نظرة

حين تعجز الكلمات عن التعبير: الصمت  كذروة درامية

كتابة: حسن سلامة


لقد مُيِّز الإنسان عن سائر المخلوقات، ليس لكونه عاقلًا ومفكرًا، بل على وجه التحديد بكونه مخلوقًا لسانيًا، أي أنه قادر على التعبير عن دواخله من أفكارٍ ومشاعر عن طريق الكلمات. كانت تلك هي الهبة الإلهية الكبرى للإنسان، وهي منحه الكلمة.

وبالرجوع إلى أسطورة برج بابل الشهيرة نلحظ أن قسوة العقاب الإلهي تمثّلت في سلب الكلمة من البشر، في عدم قدرتهم على التعبير عن أنفسهم بلغة موحدة، مما أدى إلى غياب التواصل فيما بينهم، وبناءً عليه فقدانِ الصلة بالوجود كليةً.

وفي استعادة لاهوتية نلحظ في القرآن، سورة البقرة، أنه بعد خلق آدم مباشرةً كان أول ما قام به الرب هو إعطاؤه الكلمة، وكان عطاء الكلمة بمثابة تكريم لآدم، فلقد اكتسب حينها ما لم تستطع الملائكةُ أنفسُها العلمَ به:

“وعلَّم آدم الأسماء كلها”. من تلك اللحظة اكتسب آدم وجوده وفاعليته.

وفي فيلم أندريه تاركوفسكي الأخير “قربان – Sacrifice” الصادر عام 1986، وبينما يسند الطفل الصغير رأسه إلى الشجرة الجافة التي آمن أبوه بأنها ستُثمر يومًا ما وتخضرّ أوراقها، نابعًا ذلك من أمل كبير في البشرية، كان آخر ما نطق به الطفل الجملةَ التي اختتمت سينما تاركوفسكي، وربما اختزلت فلسفته ورؤيته:

“في البدء كانت الكلمة، لماذا يا أبي؟”

بدا تساؤل الطفل بمثابة عتاب، ليس لأبيه، وإنما للإله، وكأن المعاناة لزمت البشر بدءًا من قدرتهم على الكلام. واستوحى تاركوفسكي جملة الطفل من إنجيل يوحنا:

“في البدء كانت الكلمة، والكلمة كانت عند الله، وكانت الكلمة الله”.

لذلك يبدو عتاب الطفل كسخط ضمني على تاريخ الكلمة، فهو تساؤل بريء يشير إلى جوهر مشكلة الإنسان، والتي يجسّدها تاركوفسكي في فشل ألكساندر بطل الفيلم في التواصل مع الآخرين، لينتهي بفشل كلي في التواصل مع الإله، وهو ما يودي به إلى الجنون في الأخير.

هنا تمثّل العجز الكلي للإنسان في عدم قدرته على الكلام، مما أدى إلى فقدانه الصلةَ بالوجود أصلًا. بذلك كان الصمت بمثابة ذروة درامية معبّرة عن حتمية الفشل في ظل لغة لا تُسعف ولا تستطيع التعبير عن دواخل مركّبة ومعقدة يحملها الإنسان في داخله، وهي ما تشكّل عبئًا وثقلًا لا يستطيع الإنسان تحمّله، وذلك ما يودي به إلى الصمت، الذي يبدو بمثابة رد فعل أخير، ليس بوصفه استسلامًا، وإنما محاولةً أخيرةً منه للتمرد على تلك الهبة الإلهية، وكأنه دعوة للإله لاستردادها، كونها أصبحت في لحظة خاصة جدًا لا تجدي نفعًا.

نلمس ذلك في تجارب عديدة على مدار تاريخ السينما، فنرى الصمت معبّرًا عن العجز في كل مرة. وفي سياقات متعددة، يبدو الصمت بمثابة رد فعل أخير للشخصيات، معبّرًا عن تمرد نفسي واجتماعي وحتى وجودي، ولا يحدث ذلك إلا بعد محاولات عديدة للتعبير تنتهي كلها بالفشل، حينها يتجلى الصمت منفذًا معبّرًا عن الفشل والتمرد معًا، فلا يسع الإنسان حينها إلا إعلانُ سخطه ورفضه عن طريق الصمت.

استسلام وجودي استبقه بيرجمان

في فيلمه “ضوء الشتاء – Winter Light” الصادر عام 1963، وهو فيلم ضمن ثلاثية لها تسميات عديدة: ثلاثية الإيمان، الحب، الصمت، نرى بيرجمان يرصد أزمة القس توماس المتشكك في إيمانه، وهو الذي يبدو قاسيًا متجهمًا من الوهلة الأولى وعلى مدار الفيلم. ينكشف ضعف توماس تدريجيًا لينتهي بانهياره أمام حبيبته القديمة، معبّرًا عن ضعف كبير في داخله.

في ذروة الفيلم يدخل خادم الكنيسة “ألجوت” على القس توماس بداعي الاعتراف، يبدأ ألجوت بالكلام معبّرًا عن تساؤل مُلحّ في داخله، ليسرد المشهد الأخير من قصة المسيح حين تعليقه على الصليب بعد إنكار بطرس له وخيانة يهوذا وتعرضه للألم الجسدي. يحكي ألجوت هواجسه لتوماس بينما يتعرق توماس ويزيد توتره شيئًا فشيئًا حتى يصل ألجوت إلى نتيجة أخيرة، وهي أن ألم المسيح لم يكن خارجيًا متجسدًا في تعذيبه، وإنما تمثّل في جملة أخيرة نطقها استنجادًا بالرب لم يجد لها ردًا:

“إلهي إلهي، لماذا تركتني!”

وبينما يصل ألجوت إلى نتيجة مفادها أن ذروة ألم المسيح تجلّت في صمت الإله، نرى توماس في لحظة لا يُحسد عليها، حيث لا يستطيع الإجابة عن تساؤل ألجوت فيما يتعرق جسده بالكامل.

يلوذ توماس بالصمت لأنه يتماهى كليًا مع جرحه، وهو ما ينكشف له بصورة أخيرة في القصة التي يحكيها ألجوت، ليدرك توماس أخيرًا أن جرحه الداخلي نبع من عدم قدرته على الحب الإنساني، وهذا ما أوداه إلى الشك الوجودي، ليتبيّن أن تلك القسوة الظاهرة تواري خلفها جرحًا عميقًا نابعًا من افتقاد توماس للحب الإنساني الأصيل. هنا لا تسعف توماسَ الكلماتُ، ويتضح أن صمته السابق وعجزه عن الإتيان بحلول عاطفية واجتماعية كانا بمثابة رد فعل نابع من سخط كبير موجَّه لإله لا يجيبه، فيما يحتاج هو إلى البوح. ليتجلى صمت توماس إعلانًا عن استسلام أخير حيث لا خيار آخر يتبدى بعد فشل ذريع في الإتيان بإجابة يرجوها.

ليل أنطونيوني: جنس مُفرَّغ من العاطفة ولغة أثبتت قصورها

في فيلمه “الليل – La Notte” الصادر عام 1961، ضمن ثلاثية عُرفت بثلاثية الحداثة، قدّم أنطونيوني نهايةً مشهديةً صادمة. وربما لم تختلف كثيرًا النهاية التي اختارها أنطونيوني هنا عن نهايات أفلامه الأخرى ضمن تلك الثلاثية، أو أفلام أخرى كثيرة له، كنهاية فيلم “انفجار – Blow-Up” مثلًا.

يبدو الصمت عند أنطونيوني موقفًا جماليًا، مسافةً يتخذها الإنسان بينه وبين الأشياء حين يعجز عن الإجابة أو الإتيان بحل. إن ما يجعل نهاية “الليل” أكثر صدامًا ليس الصمت تحديدًا، وهو ما يختاره أنطونيوني في فيلميه الآخرين ضمن الثلاثية: “المغامرة” و”الخسوف”، وإنما “كيفيته”.

لأن الكيفية التي يختار أنطونيوني من خلالها التعبير عن الفراغ النفسي والعاطفي والوجودي في ظل عصر حداثي يُشيّئ الإنسانَ تتجلى بقسوة في الطريقة التي يمارس بها جيوفاني وليديا الجنس في الأخير.

يبدأ المشهد الأخير عند الشروق حيث يمشي جيوفاني وليديا في حديقة شبه فارغة كانعكاس أولي لحالتهما الداخلية، وحين يجلسان ويتبادلان الاعترافات تنتهي تلك الاعترافات بالصمت. ليبدو صمت جيوفاني وليديا بمثابة إقرار بالحالة المزرية التي وصلت إليها علاقتهما، فيبدوان كاثنين آخرين غير اللذين يتحدثان عنهما في حوارهما حين كان الحب في أوجه.

هنا يتبدى الصمت لا معبّرًا عن فراغ علاقة جيوفاني وليديا فحسب، بل معبّرًا عن حالة فراغ وجودي عامة تعبّر عن عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث افتقد الإنسان إلى المعنى ومال كل شيء إلى أن يكون آليًا. بالتالي تُثبت اللغة قصورها، إذ يعجز جيوفاني وليديا عن التواصل، ويُفضي ذلك العجز اللغوي إلى انقطاع الصلة بـ”العاطفي” الإنساني الطبيعي والعفوي، لذا يتماهى جيوفاني وليديا مع ما هو آلي، وما هو آلي هنا يعادله الصمت. عقب ذلك الصمت يبدآن بممارسة الجنس بطريقة شبه آلية تخلو من أي عاطفة، في تعبير عن انحطاط إنساني أخير حيث تعجز اللغة عن الإتيان بحلول.

شانتال أكرمان وصمت ما قبل العاصفة

مالت شخصيات المخرجة البلجيكية شانتال أكرمان إلى الصمت دومًا كملاذ آمن تتخذه شخوصها النسائية حين تعجز عن التواصل مع المجتمع والآخر، عزلةٌ من نوع خاص واغترابٌ أصيل يبدوان المكوّنَ الرئيسي لشخوصها. وفي فيلمها “جين ديلمان – Jeanne Dielman” الصادر عام 1975، يتضح أن صمت شخوص أكرمان ليس ضعفًا ولا انهزامًا، إنما هو صمت يواري خلفه عنفًا داخليًا كبيرًا، حين انفجاره يستحيل أن تُؤمَن عواقبه.

ترصد شانتال في فيلمها حياةً روتينيةً شديدة الملل لربة منزل هي جين، التي تعتني بابنها في غياب كامل للأب. نرى حياة جين التي تبدو كترس في آلة، منزوعةَ العواطف، ولا تتبدى من جين أية عاطفة ولا كلمات إلا القليل منها في حضور ابنها الذي ترعاه وتهتم بأموره، وهنا يتضح أن إنسانية جين لم تظهر إلا في حدود ما هو إنساني، ما هو منها وينتمي إليها. عكس ذلك تبدو جين في سلوكها وإيقاع حياتها أقرب إلى روبوت معدّ مسبقًا ومبرمج للقيام بأمور محددة لا يحيد عنها، وذلك ما يفسّر الروتين الدائري المُهلِك المتكرر الذي نراه يُعاد على مدار الفيلم أكثر من مرة.

في الفيلم تكتسب جين المال من عملها بالجنس، حيث نراها تستضيف الرجال في بيتها وتمارس معهم الجنس بآلية تامة منزوعة العواطف كما تقوم بكل الأمور الأخرى في حياتها. لا نلحظ تغيرًا على جين على مدار الفيلم إلا قليلًا جدًا، متمثلًا في ردود فعل بسيطة ودقيقة لا تكاد تُحَسّ، وربما يرجع ذلك إلى نهج أكرمان نفسها، فهي تنتمي إلى سينما الحداثة وسينما المؤلف التي لا تشترط تطور البطل والحبكة والتغير الظاهري الكبير وما إلى ذلك.

يفسّر ذلك رد الفعل المفاجئ والأخير في الفيلم، وهو إقدام جين على قتل أحد زبائنها أثناء ممارستهما الجنس. للوهلة الأولى قد لا يظهر سبب مباشر لإقدام جين على ذلك، ومع التفكير في الأمر يتضح أن ذلك هو ما تريده شانتال بالضبط، فأولًا هي لا تنتمي إلى سينما السبب، أي السينما التقليدية ذات الفصول الثلاثة، وثانيًا فإن ذلك لا يعبّر إلا عن تراكم داخلي مستمر، عنف قد لا ينعكس بشكل ملموس متمثلًا في ردة فعل، ولكن عدم ظهوره لا يلغي بالضرورة وجوده. بالتالي فإن الانفجار الأخير لجين يبدو مفهومًا باعتباره عنفًا داخليًا مكبوتًا مستمرًا في تصاعد حتى وصل إلى درجة لم يعد بالإمكان مداراته فيها.

إن صمت جين طوال الفيلم لم يكن عجزًا بقدر ما يعكس وعيًا كبيرًا من جين بعجز اللغة عن الإتيان بحل، وهنا نجد أنه حتى بعد قتل جين للزبون لم يكن منها إلا الصمت من جديد، ولكن تلك المرة لم يتبدَّ الصمت بصفته وعيًا، بل حالةً قصوى من التمرد لا تُثبت بدورها إلا عجزًا جديدًا للغة عن التعبير عن أي شيء.


حسن سلامة
ناقد ومبرمج سينمائي وكاتب سيناريو مصري

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى