أرشيف

ساتيريكون فيلليني: العودة إلى روما القديمة

فصل من كتاب "جنون السينما - فيديريكو فيلليني"

أمير العمري


«ساتيريكون فيلليني» (Fellini Satyricon – 1969) هو أكثر أفلام فيلليني طموحًا، وأشدُّها صعوبةً وتعقيدًا من حيث الشكل. إنه تجربة شديدة الخصوصية، ليس فقط في السينما الأوروبية والإيطالية عمومًا، بل في سينما فيلليني ذاتها. فهو يخرج عن السياق السردي المألوف وعن فكرة الشخصية الرئيسية التي تدور حولها الأحداث، كما في «8 ونصف» أو «الحياة اللذيذة». وهو يتجرأ هنا على التعامل مع نص غير مكتمل، آتٍ من ماضٍ سحيق، من عصر الإمبراطور نيرون؛ هو النص الذي كتبه بترونيوس، لكنه يجيء هنا ممهورًا ببصمة فيلليني، فهو الذي يلهو به ويتلاعب، ويتدخل في السرد، ويلوي كثيرًا من المواقف والمشاهد، لكي يقدّم رؤيته الخاصة لـ «العالم القديم» (حسب تعبير ألبرتو مورافيا) أو لروما القديمة: كيف كانت، وكيف تفسخت وسقطت بعد أن صار البشر لا يتورعون عن أكل بعضهم بعضًا، لا مجازًا، بل فعليًا وماديًا كما نرى في الفيلم.

يبتكر فيلليني ويخترع كثيرًا من المشاهد، ويقدّم عرضًا هائلًا يضم، كعادته، بعضًا من عناصر عروض السيرك، ولكن بعد أن حلّ البشر محلَّ الحيوانات. إنه يقدّم صورة مرعبة لنهاية حضارة من خلال العودة إلى «روما»؛ لا إلى روما المكان فحسب، بل إلى روما العقل والثقافة والهوية وأساليب العيش والحكم وطرق التعامل بين البشر والتقسيم الطبقي، وذلك من خلال صيغة الحلم، «الحلم الواعي» أو «الحلم الثقافي» الذي جرى إعداده وترتيبه في ذهن فيلليني قبل أن يعكسه على شريط الفيلم.

قبل أن يُخرج فيلليني فيلمه، كان قد أُنتج في الفترة نفسها فيلم بعنوان «ساتيريكون» من إخراج جيان لويجي بوليدورو؛ لذلك أطلق فيلليني على فيلمه اسم «ساتيريكون فيلليني» تمييزًا له من الفيلم الآخر الذي عُرض في العام نفسه، 1969، ثم مضى إلى طيّ النسيان. ومن الصحيح القول إن فيلليني اقتبس فيلمه من كتاب «ساتيريكون» لبترونيوس، العائد إلى القرن الأول الميلادي. لكن من الخطأ القول إن فيلليني كان يرغب في صنع «فيلم تاريخي»؛ فتاريخية «ساتيريكون» ليست سوى غطاء خارجي، أو «حيلة» فنية، إذ إن الفيلم ليس تاريخيًا بالطبع، وصلته بالنص الأصلي الذي كتبه بترونيوس ليست قوية. والسبب في ذلك، أولًا، أن كتاب بترونيوس لم يبقَ منه سوى مقاطع متفرقة وفصول ناقصة. وربما كانت هذه الفكرة، أي فكرة الانقطاع وعدم الاستمرار، هي ما أغرى فيلليني بالانسياق وراءها، لأنها تحرّره من السردية المرتبة، كما تتلاقى مع مفهومه الشخصي القائل إن التاريخ يتضمن كثيرًا من الفصول المتقطعة والمجزأة والمنتزعة والناقصة. وثانيًا، أن هذا الإطار العام للقصة يتيح لفيلليني، كما حدث بالفعل، أن يخرج على النص، ويبتكر ويخلق ويضيف، ويقدّم صورته الخاصة لـ «روما القديمة».

يقول فيلليني في حواره مع الكاتب ألبرتو مورافيا، المنشور في كتاب «فيلليني ساتيريكون» (Fellini’s Satyricon) (والنص الكامل للحوار وارد في ملاحق هذا الكتاب):

«لقد حاولتُ أن أستبعد ما يُسمّى بالتاريخ بوجه عام. وحاولتُ أن أتخلّص من فكرة أن العالم القديم كان له وجود حقيقي. لذلك فإن الجو العام للفيلم ليس تاريخيًا، بل هو أقرب إلى عالم الأحلام. وربما لم يكن للعالم القديم وجود على الإطلاق، ولكن مما لا شك فيه أننا قد حلمنا به. إن «ساتيريكون» ينطوي على شفافية غامضة، وعلى صفاء الأحلام ورموزها الملتبسة. وقد انصبَّ جهدي في هذا الفيلم على إنجاز عمليتين متوازيتين ومتعارضتين تمامًا في الوقت نفسه. فكل شيء في الفيلم من اختراعي: الوجوه، والإيماءات، وأوضاع الأشخاص، والأدوات… إلخ. ولكي أصل إلى هذه النتيجة، كان عليَّ أن أثق في قدرتي وفي خيالي المشوب بقدر من العاطفة. لكنني كنت مضطرًا أيضًا إلى أن أجسّد، بموضوعية تامة، ثمرة هذه العملية التخيلية، وأن أنأى بنفسي عنها تمامًا لكي أستطيع أن أنظر إليها من جديد بوصفها كيانًا متماسكًا، ولكن لا يمكن لمسه. وهذا بالضبط ما يحدث مع الأحلام. فهي تتضمن أشياء تخصنا تمامًا، نعبّر من خلالها عن أنفسنا، لكننا، في ضوء النهار، لا نستطيع أن ندرك بيننا وبينها سوى علاقة ذهنية تصورية. وهكذا يتّضح لنا لماذا تبدو الأحلام، بالنسبة إلى ذواتنا الواعية، بعيدةً، نائيةً، غريبةً عنا، ومستغلقةً على أفهامنا».

قد يكون فيلليني هو أفضل من عبّر بالكلمات عن هذا الفيلم، بينما نظر كثير من النقاد إليه بوصفه يعكس، ولو على نحو رمزي، مزاج فترة الاضطراب والقلق السياسي التي شهدتها إيطاليا في الستينيات، وقت التفكير في صنعه. ورأى آخرون ــ وأنا هنا لا أقصد كتّاب المراجعات الصحفية، بل كبار المثقفين، مثل الكاتب والمخرج الإيطالي جيانفرانكو أنجلووتشي، الحاصل على دكتوراه في تاريخ الفن ــ أن الفيلم يعود، في بعض جذوره، إلى ما ترسّخ في ذاكرة فيلليني عن مجتمع إيطاليا الفاشية، وإلى الطريقة التي كثيرًا ما عبّر بها عن سخريته منها وهجائه لها في أفلامه. وعلى هذا النحو، قد يكون فيلليني قد رأى صلةً بين الفاشية الحديثة وذهنية مجتمع روما القديمة. فرواية بترونيوس تصوّر «التدهور»، أو ما قبل السقوط، وتداعي القيم والأخلاق، والتفكك والانحلال الذي صار مهيمنًا على مجتمع النخبة من النبلاء، لا على مجتمع العبيد. (هافا ألدوبي: «فيديريكو فيلليني: الرسم في الفيلم والرسم على الفيلم»، مطبوعات جامعة تورونتو، 2013).

لا شك أن فكرة السقوط والتدهور تغري بالربط بين «ساتيريكون فيلليني» والفاشية التي كانت ترمي إلى إحياء أمجاد روما القديمة، وتعلي من شأن آثارها ورموزها، وتمارس القمع والقهر والاضطهاد، وتخوض الحروب باسم المجد والشموخ والعظمة الرومانية القديمة. لكن الأقرب إلى الذهن أن الفيلم ينشد، أساسًا، التعبير عن وحشية العالم القديم وافتقاده إلى القيم الروحانية، من خلال ذلك «الحلم» التجريدي الطويل، الممتد، المتقطع، المبهم، غير السلس وغير المترابط. فمن خلال الرسوم التي يستلهم منها، يوظّف فيلليني أساليب فنية متعددة؛ يقول في حواره المشار إليه مع مورافيا إنه استوحاها من الفن البيزنطي واليوناني والحداثي، وصولًا إلى «البوب آرت» و«السيكيديليك»، أي فنون الهلوسة والعقاقير المخدّرة في الستينيات. كما يستخدم فن «الغروتسك» ــ أي أنماط الفن التي تمزج بين الغموض والصدمة والمناظر المقرفة والمفزعة ــ ولوحات الفريسكو الضخمة، أي الرسوم الملونة على الجدران والأحجار.

هذا المنحى «التجريدي» لم يجعل فيلليني، بالطبع، يميل إلى رواية قصة محكمة. ولعل ذلك ما دفع بعض النقاد إلى رفض الفيلم، كما فعلت الناقدة الأمريكية الشهيرة بولين كيل، التي رأت فيه مجرد «محاكاة عصرية» لفيلم سيسيل دو ميل «علامة الصليب» (1932)، لكنها أقل إمتاعًا من فيلم دو ميل بسبب افتقاده إلى الشخصيات؛ ففيلليني، عندها، هو البطل الحقيقي. إلا أن بولين كيل أشارت، على نحو عابر، إلى نقطة شديدة الأهمية حين قالت، مقلّلةً من شأن ما رصدته هي نفسها، إن الفيلم «عرض جذاب لفرضية مشكوك فيها، مؤداها أن غياب الإله يعادل غياب القانون». (ورد ذلك في مقال «قمامة فيلليني الهائلة» Fellini’s Mondo Trasho، مجلة The New Yorker، بتاريخ 7 مارس 1970). والحقيقة أن بولين كيل لم تكن تحب أفلام فيلليني، ولا أفلام غيره من الحداثيين الأوروبيين.

لم يتخلَّ فيلليني، ابن الثقافة الكاثوليكية والمتمرد عليها في آن، عن منطلقاته المرتبطة بالدين، أو بمعنى أدق، بمفهوم الألوهية، وبالتالي بالإيمان بالله وبالقيم المستمدة من الكتاب المقدس. إن مشاهد التدهور والسقوط في «ساتيريكون» ترتبط بفكرة الخطيئة وغياب الإيمان. وكان فيلليني يرى أن غياب ما يمكن أن نسمّيه «جوهر» الروح في مجتمع روما الحديث يشبه، في كثير من ملامحه، ما كان سائدًا في مجتمع روما القديم قبل ظهور المسيحية.

إنه يجسّد، في مشاهد متتالية، تفشّي مظاهر القسوة والوحشية والشذوذ والاغتصاب وتشويه الفن والاعتداء الفظ على المرأة وممارسة الجنس الجماعي، مع مناظر ذبح الحيوانات وبقر بطن خنزير تخرج منه عشرات الدجاجات وقطع السجق، والتجشؤ بصوت عالٍ وتكراره بوصفه دلالة على الإبداع الفني، وإخراج الريح من المؤخرات على المسرح، واستعباد البشر وقهرهم، وقتل المعبود المقدس (الخنثى الألبينو، أو الكائن الشاحب شحوبًا شديدًا) الذي يموت في الصحراء بسبب العطش، بعد أن يُرغم الصديقان إنكلوبيوس وأشيلتوس على سرقته ليلًا والسير به في العراء تحت قيظ الشمس. وكل هذه الصور الصادمة يريد لنا فيلليني أن نلمس فيها ذلك التدهور، ماديًا وروحيًا. فقد سقط الفن، وقُتل المعبود، فماذا بقي؟

إلا أن اهتمام فيلليني لا ينصرف إلى مظاهر القوة والنفوذ والسحر القديم لروما «الإمبراطورية»، بل إلى تصوير حياة الطبقات الدنيا والهامشيين، وأولئك الذين لم تذكرهم كتب التاريخ أصلًا، لكنه يتخيّلهم ويستدعيهم إلى خياله ويعيد إحياءهم من خلال «الحلم» الفيلليني الخاص.

تقول الباحثة البريطانية ليان جلاس (Leanne Glass) في بحث بديع، أو بالأحرى في دراسة مقارنة بين «ساتيريكون» وفيلم «300» (2007) للمخرج الأمريكي زاك سنايدر، منشورة بعنوان: «300 وساتيريكون فيلليني: نظرية السينما في الدراسات ما بعد الثانوية»:

يرفض فيلليني التصوير السينمائي المألوف والقوالب النمطية لروما القديمة، المتميزة بالمناظر المبهرة والقصور الفخمة ذات الأعمدة الرخامية والمعابد ذات النقوش الذهبية وقطع الأثاث الفاخرة. وفي معظم الأفلام التقليدية نرى الأشخاص في ملابس أرستقراطية، مع تركيز على الأباطرة وحاشيتهم وأعضاء مجلس الشيوخ والجنرالات والجيوش والمعارك ومسيرات النصر الكبرى. وعادةً ما تنتج هذه الصور المألوفة عن موضوع الفيلم نفسه، إذ يتركز دائمًا على الشخصيات والأحداث التاريخية الرئيسية التي تجذب اهتمام الجمهور العريض، كما في فيلم «300» الذي يقدّم قصة ملهمة، أو رسالة تعليمية، وكذلك في فيلم «الرداء» لهنري كوستر (1953).

«وعلى النقيض من ذلك، يبدأ فيلليني فيلمه «ساتيريكون» في روما لا وجود لها في كتاب بترونيوس، كما يركز على «سوبورا» (Subura)، أو ذلك الحي الشعبي المزدحم الذي يقطنه أفراد الطبقة الدنيا. وهذا يعني أن عظمة روما النمطية التي نراها عادة في السينما تُستبدل بشوارع ضيقة ومبانٍ مفككة وسلالم مكشوفة وجدران مفقودة، نراها من خلال زوايا ضيقة للكاميرا، بما يقلّص سخاء روما المألوف إلى الحد الأدنى، ويعيد تعريف المشهد الطبيعي للمدينة، ويردّه إلى الإنسان العادي. ولا يصوّر فيلليني روما خلال النهار، بل في الليل. ولذلك، يتركز الاهتمام على أشخاص وأحداث غريبة، مثل تحريك تمثال نصفي لإمبراطور خلسة في الشوارع، أو مشهد مسرحي لا يزال يحتفظ بعناصر الكوميديا التي عُرفت بها أعمال الكاتب المسرحي الروماني القديم بلوتوس (254-184 ق.م.)».

يظهر إنكلوبيوس (الممثل الإنجليزي مارتن بوتر) في معظم مشاهد الفيلم. لكنه ليس «عوليس» اليوناني الذي يبحر ويغيب طويلًا ثم يقطع رحلة العودة إلى وطنه منتصرًا، بل هو البطل الخاسر الذي يفقد حبيبه «جيتوني» في البداية، بعد أن يستولي عليه منه صديقه أشيلتوس. ثم يدعوه الشاعر «أومولبوس»، الذي يلتقيه في متحف، إلى منزل الثري الفظ «تريمالشيو»، الذي يسرق الشعر ويمضغه وهو يلتهم الطعام بشراهة فظة، ويهين زوجته على الملأ، ويحتقر الجميع، ثم يأمر بتعذيب الشاعر. وبعد ذلك يمثّل موته، أي يتظاهر به، حين يرقد داخل قبر حُفر على مقاسه، لكي يقص على رفاقه وحاشيته قصة يونانية تتعلق بالسخرية من الموت؛ هي قصة المرأة التي مات زوجها الثري في الصحراء. فقد قتله لص، ثم شُنقت جثته وعُلّقت بالقرب من جثة الثري الممددة فوق منضدة، وعُيّن حارس عليها. ثم يبدأ الحارس في مداعبة الأرملة الحزينة، التي كانت قد قررت الانتحار بعد موت زوجها، ويغويها فتمارس معه الجنس. لكن اللصوص يأتون في تلك الأثناء ويسرقون جثة اللص من فوق المشنقة. فيقع الحارس في ورطة كبيرة: ماذا سيفعل الآن؟ وكيف سيبرّر موقفه أمام أصحاب السلطة الذين أسندوا إليه المهمة؟ غير أن المرأة تقترح عليه تعليق جثة زوجها بدلًا من جثة اللص التي سُرقت، وتردد: «عشيق حي خير من جثة زوج مشنوق». ونحن نرى هذه القصة مصوّرة داخل الفيلم. لكنها تأتي على لسان تريمالشيو في سياق التنديد بفكرة الخوف من الموت، بعد أن مات الإله، أو ماتت الروح، ولم يعد صاحب السلطان والقوة يخشى عقابًا في الآخرة.

في الفيلم قصة أخرى ترتبط بالموت واحتقار الموت. فعندما يموت أحد الأثرياء، يفتحون وصيته ليجدوا أنه أوصى بأن يأكل أقاربه جثته شرطًا لكي يرثوا ثروته. وبعد تردد وتلعثم واضطراب، يحزم الجميع أمرهم، ويقطعون الجثة، ويبدأون في تقطيع لحم الميت ومضغه. وهكذا صار التكالب على المال بديلًا من احترام الميت والخشوع أمام الموت.

وعن المصادر اليونانية التي استخدمها فيلليني في الفيلم، يقول فنسنت توماسو (Vincent Tomasso)، الأكاديمي المتخصص في التاريخ اليوناني القديم، في دراسة بعنوان: «استقبال فيلليني للمصادر اليونانية في فيلم ساتيريكون» (2018):

«خلال زيارة إنكلوبيوس إلى معرض لقطع من الفن الروماني واليوناني، نرى لوحة من «قبر الغطاس» اليوناني الشهير، وإناءً أثريًا أحمر الشكل. ويرثي الشاعر إيومولبوس الرومان المعاصرين، ويقول إنهم لا يبالون «بهؤلاء اليونانيين المجانين»، مثل فيدياس أو أبيليس، اللذين رفعا الفضيلة فوق المال. وهذه الملاحظات تضع الثقافة اليونانية في مواجهة الشخصيات الرومانية في الفيلم. وخلال وليمة تريمالشيو، يؤدي ثلاثة ممثلين مقطعًا من هوميروس، ولكن بينما تُنطق مقاطع شعرية أخرى، مثل المقاطع التي سرقها تريمالشيو من لوكريتيوس، باللغة الإيطالية، يظل مقطع هوميروس باللغة اليونانية. وفي ملاحظات فيلليني الخاصة على السيناريو، يكتب أن هذه السطور «غير مفهومة ومتناغمة»، أي إنها ذات قيمة جمالية فقط، لكنها لن تكون مفهومة، سواء من قبل الجمهور الإيطالي أو اليوناني المعاصر».

ويتخذ فنسنت توماسو من ذلك دليلًا على أن الثقافة اليونانية عند فيلليني، كما تتبدّى في «ساتيريكون»، هي عنده معادل لـ «الآخر» عمومًا. ويضيف أن هذا يفسّر كيف أصبح كل من الثقافة الرومانية واليونانية القديمة يُستخدم، كلٌّ بطريقته، في استبعاد الجمهور الحديث. وعلاوة على ذلك، يتيح لنا استقبال الإيطاليين لفيلم «ساتيريكون فيلليني» أن نتعرّف إلى الصيغة الفريدة لتاريخ إيطاليا في تعاملها مع اليونان القديمة، على نحو يختلف عن سائر التقاليد الوطنية الأخرى.

يمرّ إنكلوبيوس بكثير من الأحداث، ويشهد انهيار روما، وينجو من الزلزال، ويخوض مغامرة طويلة تقوده من اللذة إلى الألم، ومن منزل الثري الفظ إلى منزل الأرستقراطي النبيل الذي يمنح عبيده كل ما يملك من ثروة، ثم ينتحر مع زوجته بعد أن أدرك أن النظام القديم في طريقه إلى السقوط. ويقول فيلليني إن هذا الأرستقراطي النبيل هو نفسه «بترونيوس». ثم يكتشف إنكلوبيوس الجنس مع فتاة أفريقية رائعة الجمال ظلت وحيدة في منزل النبيل الأرستقراطي. وبعد ذلك يقع في الأسر مع صديقه أشيلتوس، ويُسخَّر عبدًا في قاع سفينة رومانية يبحر عليها الإمبراطور. ويخضع لمنازلة مع تاجر عبيد عجوز قبيح ذي عين واحدة، يقهره ويتزوجه. لكن الحراس ينقلبون على الإمبراطور ويقتلون الرجل القبيح، فينجو إنكلوبيوس، ويتركونه داخل متاهة يتعيّن عليه فيها أن ينازل الكائن الخرافي «مينوتور»، وهو كائن ينتمي إلى الميثولوجيا اليونانية، له رأس بغل وجسد رجل. ثم يكتشف أنهم إنما يلهون به ويسخرون منه، وأن المينوتور مجرد شاب قوي يعفو عنه بسبب براعته في استخدام كلمات التضرع. لكنه يكتشف أيضًا فقدان قدرته الجنسية عندما يطلبون منه مضاجعة امرأة شهوانية مكافأةً له على بلاغته؛ و«مكافأة البلاغة» هذه ليست سوى جنس شهواني بلا رغبة، يتفرج عليه الآخرون.

في هذا المشهد يتضرع إنكلوبيوس إلى «المينوتور» طالبًا الرحمة: «أنا لست ثيسيوس، ولست ندًّا لك»، في إشارة إلى ثيسيوس ملك أثينا الذي يُضارع هرقل. وبعد أن يكشف المينوتور عن وجهه، يقول إن الأمر كله كان مزحة على سبيل التكريم لإله الضحك والابتهاج، وهو ما يجعل الجمهور ينخرط في فاصل من الضحك. ثم يُذلّ إنكلوبيوس أمام الملأ عندما يرغمونه على ممارسة الجنس مع المرأة التي تؤدي دور أريادني (Ariadne)، الأميرة الكريتية في الميثولوجيا اليونانية، لكنه يفشل في مضاجعتها أمام الجميع، فيسخرون منه.

يقول ج. ب. سوليفان، في فصل بعنوان «المناخ الاجتماعي لبترونيوس: ساتيريكون وفيلليني ساتيريكون»، في كتاب «الثقافة والأساطير الكلاسيكية في السينما» (مطبوعات جامعة أوكسفورد، 2001)، إن فيلليني ابتكر هذا المشهد بعد أن استوحاه من مصادر قديمة عدة، وأنه لم يرد ذكره في كتاب بترونيوس، وهو ما يؤكد اهتمامه باستخدام اليونان القديمة وسيلةً للتغريب.

ينشد الفتى إنكلوبيوس العلاج عند الساحرة أوينوثيا، التي ستصبح قصتها القصة الثانية التي نشاهدها من داخل الفيلم، بعد قصة «العشيق الحي وجثة الزوج المشنوقة».

كانت أوينوثيا امرأة شابة، جميلة، مغوية، أراد ساحر ثري عجوز، شديد القبح، أن يستولي على جمالها، فسخرت منه، فغضب عليها، وجعل النار تشتعل من بين فخذيها إلى الأبد. وكانت هذه المرأة تستخدم في خدمتها امرأة عجوزًا قبيحة جدًا، تمنح إنكلوبيوس شرابًا، ثم تطلب منه مضاجعتها، فتعود إليه بعد ذلك قوته الجنسية.

يعكس مشهد ذهاب إنكلوبيوس إلى بيت الساحرة أوينوثيا أسلوب فيلليني في تجسيد الحلم في هذا الفيلم، الذي يُعد أكثر أفلامه اهتمامًا بالجانب البصري، وربما أكثرها أيضًا «أسلوبية»، أي الأكثر خضوعًا لسطوة الأسلوب على المادة المصوَّرة. يدلف إنكلوبيوس من فتحة صخرية إلى دار الساحرة أوينوثيا. فتناوله امرأة عجوز قبيحة، تعمل في خدمتها، كأسًا من الشراب وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة، بلغة غريبة. يستدير ليواجه الكاميرا ويتناول الشراب. ثم يلتفت يمينًا ويسارًا. وتشير المرأة إليه نحو فتحة في الجدار الصخري، فتقترب الكاميرا تدريجيًا من داخل الفتحة. نرى نارًا مشتعلة، وخلفها أوينوثيا في صورتها الجميلة. تقترب الكاميرا، ثم ننتقل، في لقطة عكسية، إلى إنكلوبيوس وهو يتحرك في اتجاهها. وخلفية الصورة دائمًا صخرية، عليها نقوش ورسوم لكائنات ذات عيون مخيفة. تبتسم أوينوثيا، وهي سمراء ذات عينين واسعتين زرقاوين.

تقترب الكاميرا من وجهها عبر كتلة النار المشتعلة. ويغمض إنكلوبيوس عينيه وهو يبتسم في سعادة، ثم يفتحهما ليرى وجه أوينوثيا وقد تحول إلى وجه مسخ مخيف. فيجفل لبرهة، ثم يبتسم، فقد عاد الجمال إلى وجه أوينوثيا، والكاميرا تبتعد عنها. يجلس بجوار الحائط الصخري، مخدَّرًا، ويتطلع إلى الخارج، إلى صديقه أشيلتوس الذي يهاجمه الرجل الذي قاد مركبهما بسكين، فيتعارك الاثنان. وينادي أشيلتوس صديقه لكي ينقذه من الذبح. لكن إنكلوبيوس، المخدَّر تمامًا، يمر أمامه طائر ضخم يشبه الطاووس. وفيلليني معروف باهتمامه الكبير بالحيوانات والطيور الغريبة الأشكال، الجميلة، وفي معظم أفلامه يصورها أحيانًا من دون دلالة حقيقية أو سبب مباشر، بل لمجرد الحضور الجمالي، وكجزء من الطبيعة الغامضة التي يقف الإنسان أمامها عاجزًا عن تفسير جمالها وروعتها.

يجد إنكلوبيوس أمامه امرأة ضخمة، سوداء، عارية. يقول لها إنه مذنب، فقد قتل رجلًا واقتحم معبدًا، حين سرق الكائن المقدس. وتفترش المرأة الضخمة الأرض وتبتسم له لكي يضاجعها. وتتراجع الكاميرا. وخلف المرأة مباشرة تتوهج كتلة من النار، وخلفها نرى وجه أوينوثيا المخيف. يصرخ إنكلوبيوس: «يجب أن أنجح»، ثم يهبط ليحتضن المرأة. ومع تراجع الكاميرا من وراء رأس المرأة، تطغى كتلة النيران على اللقطة. وفي الخلفية يناديه أشيلتوس لكي يغادر معه. ثم يخرج إلى الفضاء قرب البحيرة التي جاءا معًا عبرها بالقارب. وهناك كيان حجري على هيئة قضيب ممدد على الأرض. وفي اللقطة التالية مباشرة نرى الكيان الحجري منتصبًا. لقد استعاد قوته الجنسية ببركة الإله عطارد، كما يقول لصديقه أشيلتوس وهو يتأهب للإبحار بعيدًا، فالقيصر الجديد «شديد القسوة على الأشقياء».

إن الشخصيات تتحرك على خلفية من جدار أو صخر أو صحراء، أو في فضاء مفتوح، معزولة عن المحيط. فالمكان مختزل: مذبح حيوانات، ومتحف لأعمال النحت، ومعبد تُبتر داخله ذراع رجل، ومنزل دعارة، وولائم مليئة بالأطعمة، ولا سيما الذبائح، إذ كانت وفرة الطعام دلالة على القوة والثراء في ذلك العصر. ويستخدم فيلليني في فيلمه عبارات بلغات متعددة: الإيطالية واللاتينية والألمانية واليونانية، كما تتردد عبارات وبعض الهتافات باللغة العربية في بعض مشاهد الحشود. ويجمع بين بشر من أجناس وألوان مختلفة، ويصور أكبر سمكة ظهرت في فيلم سينمائي، ويُخرجها نحو اثني عشر شخصًا من البحر في مشهد سريالي، كما يصوّر كثيرين يرتدون أقنعة ويضعون قلنسوات ضخمة على رؤوسهم، وأقزامًا، وعاهرات سمينات، وسفنًا تبدو في هيئة غرائبية، كأنها وحوش ضخمة ذات أسنان، ومجموعات بشرية عارية تهتف في صخب وتخضع، في مذلة واستكانة، للسادة الأثرياء المهيمنين. ويجعل إنكلوبيدس وأشيلتوس، تحت تهديد قاطع طريق أحمق، يسرقان الكائن المقدس (الهرمافرودايت/الخنثى) الذي يمتلك القدرة على شفاء المرضى، لكي يطلب فديةً له. لكنهما، عندما يسيران به في الصحراء تحت أشعة الشمس، يجف حلقه ثم يموت، وكأنهما قضيا على من كان يمتلك القدرة على الخلاص.

«ساتيريكون فيلليني» عالم غير متماسك، غير متجانس، مركّب من صور وتداعيات تندفع من عالم الحلم، وتبدو كما لو كانت تتبدّى لنا من فوق سطح مياه بحيرة صافية. إنه حلم فيلليني الخاص، الممتد، عن عالمه القديم، وعن الهوية الرومانية، وعن الجحيم، بالمعنى المادي لا بالمعنى الأخلاقي؛ الجحيم «من دون المطهر ومن دون الجنة»، حسب تعبير مورافيا.

ودون شك، فإن فكرة عدم التجانس وغياب الانسجام بين المقاطع المختلفة قد أغرت فيلليني، ودفعته إلى وضع فيلمه في السياق الذي اختاره له: من دون حبكة، أو بداية ووسط وذروة ونهاية واضحة ومحددة. فالنهاية مبتورة. ففي المشهد الأخير يتوقف إنكلوبيدس، في مونولوجه الطويل قرب البحيرة، بعد أن يدرك أن رفيقه أشيلتوس قد اختفى. يناديه مرات عدة، ولكن من دون جدوى، ثم يكتشف أنه جثة ممددة على الأرض. فيرثيه بأشعار الفقد ويبكيه، ثم يسير في الصحراء تحت السحب السوداء الكثيفة، مبتعدًا في حزن. ومع الاختفاء التدريجي ثم الظهور التدريجي، نراه قرب سفينة عجيبة يروي لنا عن رحلته المرتقبة مع مجموعة من الشباب إلى أفريقيا، ثم يقول إنه زار بلادًا كثيرة والتقى شابًا إغريقيًا قال له… لكنه لا يكمل الجملة. وتتجمد اللقطة على صورته، ثم تتبدل الصورة لتصبح لوحة من لوحات «الفريسكو» المرسومة على قطعة صخرية ضخمة. ومع تراجع الكاميرا، وصوت صفير الريح، تظهر جميع شخصيات الفيلم على قطع حجرية مهدمة ومنفصلة. لقد انهار «العالم القديم»، ولم يبقَ منه سوى أحجار. أليس هذا هو كل ما بقي من روما القديمة؟

يقول فيلليني: «لقد استخدم الإنسانيون الموروث القديم من أجل تبرير ذواتهم والتعبير عما في داخلهم. لقد أسقطوا عليه أفكارهم المقررة سلفًا عن «القديم». أما أنا فلا أسقط عليه شيئًا. إنني لا أملك أفكارًا مقررة سلفًا، لكنني أرى الميراث القديم كما أرى أي شيء آخر، وأجده غامضًا، بل شديد الغموض. إنه عالم مفقود، متلاشٍ… رحل عنا، وأصبحنا لا نكاد نعرف عنه شيئًا. وليست لدينا صلة حقيقية به، وخصوصًا نحن الإيطاليين الذين نفخر دائمًا بانحدارنا المباشر منه. إنه عالم مغترب عنا تمامًا».

من المرات النادرة في تاريخ سينما فيلليني التي نراه فيها يرتد إلى الماضي السحيق، لا يفعل ذلك من خلال النوستالجيا، أو «الحنين» إلى «ريميني»، بلدته الصغيرة التي خرج منها عام 1938 ليكتشف «المدينة» الكبيرة، أو «المدينة الأبدية» روما، ولا لكي ينظر إلى الوراء، في غضب، إلى ما كانت عليه إيطاليا الفاشية في الثلاثينيات، بل إلى روما ما قبل المسيحية، روما الوثنية في سقوطها وتدهورها. ومع ذلك، لم يشأ أن يصنع فيلمًا تاريخيًا، وقد وصف فيلمه «ساتيريكون» ذات مرة بأنه «فيلم من أفلام الخيال العلمي، إلا أن الرحلة تدور في الماضي بدلًا من المستقبل»، حسبما ذكر الناقد الأمريكي روجر إيبرت في مقاله (Chicago Sun-Times، 1 يناير 1970). ورغم أن إيبرت أبدى تحفظه على ما يقوله المخرجون عادة عن أفلامهم، فإنه رأى أن فيلليني، في هذا الوصف، كان محقًّا.

ويقول فيلليني في كتاب «أنا فيلليني»: «حين تختار موضوعًا مثل «ساتيريكون» لفيلمك، تكون كمن يكتب قصصًا علمية متخيلة؛ فبدلًا من أن يسلّط الفيلم الضوء على المستقبل، يسلّطه على الماضي. فالزمن الغابر لا يقل غرابة عن المستقبل المجهول».

كان فيلليني دائمًا يصرّ على فكرة أنه يصوّر الشخصيات، ولكن من دون أن يندمج معها، بل يحرص على وجود مسافة تفصله عنها، بل وعن الفيلم بأسره؛ أي مسافة تسمح له بالتأمل، ولكن من دون انفعال. لذلك يلجأ فيلليني إلى كثير من الممثلين غير المحترفين، ويستخدم وجوههم بعد أن يطوّعها لخياله الخاص، ويلبسهم ملابس غريبة، ويصبغ وجوههم بصبغات تجعلهم بعيدين تمامًا من فكرة «الإيهام بالواقع». وفي «ساتيريكون» يبلغ الذروة في استخدام هذا الشكل «التغريبي». فهو يريدنا أن نتطلع إلى كائنات تبدو كما لو كانت تنتمي إلى كوكب آخر، إلا أنها قريبة منه ومن عالمه ومن مدينته أيضًا. وفي فيلمه التالي «روما» سيكشف لنا كيف أن المدينة تعيش فوق مدينة أخرى، فوق روما القديمة، وأنها جزء لا ينفصل عنها. لكنها فقط في حاجة إلى الاكتشاف، بل إلى اكتشاف العلاقة المتصلة بها أيضًا، ولو على صعيد الخيال والتخيّل؛ وهو الأمر الذي يغري فيلليني أكثر منذ أن غادر سينما الواقعية بعد «ليالي كابيريا».

يروي فيلليني للكاتبة الأمريكية شارلوت شاندلر (واسمها الحقيقي لين إيرهارد) قصة حياته وعلاقته بالسينما والفنون في «أنا فيلليني»، ويقول: «لقد كتب بترونيوس عن أهل زمانه بلغة يمكن أن نفهمها الآن. وأردت أن أستعيد قطع الفسيفساء التي سقطت وضاعت. وما ضاع هو الذي راقني، لأنه أتاح لي فرصة ملئه باستخدام خيالي، ومكّنني بالفعل من أن أصبح جزءًا من القصة، ومن الرحيل إلى ذلك الزمن والعيش فيه. لقد كان ذلك يشبه التأمل في الحياة على كوكب المريخ بالتعاون مع أحد سكانه، وهكذا أشبع «ساتيريكون» رغبتي في صنع فيلم خيال علمي».


أمير العمري
صحفي وناقد مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى