The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

أنا حُرّة.. ومع ذلك أموت: مرثية الخصوبة والوجود

1.3K

  • فرح علي
    كتابة

    فرح علي

    باحثة في الفلسفة وعلم النفس
  • آلاء حسانين
    مراجعة وإخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

«وَلَكِنَّهَا مِنْ عَالَمٍ حَيْثُ
أَجْمَلُ الْأَشْيَاءِ لَهَا أَسْوَأُ مَصِيرٍ».

فرانسوا دو ماليرب، «تعزية للسيد دو بيرييه»

أأستميح القارئ عذرًا على ما قد يجده في هذه الصفحات من قتامة مجردة من مخدرات الأمل؟ وما عهدي بالحقائق أنها تستأذن أو تتزين قبل أن تُقال وتُعرض. فالحقائق ليست سراجًا نيّرًا في كل حين، ولا تُبهج النفوس في العادة أو تلاطف الأهواء؛ وإنما واجبها الأول أن تكون حقائق. فإذا بدا هذا المقال قاتمًا، فذلك لأنه ينظر إلى وجهٍ من وجوه الحياة قلّما يُنظر إليه بغير مواربة أو دون إشاحة.

ثمة قسوةٌ خاصة كُتبت على المرأة؛ قسوة لا تنبع من قهر المجتمع وحده، ولا من عمى الطبيعة وحدها، ولكن من تواطؤ الاثنين معًا. فهي تُولد وفي داخلها قدرةٌ على منح الحياة، لكن هذه القدرة نفسها محكومة بساعةٍ خفية لا تكف عن العدّ. وكلما تقدمت في الحياة، أخذ الزمن يهمس لها: أن بعض الأبواب لا توصد لأن الوقت قد حان، لكن لأنها بقيت طويلًا مفتوحة.

والمفارقة أن المجتمع المعاصر، الذي يطالب المرأة بالتروي والانتظار واكتمال الشروط، هو نفسه الذي يدينها حين تكتشف أن الزمن لم يكن ينتظر معها. وهكذا تجد نفسها بين قوتين متخاصمتين تتنازعان جسدها ومصيرها؛ قوةٍ تدفعها إلى التأجيل، وأخرى تجلدُها على التأجيل ذاته. غير أن المأساة الأعمق تكمن في الوعي المفاجئ بأن الحياة ليست مستودعًا لا ينفد من الإمكانات، ولا تكمن فقط في تناقص الخصوبة.

من هنا يتحول السؤال من سؤالٍ بيولوجي إلى سؤالٍ وجودي: كيف يعيش المرء حين يدرك أن العمر ليس نهرًا من الإمكانات المفتوحة، ولكنه طريقٌ تتساقط على جانبيه الاحتمالات واحدًا بعد آخر؟ وكيف تنظر المرأة إلى ذاتها حين تجد أن المجتمع المعاصر يطالبها بأن تكون حرة، بينما تذكّرها الطبيعة في كل يوم بأن الحرية نفسها محدودة حتميًا؟

المرأة والزمن البيولوجي: الوجه المأساوي للحرية الحديثة

«لَا نَكُونُ مُبتَهجين إِلَّا بِقَدْرِ مَا تَمْتَدُّ حَيَاتُنَا فِي دَوَائِرَ دَائِمَةِ الِاتِّسَاعِ مِنَ التَّدَفُّقِ الصَّاعِدِ لِدَوَافِعِنَا الْمُبَكِّرَةِ». -هِرْبِرْت رِيد

المرأة اليوم تعيش الزمن وهو مشحون بخطاباتِ الآخرين: عن الإنجاز، عن الأمومة، عن التأخر، عن الفوات، وعن الاكتمال. وهكذا يتحول الزمن من امتداد طبيعي للحياة إلى خطابٍ داخلي يراقبها من الداخل. بالتالي لا تعيشه بشكل أصيل ومنسجم.

من هذا المنظور، يظهر القلق المرتبط بالخصوبة لا كحقيقة بيولوجية صرفة فقط، لكن يتجلى كتمثّل نفسي مركّب: تتداخل فيه صورة الجسد كما تراها الذات، وصورة الجسد كما يتوقعها المجتمع، وصورة الجسد كما ينعكس في نظرة الآخر. وفي هذا التداخل ينشأ ذلك الإحساس بأن الحرية نفسها محاطة بحدود غير مرئية تشبه نداءً داخليًا متأخرًا لا يتوقف.

ولكن أي معرفة نتبجح بامتلاكها، عملية كانت أم لا، ولا تستطيع أن تصف الإمكانية البديلة.

هل تستحق العناء؟

لذلك إمكانية التعامل النفسي هنا تكون بإعادة تفكيك هذا التداخل: أن تتمكن المرأة من التمييز بين رغبتها الخاصة وبين الرغبات التي استُعيرت لها من الخارج. فجزء كبير من الشقاء المعاصر في هذا السياق ليس في الزمن ذاته، لكنه في اختلاط الأصوات داخله. وعندما تبدأ هذه الأصوات في التمايز، تبهتُ سلطة القلق المطلقة؛ ويغدو ممكنًا للذات أن تعيش زمنها الأصيل بوصفه مجالًا لإعادة تشكيل المعنى: معنى الجسد، معنى الاختيار، ومعنى التأخر ذاته.

الجرح المتخيَّل: في نقد تحويل الجسد إلى مصير

«الْفِكْرَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي تَتَوَافَقُ مَعَ الْحَقِيقَةِ هِيَ تِلْكَ الْفِكْرَةُ الَّتِي لَمْ تَجِدْ قط شَخْصًا لِيَحْتَوِيَهَا». -ويلفريد بيون

يختبرُ الجرح الأنثوي نفسه في مراحل عدة: سيلان الطمث، فض البكارة، الولادة. وأخيرًا، الإياس، خصاء أخير وحاسم، اختفاء الخصوبة وعلاماتها.. انسحاب الأمومة الممكنة، انسداد المغارة الخصيبة، وربما حتى الشك باستمرار مكان الإثارة. أية هوية تبقى للمرأة؟

نعم، إنها مأساة تطورية ووجودية مشروعة، لا ينبغي التخفيف من وقعها بالتفاؤل الرخيص، وهي ليست نتاج بناء ثقافي مجحف، ولكن هذا التصور، رغم قوته المادية، ينطوي على إشكال فلسفي أساسي: تحويل الجسد إلى مصير مغلق، وتحويل التجربة الأنثوية إلى سردية نقص متدرّج! لأن هذا الجرح، ليس في الجسد لوحده فحسب لكنه أيضًا في طريقة تمثّله داخل خطاب اجتماعي/ثقافي يحمّله معنى الفقد والاكتمال الناقص، ويجعل الهوية رهينة زمن جسدي واحد، ويحوّل الحياة إلى عدٍّ تنازلي بدل أن تكون تراكمًا للتجارب والمعاني، حيث إذا تم تعريف المرأة عبر الخصوبة فقط، فحينها يبدو كل تغير جسدي كأنه انهيار وجرح نازف لا تحولات داخل التجربة الأنثوية وتدفق مستمر من الحالات التي تذوب في بعضها.

الزمن كديمومة وكينونة: تقاطع برغسون وهايدغر في فهم التجربة الأنثوية

«وُجودُ الإِنْسَانِ نَسِيجٌ مِنَ الوَاقِعِ وَالإِمْكَانِ، يُحَاكُ عَلَى نَوْلِ الزَّمَانِ.» -مارتن هيدغر

ختامًا، يمكن استحضار مفهوم الزمن عند هنري برغسون وهايدغر بوصفه محاولة لتخفيف قسوة الحقيقة البيولوجية، حيث يُفهم الزمن هنا بوصفه ديمومة داخلية تتشكل فيها الذات من الداخل، ويتداخل الماضي بالحاضر في تيار واحد لا ينفصل، ولا يُختزل في قياس خارجي متتابع، وهذا التصور يزداد عمقًا حين يُقارن بما يطرحه مارتن هايدغر، إذ يتحول الزمن لديه إلى أفق للوجود نفسه وبنية داخلية للكينونة، فالإنسان عند هايدغر يُلقى في عالمه بوصفه كائنًا مُتجهًا نحو نهايته، حيث يصبح الزمن هو معنى الكينونة ذاتها. في هذا الأفق، يمكن قراءة التجربة الأنثوية بوصفها حركة داخل هذا الزمن الأصيل: فهي ليست مجرد امتداد بيولوجي يخضع لمنطق النضج والانحسار لكنها حركة داخلية مفتوحة، حيث الرغبة والوعي يعيدان إنتاج الذات باستمرار، في مقاومة دائمة لفكرة النهاية المكتملة. وهكذا، يصبح الزمن في هذا التقاطع فضاء تتشكل فيه الذات الأنثوية بوصفها مشروعًا يعيش بين تدفق الحياة وانكشاف الوجود على حدوده القصوى.