The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

لم تنقذنا الحرب من الملل

32

حجم الخط
  • سراج الدين الورفلي
    كتابة

    سراج الدين الورفلي

    شاعر وروائي ليبي
  • آلاء حسانين
    مراجعة وإخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

دمعةٌ واحدةٌ لعدةِ مآتم

آهِ، أيتُها البلادُ العاهرة!
إني أشتاق إلى شتائمِ أبي،
وصفعاتِه التي تزيدني غضبًا،
أخجلُ من هذه الألفةِ
والطيبةِ المفرطةِ أمامَ أفواهِ البنادق،
ما مِنْ جُثَّةٍ مجهولةٍ
إلا وتساءلتُ إنْ كانتْ لي،
ما مِنْ لغمٍ مدسوسٍ
إلا خفتُ أن يكتشفني
في الغابة أنادي:
الغابةُ مُسيَّجةٌ بالحرائقِ والكمائن،
في الغابةِ أنادي:
الغابةُ مركزُ اللغةِ وضاحية التنهيد
في الغابة أنادي
كلَّ فريسةٍ أظنُّها أنا:
هل عثرتِ على نابِي
مغروسًا في عنقك؟

تضحكُ الفرائسُ،
أضحك أنا أيضًا،
ثم تطير ناحيةَ الأفقِ،
لأصير بعدها فخاخًا من صمتٍ وذعر،
آهِ، يا رائحة أبي!
المختنقة بالدخان وعرق الذبحات الصدرية،
أين جثتي؟ أين كلابي التي كانت تشتَمُّ عظامي
من بعدِ عِدةِ أمتارٍ من مَدفني؟
أين أقدامي؟ كيف تعلمت المشيَ فوقي؟
وكيف صرتُ أُلاحق وقوفَها ولا أصل؟
أيتها البلاد العاهرة!
أيتها البلاد المقدسة كالعاهرة!
لقد استنفدتُ كل حيلي،
وبالغتُ في نسيانك،
حتى صرتُ لا أذكرُ أحدًا غيرك،
أقفلتُ كلَّ نوافذي، لأنام،
لكنَّ ضحكةَ الجِيَفِ
كانت قد تحنَّطتْ
في دمعةٍ واحدة،
احتفظتُ بها… لعدةِ مآتم.

 ***

رسالة ممزقة

الذين لم يبنُوا لهم بيوتًا
بعيدًا عن قبائلهم وأمهاتهم،
يتباكون مثل الأطفالِ
على الحلوى،
الذين لم يخسروا معاركهم مع الحياة،
ليس لديهم نُدبٌ جميلة على جباههم،
إنهم يرسمون ندبًا ليُغرُوا المراهقاتِ
اللواتي سيُميِّزْنَ سريعًا
بين الندب الحقيقية وتلك المرسومة بقلم ملون،
لم نتعلم الصبر بإرادتنا، ربما لم نتعلمه أصلًا،
وحتى الكلمات البذيئة كانت تهبط علينا مثل الوحي،
ولدينا فائض من الغضب
يجعلنا ذئابًا آدميةً.
المراكب التي مزقت أسنانَ العاصفة… أشرعتُها
تضحكُ على المراكب التي تغرق في هذه الأيام الهادئة،
إياكَ أن تظن نفسك المقاتل الوحيد في المعركة،
في هذه الحياة لن ينفعك النحيبُ
مثل العاهراتِ على ليلةٍ لم يقبضْنَ ثمنها،

قلِّدْ نفسك بالهزائم،
وبارك لجنودك إصرارَهم وإخفاقاتِهم،
اغلق البابَ أو افتحه؛
فالعاصفةُ لا تحتاجُ إلى كرمك،
وإن كنت غير مستعدٍّ للموتِ دائمًا،
فأنصحك ألَّا تحاولَ العيشَ…
هذا النصُّ ليس فيه أيُّ حكمةٍ تُذكر،
إنه فقطْ… رسالةُ تأبينٍ
لجثث الأحصنةِ
التي جرفها النهر،
إنها ضحكةٌ شاسعةٌ
لأصدقائي السكارى الذين يعدُّون معي
بأصابعهم المبتورة؛
كم مرة نجونا من النجاة!
كم مرة أخطأتْ رصاصةُ القناص
وأصابت جماجمنا!

*** 

جماليات النسيان

لا تنسَ أن تودِّعَ الأشياءَ التي تحبها،
وأنت تغادر قبوَ الأشياء التي تحبها،
وأنت تجرُّ نفسَكَ عبر حقول الذرة،
الغيمة المُحِبَّة للنوافذ،
موسيقى الشوارع البعيدة،
وأبخرة الأشجار في الصباح الباكر،
صدرك الممتلئ بالأتربة،
بآثارِ أقدامِ الخيول في معارِكِكَ القديمة،
صدرك الممزق،
مثل أيِّ جدار في الحرب،
على وشك الانهيار،
لا تنسَ أن تودِّعَ الأشياءَ التي تحبها،
ربما يمكن لأحد في يومٍ ما، أن يسامحكَ بطيبِ خاطر،
يومًا ما،
ستُنسى،
لا تَنْسَ
أن تودعَ الأشياء التي تحبها،

لا تشرحْ، قلْ: وداعًا أو إلى اللقاء فحسب،
وغادر كموكبٍ لا ينتهي من الظِلال المبللة،
اِقطعْ بنفسكَ حبلَ المسافة،
حطِّم الجسور خلفك،
وامسح بصماتِ عينك من المكان،
احرق مخازن الشتاء،
أخيرًا ستتصاعدُ الأدخنةُ
من نوافذِ بناياتِك الشاهقة،
اكسِرْ قواعد الاشتياق، ولا تعبر من أمام أحدٍ مرتيْنِ،
قلْ: وداعًا فحسب…
غادِرْ قبل أن يرجع صداك،
بجثة صوتك،
رئتاك،
لن تحتملَ تغريد طيرٍ آخر،
لا الصباح سيذكر،
لا الأشجار ستذكر،
ما المسافةُ التي قطعتَهَا
وأنتَ تحمِلُ عشًّا لا تنتمي إليه!

 ***

أغنيةٌ بذكرى واحدة

الكلامُ نفسُه يُقال في كل تأبين،
لكنَّ أغنيةً واحدةً
يمكنُ أن تجلسَ معك على الشاطئ،
تتنهدُ مثلك،
تُخرِجُ من محفظتِها
صورَك القديمة،
حين كانت أمك تعدُّ القطايف،
فتصيرُ رائحةُ فستانها
غاباتٍ من العسل.

أغنيةٌ واحدةٌ
تحفظ وَقْعَ أقدامِ أبيك الذي في السماء،
ذراعه السمراء العتيقة
كالشارعِ الذي تركضُ فيه حافيًا،

أغنية تحملك على ظهرِها
كحقولِ الشتاءِ،
تعبر تجاعيدَ ظلك
إلى مخازنِ الضحكِ حول شمعةِ جدِّك،
حيث تضع رأسك على فخذِ جدتِك
تمسده بأناشيدِ الحِنَّاءِ والنعناع.

أغنيةٌ واحدةٌ
قد تنساها،
لكنها ستُدَنْدِنُكَ دائمًا
في وحدتِها!