء سوى وجودهم معًا، فكرت بتولستوي وهو يشير إلى أن ما يميز العائلات هي أحزانها، لكن الفريد في العائلة أمامي والتي يجمعها جذر ما بتولستوي هو أن ما يميزها في لحظة وجودها تلك، حالةُ التشظي الاختيارية التي جمعتهم.

أحاول أن أنسل من ذلك الضجيج، متذكرةً أمنيةً بعيدة عن مدينة فيينا باعتبارها مدينة بديلة، أحاول أن أفتش عن صورهم فيها دون غيرها من الصور، ولا أشعر سوى بالمزيد من الهلامية والضبابية حول المكان، لكنني وبدلًا من أن أرتبك، اعتراني شعور غامر بالخفة في الضياع.

***

(3)

29 فبراير 2026

ألتقط صورًا كثيرة، لأكثر لحظاتنا بديهية، يبدو اليقين فيها ترفًا ولسبب ما أودّ أن أتمسك به، أن أعود لسذاجتي الأولى، وسط كل هذا الضجيج والتشويش، أقرأ أقل، وتبدو محاولات الكتابة أقل مما قد أسميه محاولات، حتى لوصف مزاج اللحظة، الكثير من التقارير والتصريحات والصور والإشاعات هنا وهناك، كلها لمحاولة البحث عن يقين ما على طرفي نقيض.. أن لا شيء يحدث بعد وأن كل شيء يحدث الآن.

***

(4)

منتصف مارس 2026

هناك ضباب على الذهن غالب الوقت، وتبدو كمن ينتظر قطارًا تأخر نحو محطته، أنت تعرف أن القطار قادم بشكل ما، لكنك في حالة الانتظار تلك تحاول ترتيب تبعات هذا التعطل، هناك أيضًا ذلك النسق اللامفهوم للأشياء، الحيرة المركبة، أن تخرج في يومك الروتيني المعتاد وأنت مدرك تمامًا لما هو دائر في الكواليس، حرب ما أنت جزء منها ولست جزءًا منها كذلك، شكلها مختلف عما تعرفه عن الحروب واندلاعاتها فيراودك سؤال عابر: أيكون هذا شكل الحروب في القرن الجديد؟ في تواريها الشبحي ومخاتلتها لك وهي لا تكاد تظهر إلا في عناوين الأخبار وبعض الصور، ورغم أنك في قلب الحدث إلا أنه وللمفارقة فإن أمانك الوجودي بعيد عنه، لكأنك والحدث في بقعة جغرافية واحدة لكنكما في أبعاد كونية مختلفة. تبحث عن البديهي، فلا تسعفك البديهيات، ربما لأن العالم الآن في حالة هي أقرب للفانتازيا منها من الواقع، وفي وسط صمتك، تشعر بأنك الضجيج نفسه، وأن الصراخ نابع منك لا من حولك، تتذكر محدوديتك بعدها قبل أن تواصل إدخال كلمة السر في جهازك المكتبي لتبدأ يوم عمل من المفترض أن يكون عاديًّا، لحظة بسيطة وبديهية وواضحة صغيرة، لكنك دونها قد تحولت إلى احتمال ضخم من اللايقين.. فأعود للتفتيش – للمفارقة – عن اليقين الذي تمرنت طويلًا على التخلي عنه.

لا أرتاع
لا أبتهج
لكنني أدخل في حالة لا تفسير لها من الطفو.

***

(5)

4 أبريل 2026

هناك طريقتان ننظر بهما للثبات
على طرفي نقيض

الثبات بمعناه المختزل في التحجر، البقاء المتصلب فيما يعبرك كل شيء
لتبقى عالقًا في المسافة والمكان والوقت

والثبات بمرادفه المؤدي للرسوخ، مقاومة التضعضع، أن لا تسبرك الشقوق
لتهشمك بل لتصقلك، ناحتةً الداخل ليظهر جليًّا

وأنا أحاول في وسط الضجيج أن أتمسك بالثبات الذي ازدريته بفكرته الأولى طويلًا
فالثبات يعني أنني أقاوم جزءًا أصيلًا من الحياة أن أهرب من التغيير والحركة
الثبات في فكرة أن أصبح الحجر

ومثل من غادر مسقط رأسه منذ وقت طويل إلى درجة النسيان، تكون فكرة العودة تشبه
الاستكشاف لمكان بكر لم تعرفه حقًّا

في خضم ذلك أرى ثباته يأتي عفويًّا، لم يكن هناك ارتياع منذ اللحظة الأولى ولا لاحقًا
فقط متابعة هادئة واستكشاف سيناريوهات عملية، كنت أراقبه من مكاني المضطرب توقًا لأرضه المستوية

رغم أننا على ذات الأرض، كنت أحاول فهم الجذور التي جعلته يقف هناك، هل هو شيء مرتبط بالجانب السلافي من تكوينه، فلكلانا العمر ذاته، وبالنظر للوضع العالمي الراهن فالتحولات هي التحولات، لم يختبر حربًا شاملة كما لم أختبر أنا، حتى تلك القائمة في مسقط رأسه حاليًا هو كان دائمًا بعيدًا عنها بحكم التنقل والترحال، بين دراسة واستكشاف وأعمال العائلة في أوروبا.

أتوقف عند انهماكه في اختيار شراء منزل للإجازات في إحدى المدن التي سافرناها مؤخرًا، لم يكن انهماكه محاولةً للهرب، أو تسجيةً للوقت أو شكلًا من أشكال الإلهاء عن الوضع الراهن الذي يناقشني في تفاصيله وهو يقلب صور البيوت الشاطئية أمامه.

كان ثباته جزءًا أصيلًا في شخصه، بمعزل عن العمر والتجربة، وهو ما لم يكن لي أن أفهمه كليًّا في وقتها، لكنني كنت أدرك أن هذا الثبات منحني بدوري وقتًا لألتقط أنفاسي وأهدأ.

***

(6)

10 أبريل 2026

تبدو شعوب العالم اليوم مخدَّرة بمتاعبها الصغيرة، تقوّضت فكرة الفناء العام

إلى ذلك المحدود جدًّا، والخلاص بمفهومه الحديث، أن تغادر عتبة دارك وتعود إليها لتجد الباب والدار وأنت، فلا تلتفت لما حولك، ومن حولك بالضرورة.

لكن هل هذا خيار لا يزال ممكنًا اليوم؟

***

(7)

12 أبريل 2026

أمامي عدد من كتالوجات حفلات الزفاف ومجموعة أخرى منها تصلني على بريدي الإلكتروني

باقتراحات لثيمات وأفكار.

تهاتفني منسّقة الزفاف باستمرار لأختار ثيمة واحدة سيدور كل شيء حولها، فأمازحها حول إمكانية أن تكون الثيمة على هيئة “سؤال الوجود”، ويربكني أنها لا تفهم الدعابة الضمنية في الأمر. تسألني بلكنتها الأسترالية أن أقرّب لها الفكرة التي أريدها على هيئة نماذج أو صور.. بررت الأمر لنفسي في آنها بأن النبرات على الهاتف مخادعة،

لكنها عادت لتسألني لاحقًا وجهًا لوجه ونحن نتجول لاختيار المكان المناسب للحفل.. كنت أتأملها بصمت وأنا أفكر بأن هذه قد تكون طريقتها بالتعامل مع الأمر.. المضي الدائم لتحقيق هدف ما، مهما كان صغيرًا وهامشيًّا وسط كل الفوضى.

نجلس أمام فنجان قهوة فأخبرها بأني أمزح وأشرح لها دعابتي.. تضحك بعد لحظة روع بسيطة.. تُصر على أن نسرع باختيار اللون العام للثيمة.. لأن الوقت يمضي.. مثلما يمضي كل شيء.

تتحرك بعفوية ولا أستطيع أن أحدد إن كان ما قالته ضمن لامبالاة العشرينيات أو أنها أُوتيت من الحكمة ما أدركت من خلاله ما يفوق سنوات عمرها.

في وقت سابق، أظنني كنت سأحكم عليها مباشرةً بالانفصال عن العالم والفردانية الأنانية، لكن شيئًا ما في الوضع الراهن يجعلك أكثر تعاطفًا مع خيارات الآخرين، لا يمكن لأحد محاكمة خيار أي شخص اليوم قبل أن يضع نفسه في موضعه، وهي من موضعها ذاك اختارت أن تنظر للمؤقت، الأكثر ثباتًا من المستدام.

***

(8)

1 مايو 2026

يوحدنا خوفٌ دائم، تجربتنا الإنسانية الكبرى والمشتركة، والتي على الرغم من ذلك نجدنا نفتش عن أسباب للتضامن، شكل للمأساة يوحدنا ظاهريًّا على ما أعتقد دون وعي عميق بأننا وُجدنا ونحن نتشارك ذلك الجذر الأول.

لا أحد أكثر استحقاقًا من الآخر هنا، يشبه الأمر التمييز المبني على أن البعض أقل إنسانيةً من البعض الآخر، أليس كذلك؟ ثم ألا تحوّلك فكرة انتقائية التضامن المبنية على سطح الصورة المنعكسة عن المعاناة بالتوازي مع فداحتها وحشًا آخر أيضًا؟

أظنه “جيمس بولدوين” الذي كان يلمح الخوف في العيون التي تنوعت ألوانها بين الفاتح والداكن لكنها تتشارك في العمق، ورغمًا عن جدران الفصل العنصري في آنها، الهلعَ ذاته.

***

(9)

3 مايو 2026

لطالما نُظر للماشي على الحبل في السيرك، كالفاصل بين فقرة مهمة وأخرى، أن تُضيف شيئًا من الحماس للفقرة الأكبر التي بعدها على أن تخفف من حدة ما تركته الفقرة السابقة، ليست كابتلاع النار، ولا مجابهة الأسود، أو محاولة أن يظهر الأمر كما لو أنك تفصل جزءًا من الجسد عن الآخر، هناك صمت وترقب وانتظار طويل، واتزان في محاولة لأن لا تفلت الأقدام عن الحبل فيسقط اللاعب للهاوية.

أفكر بكم يشبه الأمر مع متابعة الأخبار وسط الهدنة، كم أن الأمر يشبه المشي على الحبل الرفيع المتصل،
لولا أن الهاوية هنا هي مجهول آخر، لا شبكة حماية كالمُعدّة بالأسفل للاعب السيرك.

لكن ذلك الحبل الرفيع الممتد، يعلمك شيئًا آخر أيضًا، أنه لا يمكنك أن تتوقف عالقًا هناك في الأعلى وأن هذا الحبل الرفيع هو طريقك الآن، بحذر نعم، باحتمالية سقوط وتعثر نعم، لكنه عبورك الوحيد الآن على الأقل، أظنه لو كان ليُسمّى في وقت آخر، اختبارًا للنضج. نضجٌ هو هذه المرة ليس على مستوى التجربة الشخصية فقط، بل كاختبار جمعي للمكان.

***

(10)

5 مايو 2026

هل حققت البشرية كل أحلامها
حتى لم يتبق لها إلا أن تمضي لتجسيد كوابيسها؟