6:00 صباحًا
صدحت رنّة المنبّه من الهاتف. استيقظت نادية على نحوٍ شبه ميكانيكي، لتقوم بكل خطواتها اليومية المعتادة قبل الخروج إلى العمل. توجّهت إلى الحمّام، غسلت وجهها ثم توضّأت. في الغرفة ارتدت إسدالها لتصلّي ركعتين، ثم بدّلت ملابسها. لم يأخذ منها الأمر كثيرًا من التفكير أمام درج الملابس؛ سروال جينز أزرق، وقميص قصير الكمَّين مخطّط بالأبيض والأسود، كانا كفيلين بالغرض. فاليوم يومٌ عادي آخر تذهب فيه إلى العمل، ولا يستدعي الأمر تأنّقًا. عادةً لا تتناول الفطور إلا حين تصل إلى المكتب، فاكتفت بأخذ خمس تمرات وقارورة ماء، وضعتها في حقيبة يدها وخرجت.
7:00 صباحًا
كانت من المرّات النادرة التي تصل فيها قبل انطلاق القطار. عادةً ما تأتي متأخرة، ويكون عليها أن تجري لتلحق به. كل الواقفين قرب السكة الآن ينتظرون، مثلها، قطار السابعة وخمس عشرة دقيقة. وجوهٌ صارت مألوفة لديها؛ صحيح أنها لا تعرف أسماءهم، لكنها اعتادت رؤيتهم كل يوم في القطار نفسه المتجه إلى محطة الدار البيضاء الميناء. أغلبهم من الشباب العاملين في المدينة الكبيرة التي تبعد عن مدينتها خمسين دقيقة. عليهم جميعًا أن يأخذوا القطار نفسه، فتجدهم كل يوم في التوقيت نفسه والمكان نفسه، وبالملامح نفسها تقريبًا: ملامح الروتين، والتكرار، وتعب الأيام.
7:25 صباحًا
كعادته، تأخر القطار عشر دقائق. وما إن توقّف أخيرًا حتى تزاحم الواقفون أمام أبوابه ليضمنوا مقاعدهم، وتسابقوا نحوها كما تتسابق القطط إلى طعامٍ وُضع لها على الأرض. لم تكلّف نفسها عناء التسابق معهم. ظلّت تتأمل المشهد من وراء موجة المتزاحمين حتى صعد أغلبهم، وحين صعدت أخيرًا بقيت واقفة قرب باب إحدى المقصورات، بعدما مسحت ببصرها المكان ولم ترَ كرسيًا فارغًا.
7:50 صباحًا
توقّف القطار في محطة «مدينة برشيد»، فصعد مزيدٌ من المسافرين. اختلفت أعمارهم وأشكالهم، وجمعتهم وجهة واحدة: المدينة الكبيرة، محرّك رأسمال البلد ومسقط رأس اقتصاده.
ازدحمت الأماكن كلها، ولم يبقَ مكان حتى للوقوف. العربة مكتظّة عن آخرها، والركاب يتأففون من الوضع. ظلّت نادية في مكانها، واقفةً تتكئ بكتفها على باب يفصل بين عربتين. فكّرت أنه لم يتبقَّ سوى عشرين دقيقة وتصل إلى وجهتها؛ لا بأس إذن بقليلٍ من الصبر. رفعت عينيها نحو اللافتات المثبّتة قرب سقف المقصورة، تسلّي نفسها بقراءتها. أضحكتها تلك التي صُوّرت عليها حقيبة سفر وأطفال، وكُتب تحتها: «لا تنسوني عند نزولكم». تساءلت: من الأحمق الذي قد ينسى أطفاله في القطار؟
بجانبها كانت علامة «ممنوع التدخين على متن القطار»، ومع ذلك كان شابان يقفان بالقرب من الباب يدخّنان سجائرهما غير مباليين بالكتابة الحمراء. علامة أخرى لفتت انتباهها قرب مقبض الإنذار، كُتب فيها: «الإنذار بالخطر: لا يُستعمل مقبض الإنذار إلا في حالات الخطر. كل تجاوز يعاقب عليه». ومن جديد خطر لها سؤال: أي نوع من الخطر يستدعي أن نوقف قطارًا يضجّ بالناس لأجله؟
7:55 صباحًا
وبينما كانت تسبح في تأملاتها وتساؤلاتها، وتحاول تمضية الوقت المتبقّي قبل الوصول إلى مقر عملها، شعرت بشيء يلمسها من الخلف. ارتبكت. حاولت تعديل وقفتها، لكنها لم تتمكن بسبب الزحام الشديد. تسللت يد المتحرش إلى جسدها، فوقفت كالصنم لا تدري ماذا تفعل. أدركت مباشرة أن الشخص الملتصق بها هو الذي سمح ليده بأن تتمادى.
هل تستدير لتصفعه؟ هل تصرخ؟ هل تغيّر وقفتها؟
لم تكن المساحة تسمح حتى بمرور نملة، لكنها حاولت أن تتزحزح قليلًا، لعلّه يخجل من نفسه ويسحب يده. غير أنها كلما تحركت مال عليها أكثر. أحسّت بدوار، وبردت أناملها، وفقدت الشعور بركبتيها. صار التنفس صعبًا، وكل ما تستنشقه هواء ثقيل برائحة نتنة. تجمّدت في مكانها، والواقف وراءها لا يزال يغزو بيده جسدها، صاعدًا إلى صدرها. وكما ينتشر المرض الخبيث في الجسد حين يبلغ مراحله الأخيرة، غزت يده جسدها كله، وظلّت هي مستسلمة كما تستسلم الفريسة لآكلها.
تهيّأ لها أن القطار يمتلئ بالناس أكثر فأكثر، رغم أنه لم يتوقف بعد. صارت المساحة أضيق فأضيق، وشعرت كما لو أنها محبوسة في ركن مظلم، ولا أحد حولها سوى يد ضخمة تنتهك حرمة جسدها. اصطكّت أسنانها، وعجز لسانها عن الدفاع عنها، كما لو أنها ابتلعته. لم تتمكن من النطق بأي شيء. كانت صنمًا لا يتكلم ولا يشير. لم يهيّئها أحد في حياتها لموقف كهذا.
8:00 صباحًا
مرّت الدقائق كأنها ساعات. قام أحد المسافرين إلى الحمّام، فحاول الواقفون فسح المجال له كي يمرّ. عندها ابتعد عنها المتحرش قليلًا. رفعت رأسها كي ترى ملامحه، لكنها لم تلتقط شيئًا سوى جسم بدا لها ضخمًا وطويلًا، يرتدي قبعة شمس ويضع على فمه كمامة طبية. «كالكلب المسعور»، فكّرت.
رفعت رأسها أكثر، فلمحت علامة الإنذار بالخطر. خطرت لها فكرة أن تجذب مقبض الإنذار. أليست في خطر الآن؟ من يحميها من هذا التهديد؟ من يمنع عنها يد المتحرش حين خانتها شجاعتها ولم تتمكن هي من إيقافه؟ هل تُخبر أحدًا من المسافرين لعلّه يأتي لها بحقها؟ وماذا لو لم يصدّقها أحد؟
كان سؤال «ماذا لو؟» يتكرر دائمًا في ذهنها. ماذا لو درست تخصصًا غير الذي اختارته؟ كيف كانت ستكون حياتها؟ ماذا لو قررت أن تفتح مشروعها الخاص بدل أن تشتغل لصالح شركة خاصة؟ ماذا لو تأخرت في الاستيقاظ هذا الصباح؟ هل كانت ستكون على متن هذا القطار الآن؟ ماذا لو جذبت مقبض الإنذار؟ هل تكون بذلك خارقة للقانون؟ وأي قانون سيحميها هي التي تُنتهك حرمة جسدها؟ هل تضغط على الجرس وترى ماذا سيحدث؟ ماذا لو قُبض عليها بتهمة إزعاج ركاب القطار وتأخيرهم عن أشغالهم؟ هل توجد تهمة كهذه؟ وماذا لو كانت موجودة؟
هنا سرح بها خيالها، فرأت نفسها في غرفة ذات إنارة خافتة، يتوسطها مكتب يعلوه مصباح يتدلى من السقف. كانت تجلس على كرسي قرب المكتب، وأمامها محقق يدخن بشراهة، وآخر يقف خلفها يسألها أسئلة متتالية، من دون أن ينتظر منها جوابًا:
- لماذا أوقفتِ القطار؟
- خطر؟ أحسستِ بالخطر؟
- ما الذي كان سيحدث لك؟
- كنتِ ستموتين؟
- سكتة قلبية؟ هل حمل عليك أحدهم سلاحًا؟
- هل سرق منك أحدهم شيئًا؟
- هل رأيتِ إرهابيًا؟ جنيًا؟
- هل تعلمين خطورة ما فعلتِ؟
- ألم تفكّري في مصالح الناس؟ المريض منهم والمتأخر عن موعده؟
- أيّ أنانية هذه؟
8:10 صباحًا
مثل أفعى تزحف في رمال الصحراء، دخل القطار محطة «لوازيس». نزل عدد لا بأس به من الركاب، وخفّ الزحام قليلًا. وقبل أن يهبط، التفت المتحرش نحوها، نظر في عينيها نظرات استفزازية، وغمز لها، ثم خرج من المقصورة.
بقيت متسمّرة قرب باب العربة، بعدما بدت لها فكرة جذب مقبض الإنذار غير قادرة على إنقاذ شيء. لم تصدّق خبثه. تجمّع ماءٌ مالح في عينيها، ونزلت دموع الضعف وقلّة الحيلة. غصّة كالحصى وقفت في حلقها، حتى إنها لم تستطع بلع ريقها. غشيها إحساس بالعجز، ولم تدرِ ماذا تفعل.
8:20 صباحًا
بعد محطتين إضافيتين، وصل القطار إلى محطة الدار البيضاء الميناء. بتثاقل جرّت أقدامها، وأطرقت رأسها كالمهزوم بعد مباراة مصارعة حرّة. غير أنها لم تختر الدخول إلى الحلبة، ولم تكن تريد أن تصارع شيئًا أو أحدًا. كل ما أرادته مكانٌ تستطيع الوقوف فيه ريثما تصل إلى محطتها، لتبدأ يومًا آخر من حياتها؛ يومًا كان من المفترض أن يشبه كل الأيام العادية المتكررة الأخرى.
أثناء نزولها، سرقت بصرها إشارةٌ معلّقة في الجهة الأخرى من باب المقصورة. قرأتها، فأجفلت وأحسّت بضيق في صدرها واختناق:
«مقبض الإنذار في هذه العربة غير مشغّل».





