The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

لغتي العربية بين جون ومايكل وعبد الباسط حمودة

978

حجم الخط
  • جنى الحسن
    كتابة

    جنى الحسن

    روائية ومترجمة لبنانية – أمريكية
  • آلاء حسانين
    مراجعة وإخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

في ربيع عام 2015، حين كنت أستعد للهجرة من لبنان إلى الولايات المتحدة الأميركية، أذكر أن إحدى صديقاتي المقرّبات حذّرتني ألّا أقع في غرام رجل عربي في المهجر. عزت ذلك إلى خيباتها الكثيرة في الرجال الشرقيين. قالت لي: “لا تذهبي إلى أميركا لتحبي عربيًا. أحبيه جونًا أو مايكلًا أو ما إلى ذلك”، ثمّ راحت تعدّد سلسلة من أسماء الرجال الأجنبية. بدأنا ننسج الحكايات بأنني، تمامًا كما في الأفلام الأجنبية، سأتعرّف إلى جون هذا أو مايكل في غرفة الغسيل المشتركة للمبنى الذي سأسكنه، وسوف نتبادل أطراف الحديث، وستبدأ بيننا قصّة حبّ عاصفة. أخبرتني آنذاك حكاية إحدى صديقاتها في كندا التي تزوّجت أجنبيًا ثمّ طلبت الطلاق منه بعد سنوات لاحقة لتتزوّج عربيًا بسبب حاجز اللغة. ثمّ راحت تشتم اللغة، وغرقت أنا في نوبة ضحك بسبب غرابة الموضوع الذي آثرت أن تشدّد عليه قبل سفري. لم أعر الأمر أهمية، وفكّرت أنني لن أواجه حاجز اللغة الإنجليزية التي أتقنها خاصةً وأنني كنت في ذلك الوقت أعمل في صحيفة أجنبية في لبنان.

مرّت أكثر من 10 أعوام على هجرتي، أو ربما أدعوها اغترابي، اختبرت خلالها علاقتي مع اللغة في مواقف كثيرة لن يسعني أن أعددها كلها في هذا المقال. ما حدث في جميع الأحوال بعد هجرتي هو أنني انقلبت رأسًا على عقب من ناحية الموسيقى التي أستمع إليها. صرت أبحث عن أغانٍ عربية مختلفة، من ضمنها ما يقال عنها أغاني المهرجانات المصرية، وصرت حين أشتاق لأن أشعر بالألفة، أبحث عن أغاني عبد الباسط حمودة وأحمد عدوية وغيرهما من الفنانين. وكلما جلست مع جون أو مايكل، ذهب دماغي إلى العربية، كأنه يبحث عن شيء يعرفه. وبدأت أدرك أن اللغة هي جزء من ترسبات تكويننا. هي أشبه بجذور نعرفها وتعرفنا، فلا نشعر بالضياع حين نتكئ عليها.

لغة الأحلام

قالت لي زوجة خالي المقيمة في أميركا منذ سنوات طويلة إنّها حين تغضب، تشتم دائمًا بالعربية، لأنّ وقع الشتيمة بالنسبة إليها أشدّ، وأنّها هكذا تشعر أنّها عبّرت عن نفسها بشكل كامل. ابنتي التي تتحدث الإنجليزية بلكنة أميركية تقول لي إنّ صديقاتها أخبرنها أنّها حين تحدّثني أنا، تتكلم الإنجليزية بلكنة لبنانية. راقبت نفسي لفترة، وشعرت أنّني مثلًا حين أتحدث مع أهلي في شمال لبنان، تتغير لكنتي عن حينما أتحدث مع صديقاتي في بيروت.

صديق أميركي سألني منذ فترة: بأيّة لغة تحلمين؟ قلت له إنّني نادرًا ما أتذكر أحلامي، ولكني غالبًا ما أحلم بالعربية. بدأت أبحث في ذاكرتي عن حلم تحدثت فيه بالإنجليزية، وحقيقةً لا أذكر. سألني أيضًا بأيّة لغةٍ أفكّر، ولم أجد إجابة أيضًا. ربما منذ سنوات كثيرة، كانت إجاباتي بسيطة: العربية. ولكن الآن أشعر في أغلب الأحيان أنّني وعاء يختلط فيه “الحابل والنابل”. ملاحظاتي الشخصية إن اعتبرت نفسي فأرة تجارب في حقل اللغة هذا هي أنني أبحث عن اللغة العربية بعد يوم طويل من الاحتكاك بالإنجليزية. أبحث عن برامج تلفزيونية بلغتي الأم. فكما يقول لي صديقي العربي المهاجر: “أريد في نهاية اليوم أن أتكلم مع أحدهم بالعربية. أتعب من الإنجليزية”.

تظهر لي اللغة في هذا الإطار على شكل هوية، كأنّها مارد طويل يقف قبالة مارد آخر، أنا قبالة أنا أخرى، الأولى هي اللغة التي ترعرعنا بها، لغة الطفولة والكلمات الأولى واللعب والحب الأول والمدرسة وما إلى ذلك، والأنا الأخرى هي اللغة التي اكتسبناها وأعدنا اختراع نفسنا بها في هذا العالم.

اللغة والسلطة

أفكر بالأشخاص الذين يغيرون أسماءهم حين يحصلون على الجنسية الأميركية، يتحولون بين ليلة وضحاها من محمد إلى ماثيو، ومن حسن إلى دان، ومن أحمد إلى ألكس. أذكر أنني تفاجأت مرة بتحول سيدة أعرفها من زينة إلى سكارلت فور حصولها على الجنسية. فهل هذه الأسماء هي التي تثقلهم أم الهوية التي تأتي معها؟ لا أعرف ماذا عانوا بسبب أسمائهم في عالم يبدو فيه المواطن العربي من الدرجة الثانية أو ربما هو أيضًا يتماهى مع هذا الشعور بالدونية، فيتمنى أن يتحول مع اسمه. لا أدري.

اللغة أيضًا مساحة للذات وأداة للسلطة بشكل أو بآخر. الكثير من الشعوب مثلًا المهددة بالاندثار تجد لغتها مهددة معها. وبالتالي لا تعود اللغة مجرد حروف منطوقة، بل سلسلة من نسيج ثقافي ومعرفي وطقوس وعادات وتقاليد ورموز خاصة بمجموعة ما. وكما يريد الكثيرون التمسك بهذه الهوية الأصلية، يشعر الكثيرون أحيانًا بالرغبة بالتخلص منها، أحيانًا فقط لأنهم متعبون.

سردية العالم

أذكر هذه القصص الكثيرة بسبب رغبة أفكر بها كثيرًا في الآونة الأخيرة، بأن أحاول أن أكتب رواية باللغة الإنجليزية. أنا أعرف أنني أتنقل بين لغتين، في القراءة والكتابة والمعيشة اليومية، بين الأشخاص المحيطين بي وفي عملي. أحيانًا أخلط الجمل بين الإنجليزية والعربية، وأجد نفسي في هذا الهجين.

ولكن أسأل نفسي من أين تنبع رغبتي بأن أكتب بالإنجليزية؟ وإن أردت أن أكون حقيقية وصادقة، فهي لشعوري بأنني أريد أن أتوسع خارج نطاق جغرافيا محدودة، وهذا لا تؤمّنه الترجمات الإنجليزية لكتبي المؤلفة باللغة العربية. أريد أن أشعر أنني أكبر من بقعة أرض صغيرة، لأني أؤمن أن كل القصص الإنسانية متشابهة. تختلف الظروف والحكايات، ولكن المشترك كبير. وربما إن كتبت بتلك اللغة، سيشعر الآخر بكم نحن نشبه بعضنا البعض. هل أنا أيضًا لدي عقد نقص وشعور بالدونية وأريد أن أكتب بالإنجليزية هربًا من ذاتي العربية؟ أسأل نفسي وأقول لا لأني أزعم أني أعرفها جيدًا. ربما فعليًا هذه الرغبة تأتي من إرادة باستعادة صوت مسلوب. ما اكتشفته بعد رحيلي عن بلدي الأم، أنّنا لا ننطق باللغة فقط، بل نعيشها، وأنّ اللغة ليست فقط حديث القوم، بل صوتهم. فهل عليّ فعلًا، لأخبر قصتي، أن أستعير لغة أخرى؟

أشعر أيضًا أن من لديه أوسع لغة في العالم هو أيضًا من يملك السردية الأوسع. تبقى كتبنا العربية أحيانًا على الهامش، لا تصل إلى كافة بقاع العالم، كما الكتب الأخرى مثلًا المترجمة من الإنجليزية. وأنا أريد أن يكون لي صوت، وبالتالي تأثير، وأريده تأثيرًا كبيرًا. وربما لذلك، تأتيني هذه الرغبة. ومن جهة أخرى، أسأل نفسي هل أنا أكثر تحررًا حين أكتب بالإنجليزية، أكثر قدرة على التعبير من دون رقيب ذاتي ومن دون خوف. لا أعرف. أعرف أنني حين أتحدث بالعربية، أشعر أنني قريبة من ذاتي. ولكن حين أعود إلى اللغة الأخرى التي لا تعرفني كلغتي الأم، أشعر أنني ربما قادرة على البوح والانفصال عن الأنا الأصلية. وأشعر أيضًا أنني لا أعرف من تريحني أكثر: الأنا التي ولدت بها أم الأنا التي صنعتها؟ من الأقرب إلى قلبي: جون ومايكل أم حسن شاكوش؟