The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

على شفا الحياة لإنغمار بيرغمان: حين تصبح الولادة سؤالًا عن الوجود

59

حجم الخط
  • ضوميط الدويهي
    كتابة

    ضوميط الدويهي

    مصور ومخرج سينمائي وأستاذ جامعي من لبنان
  • بهاء إيعالي
    تحرير ومراجعة

    بهاء إيعالي

    كاتب ومترجم من لبنان
  • آلاء حسانين
    إخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

ثمة أفلام لإنغمار بيرغمان تجاوزت حدودها لتصبح صورًا راسخة في ذاكرة السينما: فارس يجلس قبالة الموت ويلعب معه الشطرنج في «الختم السابع»، أستاذ عجوز يعبر ماضيه وذكرياته في «الفراولة البرية»، ووجهان يقتربان في «بيرسونا» حتى تكاد الحدود بينهما تتلاشى. صور كهذه صنعت عالم بيرغمان ورسّخت اسمه بوصفه واحدًا من أكثر السينمائيين انشغالًا بالأسئلة التي تظهر حين تتصدع يقينات الإنسان: معنى الحياة، صمت الله، الخوف من الوحدة، هشاشة الحب ورهبة الموت. لكن بيرغمان اختار عام 1958 أن يقترب من الطرف الآخر للوجود. بدل الموت اقترب من الولادة؛ بدل الإنسان وهو يواجه نهايته وضع أمام الكاميرا نساء يقفن عند بداية حياة جديدة. في «على شفا الحياة» (Nära livet) تبدو البداية فجأة غامضة بقدر النهاية، وتصبح الولادة طريقًا آخر إلى الأسئلة نفسها التي طاردت المخرج طويلًا.

كتبت أولا إيساكسون السيناريو انطلاقًا من قصتين لها، وهذه أكثر من معلومة عابرة في تاريخ الفيلم، فالتجربة النسائية لا تدخل هنا بوصفها موضوعًا اختاره بيرغمان ونظر إليه من الخارج، إنما تنبع أولًا من كتابة امرأة منحت شخصياتها أصواتًا وتجارب متباينة. ثم جاء بيرغمان ليمنح هذه الكتابة جسدها السينمائي.

الحكاية شديدة البساطة في ظاهرها، دراما حجرة تجري معظم أحداثها داخل جناح للولادة حيث تلتقي ثلاث نساء: سيسيليا التي تفقد حملًا أرادته، وستينا التي تنتظر طفلها بفرح، وهيورديس التي تحمل جنينًا لا تريد استمراره. لكن من هذه الحالات الثلاث تنشأ مفارقة الفيلم الأكثر قسوة: حياة مرغوب فيها تضيع، وحياة انتُظرت بالحب تنطفئ قبل أن تبدأ، بينما تستمر حياة أحاط بها الخوف والرفض.

يتجاوز بيرغمان محاولة إصلاح هذه المفارقة أو إخضاعها لعدالة درامية تمنح كل شخصية ما تستحقه ويتركها معلقة، عصية على الفهم، كما لو أن الحياة نفسها ترفض أن تقدم تفسيرًا. من هنا ينبثق سؤال الفيلم الأعمق: ماذا يبقى للإنسان حين يقع ما لا يستطيع منعه ثم يعجز عن فهمه؟

المستشفى: عتبة بين الحياة والموت

شيئًا فشيئًا يفقد المستشفى حياده كمكان طبي. الجناح الذي أُعدّ لاستقبال الحياة يتحول إلى عتبة غامضة بين مجيئها وانطفائها، فضاء لا يعود فيه السرير مجرد سرير، ولا الصرخة مجرد علامة على الولادة. بين سرير وآخر، وبين صرخة وصمت، تتجاور البداية والنهاية، والمعرفة والعجز والرغبة والمصادفة، كأن النساء لا يدخلن جناحًا للولادة بقدر ما يدخلن منطقة معلقة بين احتمالين: أن تأتي حياة إلى العالم أو أن تختفي قبل أن تبدأ. هكذا يتحول المستشفى إلى مكان ميتافيزيقي بقدر ما هو مكان طبي، فالطب حاضر بقوة، لكنه حاضر أيضًا بحدوده. يستطيع الطبيب أن يشرح لسيسيليا السبب الجسدي لفقد حملها، لكن معرفته لا تستطيع أن تنتزع منها شعورها بالذنب. وحين يموت طفل ستينا أثناء المخاض، بعدما بدت المؤشرات مطمئنة، يقف التفسير الطبي نفسه عاجزًا أمام ما حدث. هناك لحظة لا تعود فيها المعرفة كافية. عندها تتوقف لغة التشخيص ويبدأ السؤال الفلسفي: لماذا تستمر حياة وتتوقف أخرى؟ 

لا يجيب الفيلم، وربما لا يريد أن يجيب، لأن العجز عن الإجابة هو جزء من التجربة نفسها. بهذا المعنى تبدو غرفة الولادة قريبة على نحو غير متوقع من رقعة الشطرنج في «الختم السابع». هناك وقف الإنسان أمام الموت محاولًا فهمه وتأجيله، وهنا تقف النساء أمام سر الحياة ليكتشفن أن مجيئها لا يقل غموضًا عن رحيلها.

الوجه حين يعجز عن الكلام

هذا الانغلاق الوجودي يجد شكله في لغة الفيلم البصرية. يحاصر الإطار شبه المربع (1.37:1) الشخصيات داخل الجناح؛ الأسرة والستائر والجدران تضيق حولهن، لكن المفارقة أن ضيق المكان يفتح أمام بيرغمان فضاءً آخر أكثر اتساعًا: الوجه الإنساني.

بالتعاون مع مدير التصوير ماكس فيلين، لا يبحث بيرغمان عن الصورة الاستعراضية. الكاميرا تقترب ثم تنتظر. تراقب ارتجاف الشفتين، وحركة العينين والنظرة التي تنسحب فجأة من الآخر، وتلك اللحظة القصيرة التي يتردد فيها الإنسان بين أن يتكلم وأن يصمت. بهذا المعنى تصبح اللقطة القريبة شكلًا من أشكال الاعتراف، فالوجه عند بيرغمان لا يكرر ما تقوله الشخصية؛ كثيرًا ما يقول ما تحاول الكلمات إخفاءه.

يزيد الأبيض والأسود هذا العالم تقشفًا. تتراجع تفاصيل المكان أمام شحوب الوجوه والتعب وآثار الألم، كما تتراجع الموسيقى لتفسح المجال أمام أصوات أكثر بدائية وحميمية: الأنفاس، الصرخات، الكلمات المتقطعة، وأصوات الجناح التي تتسرب من خارج الإطار. ثم يأتي الصمت. والصمت عند بيرغمان لا يعني أن شيئًا لم يعد يُقال، بل أن ما حدث أصبح أكبر من أن يُقال.

«على شفا الحياة»: ثلاث نساء عند عتبة الأمومة

سيسيليا: حين يكشفُ الفقد ما أخفاه الزواج

تدخل سيسيليا (والتي تؤدي دورها إنغريد ثولين) المستشفى بعد أن فقدت جنينها وهو في شهره الثالث. يمنحها الطبيب تفسيرًا واضحًا: خلل رافق الحمل منذ البداية جعل النتيجة حتمية. لكن المعرفة العلمية لا تصل إلى المكان الذي يؤلمها فعلًا مهما كانت دقيقة، فسؤال سيسيليا ليس «ماذا حدث؟» بل «هل كنت مسؤولة بطريقة ما عما حدث؟». من هنا يبدأ الفقد في كشف طبقات أخرى من حياتها. علاقتها بزوجها أندرس فقدت شيئًا من دفئها، ورغبته في الطفل لم تكن مساوية لرغبتها. فجأة يعيد غياب الجنين إلى السطح ما استطاعت الحياة الزوجية أن تؤجله: المسافة بينهما، خوفها من الإخفاق زوجةً وأمًا، وشعورها بأنها كانت وحدها أكثر تعلقًا بالمستقبل الذي يمثله الطفل. حين يأتي أندرس إلى المستشفى، يفترض أن تكون الزيارة لحظة مواساة، لكنها تتحول إلى لحظة انكشاف. تحتاج إليه سيسيليا ثم تغضب منه قبل أن تدفعه بعيدًا. الفقد لم يصنع الأزمة بقدر ما أزال عنها غطاءها. هنا يتحول الألم الجسدي إلى كشف نفسي، فسيسيليا تفقد جنينها، وتفقدُ صورة كانت تحملها عن زواجها وعن نفسها.

ومع ذلك يتجنَّب بيرغمان منح العلاقة نهاية قاطعة بتركه شقًا صغيرًا لاحتمال الحوار، وكأن ما يمكن إنقاذه لا يبدأ بنسيان ما حدث، بل بالقدرة على الكلام عنه.

هيورديس: الحرية وما تحتاجُ إليه كي تصبح ممكنة

مع هيورديس (التي تؤديها بيبي أندرسون) ينتقل الفيلم إلى علاقة مختلفة تمامًا بالحمل. إنها شابة لا تريد الطفل، وقد حاولت بنفسها إنهاء حملها. للوهلة الأولى يمكن أن تبدو قصتها سؤالًا مباشرًا عن حق المرأة في الاختيار. لكن الفيلم يجعل المسألة أكثر تعقيدًا: ماذا يعني الاختيار حين تكون الخيارات نفسها غير متكافئة؟

الأب غائب. المال قليل. الخوف من الفضيحة حاضر. والعودة إلى بيت الأم ليست أمرًا مضمونًا. تعرض عليها المرشدة الاجتماعية مساعدات مالية وسكنًا ورعاية طبية. هنا تظهر المؤسسة بوجهين متداخلين: وجه الرعاية ووجه الوصاية. إنها تمنح هيورديس وسائل حقيقية للحماية، لكنها تحمل أيضًا تصورًا مسبقًا لما ينبغي أن تختاره، وتجعل استمرار الحمل النتيجة الأكثر قبولًا.

لكن قرار هيورديس يتغير داخل المؤسسة وخارجها. التحول يحدث في جوهره بين النساء. تحثها سيسيليا على الاتصال بأمها وتذكرها ستينا بمهارتها في تصفيف الشعر وقدرتها على العمل وإعالة طفلها، فيما تساعدها الممرضة بريتا على الاتصال وتقرضها ثمن تذكرة العودة. ثم يأتي وعد الأم باستقبال ابنتها في المنزل. عندها تختار هيورديس الاحتفاظ بالحمل. ما تغير هو الحمل والعالم المحيط به. هنا يلامس الفيلم فكرة تبدو شديدة المعاصرة: الحرية لا تكتمل بمجرد امتلاك حق الاختيار؛ إنها تحتاج أيضًا إلى شروط تجعل الخيارات قابلة للحياة. من دون مأوى، أو دخل أو سند عائلي، قد يصبح ما نسميه «اختيارًا» مجرد كلمة. لذلك لا يفقد تحول هيورديس التباسه. لقد اختارت، لكن مساحة حريتها اتسعت فقط حين اتسعت مساحة الأمان حولها.

ستينا: موت حياة بدأت قبل الولادة

إذا دخلت سيسيليا المستشفى وهي تحمل الفقد، ودخلت هيورديس وهي تخشى المستقبل، فإن ستينا (التي تؤديها إيفا دالبيك) تدخل وهي ممتلئة به. تنتظر طفلها بشوق وتتحدث مع زوجها هاري عن الأيام المقبلة. التفاصيل المنزلية الصغيرة، ومنها تجهيز حمام الطفل، تبدو عادية، لكنها تحمل معنى أعمق: المولود لم يصل بعد، ومع ذلك أصبح له مكان في العالم. الطفل موجود في لغتهما قبل أن يوجد بينهما. هذا تحديدًا ما يجعل موته قاسيًا إلى هذا الحد. أثناء المخاض تبدأ الكلمات بالتراجع. تحل الأنفاس محلها ثم الصرخات. بعدها يولد الطفل ميتًا. كانت المؤشرات مطمئنة. لم يكن ثمة ما ينبئ بالنهاية. ثم حدث الموت.

فجأة تنتقل ستينا من امرأة تتحدث عن الغد بثقة إلى امرأة لم يعد الغد الذي تخيلته موجودًا. إنها لا تفقد طفلًا فحسب، بل تفقد مستقبلًا كاملًا سبق أن عاشته: الأشياء التي أعدتها، الصور التي تخيلتها، والحياة التي رتبت لها مكانًا في حياتها. تنقل إيفا دالبيك هذا الانهيار من خلال انتقال مذهل من وفرة الكلام إلى السكون. الصمت الذي يلي الولادة يبدو أشد قسوة من صرخات المخاض؛ لأن ألم الجسد يبدأ في الانحسار، بينما يبدأ ألم آخر لا يستطيع الطب قياسه.

هنا تبلغ مفارقة الفيلم أقساها: تعود هيورديس إلى بيت أمها حاملة جنينًا خافت مجيئه، فيما تبقى ستينا أمام غياب الطفل الذي بنت له مكانًا في حياتها.

حين يصبح الجسد فلسفة

ربما هنا تكمن خصوصية «على شفا الحياة» داخل سينما بيرغمان، فالأسئلة الفلسفية التي حملها في أفلام أخرى فارس يواجه الموت أو رجل يبحث عن الله تحملها هنا أجساد النساء. الحمل، النزف، الإجهاض، المخاض والولادة ليست خلفية طبية للأحداث لأنَّها الأحداث نفسها، ومنها تنبثق أسئلة الحب والحرية والفقد والمصير. الجسد هنا يفكر بطريقته، ففقد الجنين عند سيسيليا يكشف هشاشة الحب، وحمل هيورديس يفتح سؤال الحرية وشروطها الاجتماعية، وجسد ستينا الذي يستعد لمنح الحياة يصبح المكان الذي يحدث فيه الموت. لا تعود هناك حدود واضحة بين الجسد والنفس.

المرأة في الفيلم تقف خارج الحياة لتفعل ما هو أكثر من تأمل معناها، إذ إن الحياة تحدث داخل جسدها. والموت يمكن أن يحدث داخله أيضًا. لهذا تصبح الولادة في عالم بيرغمان الوجه الآخر للموت: كلاهما يضع الإنسان أمام حد تتراجع عنده قدرته على التحكم ويكشف هشاشة المسافة بين الإرادة والمصير.

السويد في الخمسينيات: الرعاية التي تحمل وصايتها

لا يمكن فصل مأزق هيورديس عن السويد التي أُنتج فيها الفيلم، ففي الخمسينيات كانت دولة الرفاه تتوسع وتمنح النساء إمكانات اجتماعية جديدة، لكن الأمومة بقيت في قلب التصور السائد لدور المرأة. سمح قانون عام 1938 بالإجهاض في حالات محددة، ثم وسّع تعديل عام 1946 بعض أسبابه الاجتماعية والطبية، لكن الوصول إليه ظل خاضعًا لنظام مؤسساتي وطبي. أما الإجهاض بناءً على طلب المرأة فلم يبدأ العمل به إلا عام 1975، أي بعد سبعة عشر عامًا من عرض الفيلم.

هكذا يصبح ما يحدث مع هيورديس صورة عن تناقض أوسع. المؤسسة تحمي لكنها توجه. تمنح المرأة دعمًا ماديًا واجتماعيًا لكنها تحتفظ أيضًا بحق تعريف ما تعتبره الخيار الأفضل لها. لذلك يصعب اختزال «على شفا الحياة» في وصفه بأنه فيلم «نسوي» أو «محافظ». إنه يمنح النساء مساحة غير مألوفة في زمنه للكلام عن الحمل والفقد والرغبة والرفض، لكنه يبقى في الوقت نفسه ابن مجتمع يرى الأمومة نهاية أكثر قبولًا. لعل قيمته تكمن تحديدًا في هذا التوتر لا في تجاوزه.

أولا إيساكسون: الصوت الذي سبق الصورة

أمام اسم بحجم إنغمار بيرغمان، من السهل أن تُنسب قوة الفيلم كلها إلى المخرج. لكن ذلك يظلم أولا إيساكسون صاحبة القصتين وكاتبة السيناريو، فهي التي منحت النساء الثلاث أصواتهن المختلفة. سيسيليا أكثر من مجرد «امرأة فقدت حملها»، وهيورديس ليست «المرأة التي ترفض الأمومة»، وستينا أكبر من صورة «الأم السعيدة». كل واحدة منهن تحمل علاقتها الخاصة بالحب والخوف والجسد والمستقبل. من هذه الكتابة ينطلق بيرغمان. يأخذ الكلمات ويضعها أمام الكاميرا، ثم يسمح للوجه والصمت والمسافة بين الأجساد بأن تقول ما لا يقوله النص مباشرة. هكذا ترتقي قوة الفيلم من كونها ملكًا لصوت واحد لتصبح ثمرة لقاء بين كتابة إيساكسون ورؤية بيرغمان وأداء الممثلات. وقد جاء الاعتراف في مهرجان كان عام 1958 واضحًا: نال بيرغمان جائزة الإخراج، فيما مُنحت الممثلات الأربع جائزة جماعية للأداء النسائي.

فيلم بقي في ظل صاحبه

ليس «على شفا الحياة» جزيرة معزولة داخل مسيرة بيرغمان، ففي «نساء ينتظرن» عام 1952 كان قد جمع نساء يتبادلن الاعترافات عن الحب والزواج. وبعد سنوات ستدفع «بيرسونا» العلاقة بين امرأتين إلى مناطق أكثر التباسًا من الهوية والصمت والسلطة. وفي «صرخات وهمسات» سيعود الجسد الأنثوي المتألم والفضاء المغلق، فيما ستصبح العلاقة الزوجية في «مشاهد من حياة زوجية» مختبرًا طويلًا للحب والحرية والانفصال.

وسط هذه الأعمال يحتفظ «على شفا الحياة» بموقعه الخاص، فالجسد هنا جسد إنجابي تحيط به المؤسسة الطبية والاجتماعية، وتنبثق الأسئلة النفسية والفلسفية مباشرة من الحمل وفقده واستمراره. بهذا المعنى يبدو الفيلم حلقة مبكرة بين أفلام بيرغمان عن الزواج والاعتراف وبين درامات الحجرة النفسية التي ستصبح لاحقًا من أشهر أعماله. ومع ذلك بقي في ظلها، ربما لأن أفلامًا مثل «الختم السابع» و«بيرسونا» منحت تاريخ السينما صورًا أيقونية يسهل اختزالها وحفظها، وربما لأن بيرغمان نفسه قلل لاحقًا من قيمة الفيلم رغم احتفاظه بإعجاب واضح بأداء ممثلاته.

لكن مشاهدة «على شفا الحياة» اليوم تسمح بسؤال آخر: هل ساهمت طبيعة موضوعه نفسها في إبقائه على الهامش؟ إنَّ الحمل والإجهاض والمخاض وفقد الجنين عوملت طويلًا بوصفها «تجارب نسائية»، كأن هذه الصفة تجعلها أقل اتصالًا بالأسئلة الكبرى التي اعتاد النقد أن يصفها بالفلسفية. غير أن الفيلم يكشف العكس، فالولادة ليست أقل وجودية من الموت. وفقد الجنين ليس أقل مواجهة مع المصادفة والمصير. والقرار المتعلق باستمرار الحمل يضع الجسد مباشرة في قلب أسئلة الحرية والسلطة والمسؤولية. من هنا يتغير موقع الفيلم. لا يعود عملًا صغيرًا عن ثلاث نساء في مستشفى، بل طريقة أخرى لطرح السؤال الذي لم يتوقف بيرغمان عن العودة إليه: ماذا يفعل الإنسان حين تصل معرفته إلى حدودها ولا تستطيع إرادته تغيير ما حدث؟

عام 2018 أعادت Criterion الفيلم إلى التداول ضمن مجموعتها الشاملة لأعمال بيرغمان مانحة جمهورًا جديدًا فرصة لاكتشاف هذا الجانب الأقل شهرة من سينماه. لكن استعادة «على شفا الحياة» لا تعني فقط إخراج فيلم من ظل أعمال أكثر شهرة، إنما تعني أيضًا إعادة النظر في ما نعتبره أصلًا سؤالًا سينمائيًا كبيرًا.

في مصائر سيسيليا وهيورديس وستينا تتقاطع الرغبة مع المصادفة، والحب مع الخوف، والحرية مع شروطها، والمعرفة الطبية مع حدودها. وحين اقترب بيرغمان من بداية الحياة، وجد الموت واقفًا بجوارها. وحين اقترب من الجسد وجد أسئلة الروح. ربما لهذا يحمل الفيلم اسمه بدقة شديدة. شخصياته لا تقف داخل الحياة تمامًا ولا خارجها. إنها تقف على شفاها.