The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

مُزنة

73

حجم الخط
  • فهد سعد
    كتابة

    فهد سعد

    قاص وروائي ومعد ومقدم بودكاست " ونس"
  • بهاء إيعالي
    تحرير ومراجعة

    بهاء إيعالي

    كاتب ومترجم من لبنان
  • آلاء حسانين
    إخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

أَلصق أُذنه بباب بيتهم علَّه يسمع صوت أمّه فيناديها. لم يحِن وقتُ جلوسها تحت الشجرة العتيقة التي قسمت ظلَّها بين البيت والشارع. وقف تحت الشجرة منتظرًا، يرقب المارّة. خرجت فتاةٌ من البيت المقابل لمحراب المسجد، ومشت بضع خطوات لتركب مع أخيها. تبعها بعينيه حتى اختفت السيارة، فتمتم:

  • إن نأى المُزنُ فسُحقًا!

كانت «مِزنة» ابنة جيرانهم ورفيقة أخته الصغرى. اعتاد، قبل تحجّبها في المرحلة المتوسطة، المرور على بيتها لترافق أخته في ذهابها إلى المدرسة وإيابها. كان ضحكها وحياؤها العبثي وحاجبها الدقيق الذي يرتفع كلما تبسّمت، زادًا لسروره لا ينضب. ثم غابت عن عينيه بعد تحجّبها، وبقيت ذكرى تلك الرحلات نبعًا خفيًا يزوره كلما جنّ عليه الحزن.

بعد سنوات، لاحظ اختفاء بعض كتبه المتكوّمة تحت سريره، فرابه الأمر. لم يكن في بيتهم قارئٌ فيُتَّهم، ولا عارفٌ يُنكر فيُسأل. فالكتب في غرفته على ضربين: المقروء تحت السرير، والجديد فوقه، ولا أحد يعرف هذه الطريقة سوى أخته، وهي تُصرّح بكراهية القراءة. كاد اليأس يثبطه، لكنه عزم على مراقبتها قبل أن يسألها.

وفي صباحٍ خرجت قبله مسرعة، تريد إدراك حافلة الجامعة، فتعثرت في فنائهم وتبعثر ما في حقيبتها. أسرع إليها وأسندها مطمئنًا، ثم خرج وسأل السائق الانتظار. عاد يلمّ أشياءها، فوقعت عينه على كتابه «طوق الحمامة». تغافل، ولم تفطن هي إلى أنه رآه، ثم أمسك يدها حتى ركبت الحافلة.

ذهب إلى الجامعة وقد استبدّت بعقله فكرة واحدة، لا يريد أن يصدّق غيرها:

«الكتب لمِزنة! والله لن أسأل أختي، ولن أبحث عن كتبي».

غرق في أحلامه وغمرته أوهامه، وبقي جسده وحده يطفو في زمانه. شُغل بحصر كتبه المفقودة، فتذكّر بعضها ونسي الآخر. ثم تراءى له تقلّب صفحاتها بين أصابع مِزنة النحيلة، ومرور عينيها الواسعتين بحاجبيها الدقيقين، فحسد كتبه. أمضى صباحه كله مبتسمًا، كأن البشائر تترادف عليه، تفوق كل لاحقة سابقتها.

عاد بعد الظهر إلى البيت مستبشرًا، متهيئًا لأمور واجبة الفعل. بدأ فجرد الكتب، وتوثّق من عددها، فتبيّن أن المفقود ثلاثة منها. أعاد كل شيء إلى حاله دفعًا لشك أخته، ولزم الانتظار.

وفي تلك الليلة فتّش كتبه، فوجد رواية «ماجدولين» مُعادة. تصفّحها مسرعًا، كمحروم ينبش أرضًا آملًا في كنز. لم يجد شيئًا، فلام نفسه وأعاد الكرّة متروّيًا.

كان من عاداته الخفية تصحيف اسم «مِزنة» إلى «مُزنة»، وكتابته بتصحيفه فوق اسم كل محبوبة تعجبه. قرأ مرةً أسماء السحاب في كتب اللغة، فراقه معنى المُزن ومفرده مُزنة، فأقرّه. أحب الاسم وصدّق معناه؛ فهي السحابة البيضاء المظلّة على يباس حيّه.

وفي مطالعته المتروّية الثانية لرواية «ماجدولين»، وقع قلبه قبل عينيه على علامة. كان قد كتب قديمًا، اتباعًا لعادته الخفية، «مُزنة» فوق اسم «ماجدولين». أتت العلامة على هيئة خطين ثُنِيا إلى أعلى، فوق اسم «مُزنة»، فبدت كأنها بسمة أضحكت قلبه. صرخ قائلًا:

  • يا بعد قلبي يا مُزنة!

ثلاث سنوات رُحّلت كتبه وأُعيدت، والرسول اسم «مُزنة»، يُحمل على خطٍّ ويعود متوّجًا ببسمة. رضيا بالرسول والرسالة، وكرها الزيادة عليها.

واليوم، يرى مُزنة خارجة مع أخيها أمامه، فيتمنى لو علم وقت إيابها. ثارت العصافير طائرة من الشجرة الكبيرة، فأيقن بقدوم أمّه. كانت تجلس قبيل كل مغرب تحت أغصانها في الفناء، وقبل أن تفعل تضرب الجذع بعصاها لتبعد الطيور عن قهوتها والتمر. نادى قائلًا:

  • يمّه، افتحي الباب.

اتكأ بظهره على الباب، وعيناه على بيت مُزنة، فترنّم قائلًا:

يَلُومُونَنِي في «الحب» و«الحب» مُزْنَةٌ
إِذَا هَمَلَتْ فِي مَوْضِعٍ نَبَتَ «الزهرُ»

مدّ فنجان القهوة إلى أمّه، فأمسكته وهي تتحدث بلا انقطاع عن أخواتها وأبنائهن. ثم أخبرته مفتخرة بما قالته لأختها عن قرب تخرّجه. نظرت إليه بعينين تتأرجحان بين فخر وحب، وقالت:

  • إذا توظفت، أخطب لك مباشرة إن شاء الله.

تبسّم قائلًا:

  • اخطبي لي مُزنة.

ضحكت أمّه بشدة حتى بان موضع سنّها اليمنى المخلوعة، وقالت:

  • تحب المزح! وش جاب لجاب؟ حنّا 320 وهم 420.

قال، وقد اختفت البسمة عن وجهه:

  • أنا ما أمزح. ولم أفهم كلامك.
  • ما تعرف إننا 320 وهم 420؟ بتتخرج بعد شهر ولا تعرف وش أصلك؟

بُهت ووَجَم، ثمَّ قام فعاد وجلس. “كيف 320 و420؟ ما هذه الأرقام!” نهض مرةً أُخرى وخرج إلى الشارع هائمًا حائرًا. سار بلا وجهة حتى أبصر إمام الجامع، عم مزنة، يدلف المسجد. كان عمُّها شابًّا صالحًا جاوز الثلاثين قليلًا. تجالسا كثيرًا في المسجد ولقيَ من صُحبته أُنسًا وعقلًا راجحًا وحديثًا شجيًّا عن الكتب والكُتَّاب. تبِعه مسرعًا عازمًا مكاشفته بما جرَى.

انتظره حتى أتمّ صلاة تحية المسجد، ثم أقبل عليه. تلقاه الإمام وفطن لتغيّر حاله، فأجلسه مترفّقًا به. اندفع يتحدث عن قصته مع أمّه، ثم ضحك ضحكة غريبة، متعجبًا من كلامها، ومنتظرًا إنكار الإمام لقولها.

عدّل الإمام جلسته، وابتعد قليلًا، ثم قال:

  • كلام أمك صائب. لكن الأعجب كيف لشاب يبلغ الثانية والعشرين من عمره لا يعرف هذا!
  • أعرف ماذا؟ أننا 320؟ أو 420؟! أهذا أمر ديني أم سياسي أم اجتماعي أم ماذا؟ أنا تائه وجاهل. ظننت أن العنصرية انتهت! أنا رجل سعودي مواطن لدي بطاقة مثلك، ومسلم بعد يا شيخ! يرضِي مَن هذا التصنيف؟
  • الله سبحانه جعلنا شعوبًا وقبائل، وفضَّل بعضنا على بعض و..
  • بالله عليك، طلّع الله من الموضوع! شعوبًا وقبائل للتعارف، والمفاضلة أتت في الرزق. إن كنتَ تؤمن أننا خُلقنا من آدم وحواء، فهذا يعني أننا سواء!
  • تحدث بأدب عن الله سبحانه، فأنت في بيته!
  • أنا لم أَكفر! قُل ما تشاء، وإياك تشريع الأمر وكأن قولك قرآن منزَّل!

قام الإمام، وقد كسا الازدراء وجهه، واتجه إلى المحراب، ثم قال بصوت ظنّه خفيًا:

  • حتى الـ320 نست نفسها! يبي يناسبنا!

كان الصوت جهورًا فانطلق إثره الشابُّ مُنقضًّا عليه، دفعه فأسقطه ثم ربضَ فوقه يَضربه ويشتمه. أَسرع مَن بالمسجد ما بين مُنجِدٍ وطالبٍ الشُّرطة. اُقتيد بَعدها والأصفادُ بيديه إلى سيارة الشرطة!

آخر ما سمعه قبيل خروجه من المسجد لُجّة أصوات الجماعة حول الإمام، وقول بعضهم:

  • 320 أصحاب مشاكل!

رفع رأسه وهو جالس في سيارة الشرطة، ينظر إلى بيت مُزنة. أيقن أن مُزنة رحلت عن سمائه بعد أن عادت مِزنة.

الكتاب المفقود الأخير كان رواية «الحمام لا يطير في بريدة». كان قد قرأه، فلم يجد في نساء الرواية من توازي مُزنة، فتركه خاليًا بلا رسول. حسب أنها تقرؤه باحثة عن اسمها فوق بطلات الرواية، فتستاء لخلوّه.

آساه حزنها المتخيّل. أنزل رأسه، ودموعه تتساقط على ثوبه الممزّق، ثم انتحب هامسًا:

  • «لا شيء يطير في حيّنا!».