The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

عن حميمية البيت

183

  • زكريا محمد علي
    كتابة

    زكريا محمد علي

    كاتب وباحث في الفكر والفلسفة
  • آلاء حسانين
    إخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

عندما نفكر في الحميمية فغالبا ما يتبادر إلى أذهاننا أنها تتعلق بالجسد، وقد تكون كذلك، بيد أنها أيضا شخصية وروحية للغاية. إنها تواصل عميق مع ذواتنا، يتضمن التواجد في اللحظة الراهنة، والانتماء إليها، والشعور بالتقارب مع أنفسنا ومع محيطنا. هذا التواصل يُسهم في خلق ذكريات جميلة حاضرة باستمرار، وعادة ما تتمثل في اللحظات التي تتحفز فيها حواسنا، كأن ننصت إلى زقزقة العصافير في ساعات الصباح الأولى، أو نستنشق رائحة القهوة، أو نلاحظ جمال نبتة تنمو خارج نافذة غرفتنا، أو نشعر بنعومة البطانية ونحن نسترخي على أريكة. إن الملاحظة والوعي عنصران أساسيان في التواصل والحميمية، وكذلك التقدير والامتنان. إنها لحظة نُبطئ فيها وتيرة حياتنا لنرى الجمال الذي أمامنا مباشرة، ونشعر بالامتنان لهذه التجربة.

يمكننا أن نشعر بتواصل عميق بمجرد الجلوس بهدوء وملاحظة ما هو موجود بالفعل في محيطنا الطبيعي. مثل صوت ضحكة طفل، أو رائحة الزهور المتفتحة في الحديقة، أو نظرة شريكنا وهو مفتون بشيء ما. يُزوّدنا العالم الطبيعي بكل ما نحتاجه لنشعر بالترابط. والوعي به يُحسّن صحتنا النفسية بشكل ملحوظ. “يكمن سر السعادة الحقيقي في الاهتمام الصادق بكل تفاصيل الحياة اليومية”، قائل هذه العبارة التي تجسد جوهر التأمل وفلسفة الفنون هو ويليام موريس (1834- 1896)، كان شخصية بارزة في حركة الفنون والحرف البريطانية، واشتهر بمقولته: “لا تضع في بيتك شيئا لا تعرف فائدته، أو لا تعتقد أنه جميل”. وقد طبق هذه الفلسفة تحديدا على تصميماته النسيجية المعقدة وعلى نظرته اليومية للعالم.

وفي هذا السياق يلعب البيت أو البيئة المنزلية دورا محوريا في تعزيز التواصل والألفة، وبما أننا نقضي معظم وقتنا في منازلنا، فمن الجميل أن تُساعدنا على الشعور بالترابط والحضور الذهني. يُمكننا تحقيق ذلك من خلال تهيئة جو يُحفّز حواسنا وخلق تجارب جميلة في محيطنا المادي، لذا لا حرج لو لجأنا لاستخدام بعض الأشياء المادية لتعزيز التواصل والألفة في منزلنا. لكن من المهم أن نتذكر أن الأشياء المادية بحد ذاتها لا تجعلنا بالضرورة أكثر سعادة، ولسنا بحاجة إلى تكديس المزيد والمزيد لنشعر بالسعادة. لكن لا بأس من تدليل أنفسنا من حين لآخر، باختيار شيء صغير نحبه، ثم ابتكار طقوس وتجارب يومية جميلة حوله. هذا يشجع على العناية بالنفس، وهو ممارسة للتباطؤ والتأمل، والتركيز على حواسنا، وملاحظة مدى بهجتها.

إنّ حميمية البيت تتجاوز مجرد المأوى المادي؛ فهو ملاذ عميق ينسج بين طياته ذكريات شخصية ومشاعر ولحظات ضعف مشتركة. إنه بمثابة خلفية للحظات اليومية، حيث لا يزدهر التواصل الحقيقي إلا عندما تُراعى الحدود والثقة والمسؤوليات المشتركة. وصف الفيلسوف جون أودونوهيو المنزل بأنه بناءٌ يحيط بحميمية الحياة. داخل جدرانه يتخلص المرء من دروع العالم الخارجي ويسمح لنفسه بالاسترخاء والتواصل مع ذاته الحقيقية. هنا نفهم المعنى العميق الذي كانت تقصده ميسون بنت بجدل – زوجة معاوية بن أبي سفيان – حين ارتدت يوما أفخر ثيابها، وتطيبت وتزينت بما أعد لها من الحلي والجواهر ثم جلست مع بعض وصيفاتها على شرفة من شرفات القصر، فنظرت إلى الغوطة وأشجارها وسمعت أصوات الطيور وشمت نسيم الأزهار، فتذكرت باديتها وحنت إلى أترابها وأناسها، فبكت بكاءً شديدا، فقيل لها: ما يبكيك وأنتِ في ملك يضاهي ملك بلقيس، فأنشدت وهي تبكي وتتنهد قصيدة” لبيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيه.. أحبُّ إليَّ من قصرٍ منيف“.

في روايته (متحف البراءة) سرد الأديب التركي أورهان باموق تفاصيل هوس كمال (تاجر ثري من إسطنبول) بحبيبته فسون (بائعة في متجر)، عجز في الارتباط بها في البداية وافترقا، وبعدما عاد إليها عقب سنوات اكتشف أنها قد تزوجت، فأصبح يتردد كثيرا على منزلها لتناول العشاء مع العائلة، وخلال هذه الزيارات كان يجد العزاء والسلوى في سرقة بعض مقتنياتها – بدءًا من فناجين الشاي ومرورا بالأقراط وهزازات الملح وانتهاءً بآلاف أعقاب السجائر – مدفوعا بشوق قهري. وبعد تحوّلٍ مأساوي في الظروف، يقرر كمال شراء منزل عائلة فسون، ليحول المنزل المتهالك – الذي اعتبره تجسيدا لحبه الذي استمر تسع سنوات – إلى متحف يعرض المقتنيات التي سرقها بالإضافة إلى تذكارات أخرى متعلقة بتلك الحقبة. البيت هنا لم يعد مجرد هيكل مادي يشغل مساحة جغرافية، بل ارتقى بسبب الحميمية المرتبطة به إلى خزان للذكريات وملاذ ضد الفقد والزمن ورمز للتعلق المستحيل. ويبدو الروائي الجزائري واسيني الأعرج قريب الشبه بهذا النموذج في توظيف حميمية البيت حيث عادة ما تلتحم صورة البيت في نصوصه السردية بالمرأة الحبيبة، وتتخلق حميمية البيت لديه عبر استثارة الحواس والتركيز على التفاصيل الدقيقة التي تؤثث المكان، تفيض بيوت واسيني الأعرج برائحة القهوة وعطر الياسمين والموسيقى، وتتضاعف قيمة الحميمية عندما يصبح البيت مهدداً بالهدم أو المصادرة، ليتحول تذكره إلى آلية دفاعية ضد الاغتراب.    

البيت كما كان يردد باشلار هو “طوبوغرافيا كياننا الحميم”، مستودع الذاكرة ومسكن الروح، المكان الذي يتيح للإنسان أن يحلم وينمي خياله بسلام بعيداً عن قسوة العالم الخارجي. وقد أبدع في كتابه (جماليات المكان) حين قام بالتركيز على القيم الإنسانية التي يتسم بها المكان اعتمادا على فاعلية الخيال، وبناءً عليه فالبيت رغم أنه “كيان هندسي مرئي وملموس” في المقام الأول إلا أنه أكثر من ذلك، فهو بُعد إنساني نفسي وروح يجسدها العمل الفني، لا يحضر البيت في مخيلتنا على شكل صور فحسب، “بل يتمثل داخل جهازنا العصبي في مجموعة من ردود الفعل، فلو عدنا إليه حتى في الظلام فلسوف نعرف طريقنا إلى داخله”. وأشار باشلار إلى أن الأدراج والدواليب وخزائن الملابس، وقبل كل ذلك الأقفال، تُجسِّد رحلة التآلف مع البيت. قد تتمتع الأدراج والخزائن بمستويات عالية من الألفة باعتبار أن محتوياتها – كنوز وأشياء وهدايا – تحمل قيمة متخيلة، لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا: ما علاقة الأقفال بالألفة؟ في كتابها (خلف الأبواب المغلقة)؛ الذي يستكشف حياة النساء المهمشات في القرن الثامن عشر؛ تُبيّن أماندا فيكري كيف كان لصندوق بسيط مُقفل مكانة مميزة بين أقرانها. فقفل واحد جعلها محظوظة للغاية مقارنةً بخادمة أخرى لم يكن لديها – في أحسن الأحوال – سوى مكان للاختباء خلف لوح خشبي أو تحت لوح أرضي. كان ذلك الصندوق أو الدرج، بمفتاحه، يُشير إلى قدر ضئيل ولكنه ثمين من الخصوصية وتأمين المساحة الشخصية، لا سيما في الغرف المشتركة المزدحمة. 

السبب الحقيقي الذي كان يقف وراء صعوبة تشكل ثقافة الخصوصية في العصور الوسطى هو أن ذات الغرفة كانت تُستخدم للنوم والطبخ والأكل واستقبال الضيوف وتدريس الأطفال حيث لا وجود لغرف مخصصة لكل نشاط، وقد أشار ‏المؤرخ كيفين رايلي إلى ذلك في كتابه الشهير (الغرب والعالم) حين تكلم عن العلاقة بين الهوية والغرفة والكتب. يقول رايلي أنه غالبا ما كان الضيوف والخدم والمراهقون ينامون معاً في مكان واحد، لا فرق بين بيوت الفقراء والأغنياء فكلاهما لا تشتمل على غرف مخصصة لكل نشاط، كل غرفة تؤدي إلى الأخرى دون دهليز أو باب وهذا ما يجعل اختلاء الإنسان بنفسه أمرا صعبا جدا. بيوت الأغنياء كانت تمتلئ بالكتبة ورجال الدين والخدم والأصدقاء الذين لا تتوقف زياراتهم، بل وحتى أشد المناسبات خصوصية مثل ليلة العرس كانت “مناسبة عامة لأن الأقارب والأصدقاء يقحمون أنفسهم على العروسين بعد ذهابهما للفراش، ويقضون الليل في تبادل النكات”! وبما أنه لا وجود لمساحة خاصة في حياة المرء فلن تتشكل له هوية فردانية مستقلة، وهذا ينطبق على القراءة قبل اختراع المطبعة حيث كانت جماعية بصورة تحول دون القدرة على أن يمنح الإنسان فهما خاصا لما يتم قراءته بعيدا عن سطوة الجماعة. 

الحيز الخاص الذي توفره الغرفة المنفصلة عن بقية غرف المنزل والكتاب المطبوع الذي نستطيع قراءته على انفراد هو ما وفّر الشرط الموضوعي الكافي لبروز الشخصية الإنسانية المستقلة التي يتجلى جمالها في فردانيتها. بذور ثقافة الخصوصية – التي عبّر عنها روسو بقوله: (إنني لم أُخلق على غرار أحد ممن رأيت، بل إنني أتجاسر على القول بأنني لم أُخلق على مثال أي إنسان موجود) – لم تتشكل إلا بعد تغير أنماط الحياة؛ بداية بغرفة المنزل الخاصة ومرورا بالمعرفة المُتاحة للجميع وانتهاء برفض الوصاية الفكرية والاجتماعية. صحيح أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين؛ لكن من يحملون ذهنية ثقافة المنزل القروسطي ذي الغرف المُشاعة لا زالوا موجودين، ذهنية لا تعترف بالحيّز الخاص، ولا تفهم الاستقلال الشخصي، ولا تُحسن البحث عن الذات. ذهنية تجعل إنسانيتك مغشوشة، وأخلاقياتك مخدوشة، وكراهيتك لمن لا يشبهك هي سيدة الموقف.