في إحدى ليالي بوسطن الباردة، أيامَ دراستي الجامعية، دعتني صديقة إلى عيد ميلادها في ملهًى عربيّ اسمه «ليالينا». كان معظم الحاضرين من عرب المهجر، يجتمعون ليستعيدوا، بالموسيقى والدبكة والرقص، أوطانًا ما زالت تسكنهم بعدما ضاقت بهم الجغرافيا. ثم دخلت الراقصة وعلى رأسها شمعدانٌ مشتعل، تحمله بتوازنٍ أنيق: جيسيكا، إيرلندية الأصل، بيضاء حِنطيّة الملامح، قوامها أشبه بساعة رملية، طاغية الحضور، تملأ المسرح قبل أن تتحرك، شغوفة بالرقص الشرقي شغفًا لا يخفى على متفرّس. كانت تتقن الإيماءات الشرقية إتقانًا لا تخطئه عين، ولكن كان هناك شيءٌ ما، أشبه بما يسمّيه جيل الألفية «الإكس فاكتور» (X Factor)، يفلت منها ولا تصيبه؛ حتى الاسم الذي أستعيره له أجنبيٌّ لا يُترجَم. شيءٌ لا تُعلّمه دروس يوتيوب التي تتلمذت عليها جيسيكا، ولا تُلقّنه معلّمة رقص. جسدها يحاكي الرقص الشرقي ويبقى غريبًا عنه، كجسدٍ قلقٍ يحاول أن يستضيف روحًا غريبةً ليست من طينته: فلا هي حلّت فيه، ولا هو استطاع استحضارها. لم أكن يومها أملك اسمًا لهذا الفارق بين أن تحاكي وأن تسكن؛ وكأنّ الاسم يفلت منّي كما تفلت الروح الشرقية من جسدها. ولكنّي وجدته، لحسن الحظ، بعد سنوات، في لحظة اكتشافٍ سرنديبيّة، عند إدوارد سعيد.
في صيف عام ١٩٥٠، وقف صبيٌّ في الرابعة عشرة بين جمهور «كازينو بديعة» في الجيزة، يشاهد تحية كاريوكا ترقص للمرة الأولى والأخيرة في حياته على خشبةٍ أمامه. كان متفرجًا مجهولًا بين عشرات؛ لم تلحظ الراقصة وجوده على الأرجح، كما لم تلحظ جيسيكا وجودي بعد ذلك بأكثر من نصف قرن، ولكنّ الصبيّ لم يتعافَ من المشهد قط. كان اسمه إدوارد سعيد، وبعد نحو عشر سنوات عاد إلى القاهرة قاصدًا لقاءها وجهًا لوجه، وقد تابع في تلك السنوات العشرات من أفلامها؛ ثم كتب عنها مقالته «تحية إلى راقصة شرقية»؛ وكان سعيد يكتب أثرَ تلك الليلة فيه، لا مجردَ نصٍّ محايدٍ عن راقصة، ويختصر عقودًا من الإعجاب في هتافٍ واحد: «يا لها من امرأة!».
في تلك المقالة قال سعيد إن جوهر الرقص الشرقي الكلاسيكي، شأنه شأن مصارعة الثيران، يكمن في قلّة حركات الراقصة، أو ما يسمّى «الاقتصاد الحركي»، لا في كثرتها. المبتدئات والمقلِّدات الغربيات هنّ من يلجأن إلى ذلك الاهتزاز المحموم الذي يظنّ نفسه إثارة. أما الراقصة الحقيقية فتصنع أثرها بالإيحاء: إيماءة واحدة من الوسط تقول ما لا تقوله عشرون حركة متتالية.
ثم مضى إلى ما هو أبعد. قارن بين الرقص الشرقي والباليه فرأى أنهما نقيضان لا شبيهان. الباليه قائم كله على تحدي ثقل الجسد: راقصة الباليه تريد أن تبدو خفيفةً كالريشة، بلا وزن، تحلّق، تتحرر من الجاذبية. تحية كاريوكا كانت تفعل العكس تمامًا: تغرس نفسها في الأرض أكثر فأكثر، كأنها تحفر فيها، بالكاد تتحرك. الباليه يهرب من الجسد. الرقص الشرقي يسكنه.
فالتقليد الغربي، المتأثر بالأفلاطونية ثم بالمسيحية، ظل قرونًا يعامل الجسد بريبة: سجنٌ للروح، وعبءٌ ينبغي التسامي عليه، ومصدرُ شهواتٍ يجب كبحها. والباليه هو التجسيد الحركي لهذا الطموح: جسدٌ يتظاهر بأنه ملاك. أما الرقص الشرقي فينطلق من مكانٍ آخر تمامًا، من تصوّرٍ لا يرى خصومة بين الروح والجسد، يرى حوارًا مستمرًا بينهما. مارثا غراهام، وهي الأمريكية التي ما عرفت الشرق، قالت ذات مرة: «الجسد يقول ما تعجز عنه الكلمات… الرقص هو اللغة الخفيّة للروح».
نيتشه أيضًا فهمه، من زاوية مختلفة. في «أفول الأصنام» كتب، وهو يهجو ثقافةً ألمانية أثقلها التجريد، أن الرقص بكل صوره لا يُستبعد من أي تربية نبيلة: «أن تُحسن الرقص بقدميك، وبالمفاهيم، وبالكلمات؛ وهل بقي أن أضيف أن عليك أن تُحسن الرقص بالقلم أيضًا، أي أن تتعلم الكتابة؟». الرقص عنده معيار الفكر نفسه؛ ففي الفصل ذاته يقول إن التفكير يُتعلَّم كما يُتعلَّم الرقص، بل هو عنده ضربٌ من الرقص، والفكرة التي لا تعرف خفّة القدمين فكرةٌ لم تكتمل تربيتها. وحين سأل في «العلم المرح» عن أي كتاب أو إنسان أو موسيقى سؤالَه الأول: «هل يستطيع أن يرقص؟» كان يجعل من الرقص مقياسًا للحيوية والحرية الداخلية، لا مهارةً ترفيهية.
واللافت أن الرقص الشرقي كان يمارس، قبل نيتشه بقرون، هذه «الديونيسية» التي حلم بها. في تقاليد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم يكن الرقص فنًا منفصلًا تذهب إليه؛ كان جزءًا من نسيج الحياة ذاتها: الأعراس والمواسم والأفراح، وطقوس الزار، وحلقات الذكر التي يبلغ فيها الجسد ما لا يبلغه القول. لم يحتج إلى مسرح أو تذكرة دخول، لأنه لم يكن ينفصل عن الحياة التي يحدث فيها أصلًا.
من هنا تتضح المسافة بين الراقصة الشرقية وزميلتها الغربية، حتى لو أتقنت الأخيرة كل حركة بدقة تقنية فائقة. الإقبال الغربي على دراسة الرقص الشرقي كبير ومتزايد، لكن شيئًا ما ظلّ يفلت منهنّ. ليس العيب في التعلم ولا النقص في الموهبة؛ المسألة أعمق من حركاتٍ تُحفظ وقواعد تُستوعب: إحساسٌ نابع من سيرة الجسد نفسها، من طفولةٍ رقصت في الأعراس قبل أن تعرف أنها ترقص، من ذاكرةٍ تراكمت في المفاصل قبل أن تصل إلى الوعي؛ مشاعر لا يستوعبها من نشأ خارج سياقها بمجرّد أنه قرّر أن يتعلمها. الفرق في مكانٍ آخر لا تبلغه الدروس ولا تنفع معه المحاكاة.
عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي إدوارد ت. هول يساعدنا في فهم السبب. في كتابه «ما وراء الثقافة» (١٩٧٦) طرح مفهوم «الثقافة الخفيّة»: تلك الطبقات العميقة من السلوك والإدراك التي تتحكّم فينا دون أن نعيها؛ كيف نحسّ بالمسافة بيننا وبين الآخرين، كيف نتعامل مع الزمن، كيف تتحرّك أجسادنا حين نتكلّم أو نصمت. رأى هول أن كل ما ينتجه الإنسان، من أدوات ولغات وفنون، «امتداد» لقدراته البيولوجية والنفسية، وأن هذه الامتدادات تحمل بصمةَ ثقافته التي لا تنفصل عنها. الفن ليس كماليّاتٍ يضيفها شعبٌ إلى حياته؛ الفن هو حياته ذاتها وقد أُعيدت صياغتُها. وفهم شعبٍ ما يستلزم أن تُقرأ فنونه نصوصًا مفتوحةً على وعيه الجمعي.
بهذا المنطق يصبح الرقص الشرقي واحدًا من أكثر «الامتدادات» الثقافية كثافة. إنه يحمل في طيّاته بنية كاملة من الإحساس بالزمن والمكان والجسد، بنيةً ترسّبت عبر قرون ولا يمكن اختصارها في منهج تعليمي مهما بلغت دقّته؛ فعبورها إلى الجسد حصيلةُ عمرٍ، لا مجرّدَ حصةٍ أسبوعيةٍ عند معلّمة أو أمام شاشة. وهذا لا يعني أن الراقصة غير الشرقية لا تستطيع أن ترقص، بل إنها قد تؤدّي الحركة دون أن تحمل معها ذلك الزخم الثقافي الذي يمنحها معناها. الفرق ليس في التقنية. الفرق في ما يُضيء الحركة من الداخل.
وما يصدق على الرقص يصدق على الفنون المتجذرة جميعًا. عام ١٩٧٣، سُئلت الشاعرة الأمريكية مايا أنجيلو: هل للنقاد البيض حقُّ الحكم على فنون السود؟ فأجابت بما يتجاوز سؤالَ الحقّ إلى سؤال القدرة: الناقد الأبيض «سيسمع، وسيفهم، كما نأمل، الجوهر»، لكنه لن يلتقط الإيقاعات المضادة التي يدقّها أطفال هارلم بأقدامهم في لعبة الحجلة، تلك التي بَنَت عليها قصيدتها «حجلة هارلم». فالحجلة واحدة أينما لُعبت: قفزةٌ فقفزةٌ فقفزة؛ لكنْ تحتها في هارلم إيقاعٌ مضادٌّ لا يسمعه إلا من نشأ عليه. الناقد الغريب، تقول أنجيلو، «سيرى الدلالات الاجتماعية في القوافي… لكنه لن يسمع». بين أن تفهم وأن تسمع تقع المسافة كلها، وهي المسافة نفسها التي وقفتْ عندها جيسيكا في «ليالينا»: كانت تفهم كل شيء، ولم تكن تسمع. ما قاله سعيد عن الرقص وقالته أنجيلو عن الشعر قانونٌ واحد في الفنون المتجذرة: لكل ثقافةٍ حديثُها الداخلي، يُفهم جوهرُه من الخارج، ولا يُسمع إيقاعُه إلا من الداخل.
لكن ما الذي يجذب المرأة الغربية تحديدًا إلى هذا الفن، وبخاصة النسويّات اللواتي لا ينظرن إلى أنفسهنّ أداةً لإمتاع الرجل، في وقتٍ ارتبط فيه الرقص الشرقي في الأذهان بالإثارة والإغراء؟
الكاتبة الألمانية ديتلنده كاركوتلي تقدم في كتابها «الرقص الشرقي» (١٩٨٣) إجابةً من داخل التجربة. ترى أن إقبال الألمانيات على تعلّم الرقص الشرقي جاء في لحظة بعينها: لحظة سادت فيها تخمةٌ من التفكير العقلاني البارد، وملل وفراغ روحي ولّده الإفراطُ في تقديس المنطق. كان الجسد قد سئم من دوره كـ«دعامة للعقل المهيمن»، على حدّ تعبيرها، وأراد أن يستعيد صوته. بعض النساء اتّجهن إلى الرقص الشرقي بعد فترةٍ نلن فيها حريتهنّ ومساواتهنّ القانونية، لكنهنّ لم يعرفن ماذا يصنعن بآلام داخلية لم يكن المنطق وحده كافيًا لمعالجتها. وحين بدأن ممارسته، لاحظن شيئًا لم يتوقعنه: توازنٌ بين العقل والجسد، كأن شيئًا مقطوعًا عاد يلتئم. وكأنّ ألمانيا التي هجاها نيتشه لثقلها عادت بعد قرنٍ تبحث عن خفّتها في رقص الشرق.
لماذا هذا الرقص بالذات ولم يقم الباليه أو الرقص الحديث بالدور نفسه؟ كاركوتلي تلاحظ أن الرقص الأوروبي الحديث هو إلى حدّ بعيد «رقص سيقان»: الحركة تأتي من الأطراف لا من مركز الجسد. قد يكون جميلًا ورشيقًا، لكنه لا يعبّر عمّا يختلج في النفوس. والباليه أسوأ من هذه الناحية: نظمٌ صارمة تُفرض على الجسد من الخارج. أما الرقص الشرقي فينبع من المركز، من البطن والحوض والجذع، من المنطقة التي تراها ثقافات كثيرة مقرًّا للطاقة الحيوية والمشاعر الدفينة. وهو فوق ذلك رقصٌ مرتجل: لا قالب محفوظ، ولا كوريغرافيا مسبقة. الجسد يتكلّم وحده.
تقاطعات غريبة تتكشف هنا بين سعيد وكاركوتلي، دون أن يقرأ أحدهما الآخر على الأرجح: فنٌّ يغرس نفسه في الأرض مقابل فنٍّ يهرب منها، حركة من المركز مقابل حركة من الأطراف، ارتجال مقابل قالب، إيحاء مقابل إعلان. كلها تصبّ في الاتجاه ذاته: الرقص الشرقي يختلف عن نظيره الغربي لا في الأسلوب، وإنما في الفلسفة الكامنة تحته.
شعرت المرأة الغربية، كما تقول كاركوتلي، أن هذا الرقص «خاصّ بها»، أنه وسيلة لإعادة إحياء أنوثتها. لا بالمعنى السطحي الذي يختزل الأنوثة في الإغراء، وإنما بمعنى أعمق: استعادة العلاقة المقطوعة مع الجسد نفسه. كأن الرقص الشرقي قدّم لها ما عجزت ثقافتها عن تقديمه: طريقةً للإقامة في جسدها بسلام، لا للهروب منه.
المفارقة أن هذا الانجذاب يحفر تحت نفسه. القيمة «العلاجية» التي اكتشفتها المرأة الغربية في الرقص الشرقي مشتقّة بالضبط من تلك الطبقات الثقافية العميقة التي لم تُتَح لها الإقامة فيها؛ تستفيد من الثمرة دون أن تملك الجذر. وهنا تعود ملاحظة سعيد بكامل ثقلها: لا تستطيع أن تنتزع تحية كاريوكا من ملهى ليلي قاهري أو حفل زفاف شعبي. هي محلّية بالكامل، غير قابلة للترجمة، مستعصية على الاستثمار خارج سياقها. لكل ثقافة مناطقها المغلقة، وتحية كانت واحدة منها.
بعض الأشكال التعبيرية تقاوم العولمة بطبيعتها، ليس لأنها «متخلفة»، ولكنْ لأنّ ما يمنحها قيمتها متجذّرٌ في سياقها إلى الحدّ الذي يجعل اقتلاعها منه إفراغًا لها من معناها. وهذا لا يعني تقديس الحدود بين الثقافات أو رفض التبادل؛ يعني فقط أن فنونًا بعينها تشبه تلك الكلمات التي تقول القواميس إنها «غير قابلة للترجمة»: ليست مستحيلة الفهم؛ غير أنّ فهمها يتطلّب أكثر من المعرفة. يتطلّب الإقامة.
أفهم الآن ما رأيته في «ليالينا». لم يكن نقصًا في موهبة جيسيكا ولا في شغفها واجتهادها؛ كانت تؤدي الحركة بإتقانٍ كامل، وينقصها ما يضيء الحركة من الداخل. ذلك «الإكس فاكتور» الذي لم أملك له اسمًا يومها، له اسمٌ الآن: أن تسكن الرقصةَ لا أن تحاكيها. وكان جمهور المهجر يصفّق لها بكرم، وفي العيون ذلك الحنين الذي يعرف أن مشهد الرقص الشرقي الماثل أمامه مجردُ محاكاة، وأن الأصل بقي هناك، في البلاد التي تركوها ولم تتركهم.
حين تقف راقصة مصرية وتؤدّي بحركة واحدة من وسطها ما تعجز عشرون حركة عن قوله، فهي لا تمارس فنًا؛ تمارس ثقافة بأكملها، وتقول بجسدها ما لن يقوله أي كتاب أنثروبولوجي: الأصالة ليست ما يُتعلَّم. الأصالة ما يُعاش.




