The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

صوتُ الأرضِ: عن الفنِّ حينَ يكونُ انتماءً

74

حجم الخط
  • آلاء رفعت
    كتابة

    آلاء رفعت

    كاتبة ومدققة لغوية
  • آلاء حسانين
    مراجعة وإخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

كانت المصطبة أمام بنايتنا مغرية للجلوس، مصطبة أسمنتية يتوسطها حوض ريحان، يبث عطره الناعم في الجوار، ومع أن أقدامي آلمتني من الوقوف الصباحي في انتظار الباص المدرسي، إلا أني كنت آبى الجلوس على المصطبة، كيلا يتسخ زيي المدرسي، أو يتجعد.

كنت أرى جارتنا أم عبدالله، والدة إمام المسجد، الجدة الجنوبية التي تسكن في البناية المجاورة، تأتي صباحًا وتقطف من الريحان، وكنت أتساءل عن سبب هذا، قبل أن ألاحظ أغصان الريحان خلف أذنها عندما ألتقيها مساء في مسجد الحي الذي كنت ملتحقة بحلقات التحفيظ المسائية فيه.

بعدها لم أعد أتساءل، فقط أتأمل أصابعها المحناة وهي تختار الريحان، تنتبه إلى نظراتي المراقبة فتسلم علي، ثم تقطفه بمهارة عالية دون أن تتلف الشجيرة.

صارت هي من تسألني، بصوت مرتفع: لماذا لا تردين السلام؟، فأرد.

كنت أفكر: السعوديون يخضبون كامل الكف من الداخل، حناؤهم حمراء. والجدات يضعن ريحانًا خلف أذنهن، ولا يحببن الأغاني، لأنها حرام.

تذكرت اليوم السابق، عندما تحدثت أم عبدالله، والسيدات في مسجد الحي، عن وفاة مغنٍ ما على خشبة المسرح. استعذن بالله من سوء ما فعل، ومن تلك الميتة السيئة، وأجهشت إحداهن بالبكاء وهي تدعو الله أن يكتب لها ختامًا حسنًا، غطت أخرى وجهها وهي تنوح، من خشية الله. كنت أحدق في رياحين أم عبدالله وأفكر: كم هو تعيس هذا الرجل. وقررت بعدها ألا أفعل أي أمر أخاف أن أموت أثناء فعله.

ارتجف قلبي وأنا أتذكر الموقف أثناء انتظاري للباص، وشعرت بالخوف والوحدة، كنت وحيدة في الشارع الهادئ، عادت أم عبدالله مع رياحينها إلى بنايتها، ولم يتبق سواي، وتراءت لي محكمة إلهية يعقدها لها سكان حينا تقودهم أم عبدالله في آخر الشارع، يحاكم الله فيها المغني التعيس، ويؤنبه، ويصرخ عليه، لكني توقفت قبل مشهد رميه في النار، لأنني لم أستطع إكمال المشهد، أغمضت عيني، وتذكرت أنني أرتدي حذائي الجديد لأول مرة، كان بوتًا أسودًا، نظرت إليه بزهو، فشعرت بالاطمئنان، ومشيت بضع خطوات أمام الزجاج العاكس لبوابة العمارة لأراني كيف أبدو في بوتي الجديد.

مشهد المحاكمة حاول التسلل إلى خلفية انعكاسي على الزجاج العاكس، لكن وصول الباص كان أسرع.

وصل الباص أخيرًا، ينزلق الباب الجرار فأحمل حقيبتي وأسرع إليه وتتلاشى رائحة الريحان شيئًا فشيئًا، أصعد وأجلس في مكاني المعتاد.

يعلق عم خميس سائق الباص بلهجته الجداوية: ليش ما تسلمي يا آلاء؟. أسلم، ترد علي البنات بصوت هادئ ناعس. ويقود عم خميس الباص بعدها لبيت شادن، رفيقتي في الفصل، ووحدها من تتحدث معي في الباص، وتغني، كانت تغني كثيرًا، وكل مرة تنهاها مشرفة الباص ناهرة: لا تغني الأغاني حرام.

أفكر مجددًا: السعوديون يخضبون كامل الكف من الداخل، حناؤهم حمراء. والجدات يضعن ريحانًا خلف أذنهن، ولا يحببن الأغاني، لأنها حرام، منهم من يقول وش، منهم من يقول إيش.

تأتي شادن، وأختاها اللتان تكبراننا، وعلى غير العادة كن حزينات، فعادة كن يملأن الباص حياة منذ أول دقيقة يصلن فيها، لكنهن كن منطفئات ذلك اليوم.

جلست شادن إلى جانبي، ولم تبدأ الحديث كالعادة، لذا سألتها عن حالها، أطرقت وقالت إنها حزينة لأن والدها سافر بالأمس إلى أبها.. ظننت أنهن مشتاقات إلى والدهن وحسب، سألتها هل سيغيب طويلًا، أخبرتني أنه سيعود في الغد، لكنه حزين، وهن حزينات لحزن والدهن، لذا توقعت أن المتوفى شخص مقرب من العائلة.

«بابا راح عزاء طلال مداح.»

سألتها عمن يكون هذا الرجل.

«طلال مداح المغني.. كيف ما تعرفيه؟!»

حضرت أسئلة كثيرة حينها إلى ذهني.. لمَ يذهب أحد إلى عزاء شخص لا يعرفه شخصيًا، ولمَ يذهب أبو شادن صديقتي المقربة إلى عزاء شخص يفعل شيئًا محرمًا، والسؤال الأكثر جدية.. هل هذا نفس المغني الذي كانت تعقد له محاكمة شنيعة في شارعنا قبل قليل؟

بلعت ريقي.. سألتها بحذر: هل هذا المغني الذي مات على خشبة المسرح؟

بكت شادن، قالت لي: نعم.. هو مخلص للفن حتى آخر لحظة. خرج صوتها متهدجًا.

سألتها: ماذا تعنين بمخلص؟

قالت: أبوي يقول إن الشخص المخلص يموت وهو يفعل شيئًا يحبه.

سقطت كلماتها الأخيرة كحجر ثقيل في بركة وعيي الساكن.

«يموت وهو يفعل شيئًا يحبه»

بقيت الكلمة تدور في عقلي طوال الطريق، تتنازعها لهجات الحي الحجازية والجنوبية، وتتجاذبها قواعد «وش وإيش» التي كانت تمور بها طفولتي.

كيف يمكن للموت، الذي صورته لي أم عبدالله البارحة كعقوبة قصوى، أن يكون عند والد شادن دليلًا على الإخلاص؟

حين وصلنا إلى المدرسة ونزلنا من الباص، شعرت بأن ثقلًا جديدًا قد أضيف إلى حذائي البوت الجديد.

طوال ذلك اليوم، لم أكن بكامل تركيزي في الفصل. كنت أجلس إلى جوار شادن المنطفئة، أراقب غياب فرحها المعتاد، فتبدو لي المقاعد الخشبية أكثر جمودًا وقسوة. في حصة الخط، وأنا أخط الحروف بتركيز طفولي، كنت أتأمل باطن كفي الأبيض؛ لم يكن مخضبًا بالحناء الحمراء مثل أكف حفيدات أم عبدالله، ولم تكن جدتي تضع ريحانًا خلف أذنها، ولم أكن أشبه شادن، ولم يكن أبي يتحدث عن الفن، ولم أكن أعرف الفرق بين وش وإيش، ولم أعرف ماذا حل بالمحاكمة في آخر شارعنا، وكنت في تلك اللحظة أشعر باغتراب مضاعف؛ اغتراب الطفلة التي لا تشبه تفاصيل المكان من حولها، واغتراب الفكرة التي انشطرت في رأسي إلى نصفين لا يلتقيان.

كنت أنظر من نافذة الفصل الصغيرة إلى السماء، وأتساءل: هل الله يصرخ الآن على المغني، أم أنه يكافئه على إخلاصه؟

انتهى اليوم الدراسي، وكانت أجواء الباص في العودة بذات الرتابة الصباحية. غاب الغناء تمامًا هذه المرة، ولم تنهر المشرفة أحدًا، فخيم على الباص صمت ثقيل يشبه صمت البيوت التي غادرها آباؤها نحو أبها. حين نزلت عند منعطف شارعنا، كانت رطوبة جدة قد تحولت إلى قيظ خانق. نظرت إلى المصطبة الأسمنتية؛ حوض الريحان بدا لي بلا ألوان تحت أشعة الشمس العمودية، كأنه تحول إلى أرشيف.

صعدت درجات سلم بنايتنا ببطء، دخلت الشقة، وخلعت حذائي ونظرت إليه، لم يعد يمنحني ذلك الزهو الصباحي الكامل؛ أفسدته الأسئلة.

تلك الليلة، نمت وأنا أتساءل عن سر ذلك الرجل الذي جعل الشوارع وحلقات تحفيظ مسجد حينا وباص مدرستنا تتبدل أحوالها لمجرد أنه ترجل عن خشبة المسرح.

ظل اسم طلال مداح في عقلي مرتبطًا بذكرى تحمل في طياتها مزيجًا متنافرًا من المشاعر والأفكار والأحكام، وكانت العوالم داخل هذه الذكرى شديدة التباين، عالم محكمة الحي، عالم شادن وأبيها، وعالمي الذي في رأسي حيث أعالج فيه كل هذه المدخلات.

وفاة المطرب طلال مداح شكلت نقطة مفصلية شعورية وفكرية عميقة في شخصيتي، قلبي كان يحب أغاني شادن التي تدندنها، ويستعذب ذاك الإخلاص الذي وصفه أبوها، وعقلي كانت تتربع فيه أم عبدالله التي تستعيذ بالله من سوء ما فعله.

وبينهما، كنت أتساءل: أليس الله يأمرنا بالإخلاص؟ إذًا لماذا سيحاكم طلال مداح؟

منذ ذاك الوقت وحتى مراهقتي، كانت الذكرى لا تعدو كونها صراعًا فكريًا شعوريًا، إلى أن تجرأت يومًا، وطلبت من شادن أن تعيرني شريط كاسيت لطلال مداح.

قالت لي: سأستأذن من بابا وأرد لك.

قلت لها: أعدك أنني سأحافظ عليه.

في اليوم التالي، قالت لي شادن: بابا ما وافق عشان ممنوع في المدرسة. شعرت بالإحباط.

شعرتُ بيدها تمرر لي شيئًا تحت الطاولة، كان الشريط..

قالت لي: سرقته.. لو اتكفشتي مالي شغل..

شعرت برهبة غامضة، أنا أمسك صوت طلال مداح، صوت الأرض، كنت أحسب الساعات لأعود للمنزل، وأهرّب مسجلي الصغير الووكمان في حقيبة التحفيظ، وأثبت السماعات في أذني، وأصغي.. أخيرًا.. إلى أغاني طلال مداح.. في خطوة جريئة لحيازة الممنوعات.

مساء.. تسللت عبر الممر الطويل للمسجد إلى دورات المياه. من خلفي، كانت أصوات زميلاتي في حلقة التحفيظ تهدر بإيقاع جماعي رتيب، يرتلن الآيات ويبحثن عن السكينة، بينما كنت أنا أسير عكس الاتجاه تمامًا، أحمل في حقيبتي الصغيرة سرّي الأكبر.

دخلت دورة المياه الأخيرة في نهاية الممر. كانت الأكثر عتمة والأقل استخدامًا. دفعت الباب الخشبي الثقيل، وأدرت المزلاج الحديدي القديم. أحدث المزلاج صريرًا حادًا ومفاجئًا جمد الدماء في عروقي لثوان، قبل أن يستقر في مكانه معلنًا عزلتي التامة عن العالم.

كان الهواء داخل الحمام الضيق باردًا ورطبًا، تفوح منه رائحة المنظفات الحادة الممتزجة بنقيع الماء الراكد على الأرضية السيراميكية. نظرت إلى انعكاسي في المرآة الصغيرة المثبتة على الباب؛ كانت عيناي متسعتين بذعر طفولي خالص. تحسست الكاسيت في قاع الحقيبة، بأصابع ترتجف، أخرجت جهاز المسجل الصغير. وضعت الشريط في جوفه بحذر شديد، ضاغطة على الغطاء ببطء حتى لا يصدر صوت النقرة المألوف فيفتضح أمري. لففت سلك السماعة الأسود، ومررته من تحت الطرحة، ثم رفعته خلف أذنيّ ليختفي تمامًا تحت عباءتي. ووضعت يدي على زر التشغيل.

لم أكن سأستمع بجوارحي فقط لأن جسدي كله قد تحول إلى رادار مستنفر. عيناي مثبتتان على أسفل الباب، أراقب الفراغ الصغير الممتد بين الخشب والأرض، مترقبة ظهور أي إشارة لوصول المشرفة أو إحدى الطالبات. وأذناي انقسمتا إلى عالمين متناقضين: عالم داخلي ينتظر الصوت، وعالم خارجي يلتقط أدق الأصوات في الممر؛ طرقعة الأصابع، حفيف العباءات، وصدى الترتيل القادم من الحلقة الكبرى.

ضغطت الزر، وسرت الوشوشة المغناطيسية الأولى.

ثم انطلق صوت طلال.

كان هادئًا، رائقًا، غمرني صوته كأنه هالة من النور تنبثق في عتمة زنزانة.

فجأة اجتاحني خوف غامض، تخيلت الباب يخلع، وتخيلت الشريط يُصادر، وأم عبدالله تقود المحاكمة الشنيعة من ممر المسجد إلى قلب الشارع، والجميع يصرخ في وجهي. تملكتني رغبة عارمة في البكاء، لكن خوفي كان أضخم من الدموع. مددت يدي ببطء شديد تحت الحجاب، وضغطت زر الإيقاف. انقطع الصوت فجأة، وعاد صمت الحمام الخانق يطوقني.

في تلك الليلة، لم يكن النوم ليعرف طريقًا إلى جفنيّ. ما إن سكن البيت تمامًا، وانطفأت الأنوار، وغرقت العائلة في نوم عميق، حتى تحولت غرفتي إلى مختبر سري للبهجة. أعدت تشغيل الشريط مرارًا وتكرارًا، كنت أقلّبه بوجهيه أ وب، بنهم لا يشبع. وضعت المسجل تحت وسادتي، والصوت الرائق لطلال ينساب دافئًا ونقيًا كأنه يغسل كل الخوف الكامن في أعصابي. طردت الموسيقى كل مخاوف المحكمة الإلهية، وصار تفكيري كله متمحورًا حول فكرة واحدة ملحة: «أريد المزيد. أريد من شادن أن تشتري لي أشرطة كثيرة.. كل أشرطة طلال مداح».

الفكرة المثيرة سرعان ما اصطدمت بجدار واقعنا الصلب؛ الأغاني في بيتنا ليست مجرد خطأ عابر، بل هي ممنوعة منعًا باتًا، واكتشاف شريط كاسيت واحد يحمل اسم مغنٍ يعني كارثة عائلية محققة ستطيح بكل مساحات أماني الصغير. كان العائق ضخمًا، والرقابة الصارمة في المنزل تتطلب أسلوبًا مختلفًا للمواجهة.

بعد أيام من التفكير والتأمل الصامت في علب الأشرطة المكدسة على رفوف مكتبة بيتنا، وبينما أتمنى طريقة سحرية لتحويلها إلى أشرطة أغاني، اهتديت إلى فكرة ألمعية، نظرت إلى أشرطة المحاضرات الدينية والندوات المسجلة التي تملأ البيت. تساءلت: «ماذا لو بقيت هذه الأشرطة كما هي من الخارج، بينما تحمل في الداخل أغاني طلال مداح؟».

كانت الخطة تقتضي نسْخ أشرطة الأغاني فوق أشرطة المحاضرات الأصلية، لتبدو العلبة والغلاف الخارجي للرقابة مجرد محاضرة فقهية عادية، بينما تمتد الأغاني على البكرات.

شرعت بتجميع أشرطة المحاضرات المهملة في بيتنا، وحملتها بحذر شديد في حقيبتي المدرسية متوجهة بها إلى شادن. شادن، التي صارت الآن شريكتي في العشق الفني، استقبلت الفكرة بجموح مراهقات يجربن أشياء لأول مرة.

في بيتهم، وبعيدًا عن الأنظار، كنا ندير عملية قرصنة فنية على أيدي مراهقتين تتقنان تفكيك المشكلات. كانت شادن تقوم بتشغيل جهازي تسجيل معًا، تضغط على زريّ تشغيل وتسجيل في ذات اللحظة، ليتحول صوت الوعظ والخطب إلى فن، ببطء وبأثر رجعي يشبه السفر عبر الزمن، نحو الأمام.

الدافئ في تلك الأشرطة المقرصنة، أن عملية النسخ كانت متواضعة وبدائية، ومُرضيةً في آن. كنت عندما أعود إلى منزلي، وأضع السماعات في أذني لأستمع في خلوتي، أسمع خلف صوت طلال الرائق أصواتًا أخرى وانقطاعات التقطها التسجيل؛ كنت أسمع أحيانًا صوت انغلاق الأبواب بوضوح في بيت شادن، أو همهمات متباعدة لحواراتهم العائلية اليومية.

حين أخبرت شادن بالثغرات الأمنية في شريطنا المقرصن، ضحكتْ وأقسمت لي أنها كانت تضع المسجلين معًا في عمق خزانة ملابسها وتغلق عليها الأبواب الخشبية بإحكام كي تحجب أي ضوء أو صوت خارجي.

كنا نتبادل تلك الأشرطة تحت الطاولات، بوجوه جامدة لا تشي بشيء، بينما قلوبنا ترقص فرحًا بانتصارنا الصغير على الأنظمة الصارمة من حولنا. كنت أعود للمنزل، أضع شريط المحاضرة المزعومة أمام أعين الجميع في المسجل، أثبت السماعات، وأبتسم بنشوة عارمة وأنا أرى عائلتي مطمئنة للعنوان الخارجي الوقور، بينما في مسامعي يصدح طلال ومعه أصوات الأبواب البعيدة لبيت شادن. كانت تلك الخدعة هي مساحتي الخاصة المقتطعة للحرية، ومقاومتي النبيلة الأولى دفاعًا عن الجمال الذي اخترته بنفسي. وعلى الرغم من نشوة الانتصار، كان يضيق صدري بالخوف مرات كثيرة، وفي كل مرة كنت أمسك فيها تلك الأشرطة المزيفة، كان يتسلل إليّ شعور خانق بالذنب، وتتراءى لي نظرات أم عبدالله الصارمة وتحذيرات مشرفة الباص في خيالي.

كنت أتساءل بارتباك: هل أنا عاصية؟ هل أقود نفسي إلى تلك المحاكمة؟ ماذا لو مت وأنا أستمع إلى الأغاني؟.. لكن، ما إن تثبت السماعات في أذني وينطلق صوت طلال مداح الرائق، حتى تتلاشى كل الوساوس المرعبة. صوته المبهج كان يملك قوة غريبة على تطهير روحي من الخوف، ويبث في أركان غرفتي سلامًا يبدد تهمة الخطيئة، ويقنعني أن هذا الجمال النقي أعظم من أن يكون ذنبًا.

الفن، مثل لي جسر العبور الوحيد فوق مسافات الشتات؛ ففي صوت طلال مداح، كان يتبدد كليًا شعوري المبكر بالغربة في السعودية. لم أكن أشعر قط تجاه هذا الفن بأنه ينتمي لآخرين؛ كنت أشعر أنني جزء أصيل ممن غنى لهم طلال.

والفن حالة استثنائية، تجعل الواقع الطويل أخف وطأة، لذا فور أن تنتهي الأغنية وأعود إلى أرض الواقع، كانت تستيقظ بداخلي كل الأفكار التي تعيد حصري في كينونة الكيان المراقب؛ كائن راصد يدرك بوضوح بارد أنه لا يملك حق الانتماء التام هنا، لا تاريخيًا، ولا جغرافيًا، ولا حتى عرقيًا. كان الواقع يحجمني دومًا، ويعيدني رغمًا عني إلى مربع تلك الطفلة الواقفة عند المنعطف، التي تراقب حوض الرياحين بحب، وتستأنس بعبيره الفواح وألوانه الزاهية، لكنها تقف عاجزة، لا تملك الجرأة لقطفه ولا تعرف كيف تضعه خلف أذنها.

لم يكن اغترابنا مجرد مسافة تقاس بالكيلومترات بين ضفتين قريبتين جغرافيًا، إنما قضية وجودية أعمق بالنسبة إلي، عشتُ ممزقة بين قارتين؛ لم أكن أنتمي تمامًا إلى أولئك الذين أعيش وسطهم في جدة، ولا إلى أولئك الذين ينتظرونني في السودان. كنتُ غريبة في الحالتين، لا أشبه أيًّا منهم، ولا أملك دليلًا إرشاديًا يعلمني كيف أندمج أو أكون جزءًا حقيقيًا. في السعودية، كنتُ الفتاة السودانية التي تراقب الريحان، وفي السودان، كنتُ «شهادة عربية» التي تتحدث بلهجة مختلفة وتحمل طباعًا مغايرة.

لكني مجددًا، وتحت وطأة هذا التيه الثقافي، تلمست طريقي الخاص للانتماء، بلا وعي؛ وعرفت أنه بإمكاني استخدام الحيلة ذاتها لترميم هويتي السودانية، وفطنتُ إلى أنه بإمكاني نسخ الأغاني السودانية أيضًا على أشرطة المحاضرات الدينية.

أذكر بوضوحٍ أن أول شريط قمتُ بقرصنته بمساعدة شادن مجددًا، كان ألبوم «أمرك يا حلو» للتومات (إيمان وأماني). حصلت على الشريط في واحدة من مغامراتي العاطفية أثناء زيارتنا الخاطفة للسودان، وفي خزانة شادن مجددًا كنا نصنع لي وطنًا هجينًا، سريًا، لا يحتاج إذنًا من أحد.

في مثل هذه الأيام من شهر أغسطس، تمر الذكرى السادسة والعشرون على ذلك الرحيل الأسطوري لطلال مداح على خشبة مسرح المفتاحة في أبها. ستة وعشرون عامًا مضت، تبدلت فيها الأماكن، وسقطت محاكمة الشارع القديمة في عقلي، وتغيرت ملامح الطفلة التي كنتُها. تلاشت المحاذير، انفتح باب دورة المياه الضيقة في دار التحفيظ على سماء جدة المباحة، ورائحة الرياحين المخلصة تملأ الأجواء.

«كتبت اسمك على صوتي
كتبته في جدار الوقت
على لون السماء الهادي
على الوادي
على موتي وميلادي»