The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

الذين لا يشبهون أحدًا: سردية المنبوذين في المجتمع والأدب

1.6K

حجم الخط
  • آلاء حسانين
    كتابة وإخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

منذ أن تشكّلت أولى الجماعات البشرية، بدا وكأن الإنسان لا يستطيع أن يعرف نفسه إلا عبر نقيضه. وهذا النقيض لم يكن دائمًا عدوًّا خارجيًّا أو قوةً طبيعيةً مجهولة؛ ففي كثير من الأحيان كان شخصًا من داخل الجماعة نفسها، يحمل ملامحها، ويتكلم لغتها، ويعيش تحت سقفها أو قرب نارها، لكنه يظل، لأسباب يصعب تسميتها بدقة، خارج دائرة الانتماء الحقيقي. ومع مرور القرون، اتخذ هذا النقيض أشكالًا متجددة ومتناسلة: الغريب الذي يتكلم بلهجةٍ خاطئة، والأقلية التي تصلي في الوقت غير المألوف، والخارج على الإجماع الذي يطرح السؤال في اللحظة غير المناسبة، والمختلف في الصوت أو الإيقاع أو الطريقة التي ينظر بها إلى الأشياء. لقد اكتشفت المجتمعات، في وقت مبكر جدًّا، أن الحفاظ على وحدتها الداخلية لا يكفيه الاتفاق وحده، إنما يحتاج أيضًا إلى من يُستثنى من هذا الاتفاق، إلى من يُحمَّل ما لا يريد الآخرون أن يحملوه، إلى من يصبح مستودعًا حيًّا لكل ما يخشى الجمع أن يراه في المرآة. وهذه الحاجة إلى النقيض الداخلي أقدم بكثير من أي مؤسسة اجتماعية أو قانون مكتوب، إذ تمتد جذورها إلى بنية تطورية عميقة في طريقة تشكّل الجماعات البشرية الأولى وطريقة بقائها في بيئات كانت تعاقب التفرد وتكافئ الذوبان في الكتلة؛ فالإنسان الذي يشبه من حوله يصبح أكثر أمانًا داخل سرب يحتاج إلى التوحد كي يصطاد أو يدافع أو يهاجر، أما الإنسان الذي يختلف فيُمثّل احتمالًا مقلقًا: ربما كان ضعيفًا، أو مريضًا، أو يحمل ميولًا قد تشتّت الجماعة وتبدد طاقتها في اتجاهات غير محسوبة. وما كان يبدأ بوصفه آلية بقاء صارمة وضرورية، تحوّل مع الزمن إلى ميراث نفسي راسخ يعمل تلقائيًا، ومن دون قرار واعٍ، حتى في السياقات التي لا يتهددها أي خطر حقيقي، وهكذا صار الاختلاف في حد ذاته يستدعي الاستجابة الدفاعية القديمة نفسها: الحذر، والإقصاء، والرغبة في إعادة الأمور إلى نظام مألوف ومطمئن.

يُقدّم علم الأعصاب الاجتماعي جزءًا مهمًّا من هذه القصة حين يُظهر أن الدماغ البشري يُعالج الإقصاء الاجتماعي في المناطق نفسها التي يُعالج فيها الألم الجسدي، وهذا الاكتشاف بالغ الأهمية لأنه يعني أن تجربة النبذ ليست مجرد استعارة عاطفية أو مبالغة شعرية في وصف الإيذاء، لكنها ألم حقيقي بكل المعنى الفيزيولوجي للكلمة، ألم ينقش أثره في الجهاز العصبي ويُغيّر طريقة معالجة الدماغ للمعلومات اللاحقة. فالشخص الذي تعرّض للنبذ المتكرر يبدأ في تلقّي كل موقف اجتماعي جديد من خلال طبقة من التوقّع السلبي المُسبق، ويصبح أكثر حساسيةً لإشارات الرفض، ويرى في المواقف الغامضة تهديدًا محتملًا حتى حين لا يكون الأمر كذلك، وهذا ما يصنع التناقض المؤلم الذي يعيشه كثيرون ممن مرّوا بتجربة النبذ المبكر: إنهم يرغبون في الانتماء ويخشونه في الوقت نفسه، يقتربون ثم يتراجعون، ويُقدّمون ما يستطيعون تقديمه، ثم يؤولون أي مسافة عفوية من الآخر بوصفها دليلًا على ما كانوا يتوقعونه أصلًا، وهكذا يتحول الجرح القديم إلى آلية تنبؤية تعيد إنتاج ذاتها في كل علاقة جديدة.

الخروف الأسود في القطيع، هذه الصورة التي يُكثّفها المثل الشعبي في جملة واحدة، ليست وصفًا بريئًا لمجرد الاختلاف الظاهري، إنما هي تسمية لدور اجتماعي كامل يحمل معه توقعات وعقوبات وإجراءات غير معلنة. ومن يحمل هذا الدور يعرف في الغالب أنه يحمله قبل أن تُسمّيه الجماعة صراحةً؛ يعرف ذلك من طريقة صمت الغرفة حين يدخل، ومن الطريقة التي تتحرك بها الأعين حين يتكلم، ومن ذلك الشعور الغريب بأنه يحتاج دائمًا إلى أن يبرّر وجوده أو يقدّم دليلًا إضافيًّا على قيمته في كل موقف يخوضه. وهو شعور لا يعرفه من يجلس في المركز، لأن وجوده لا يحتاج إلى تبرير، وقيمته مفترضة سلفًا، وثقته في انتمائه مصدرٌ للطاقة لا باعثٌ على القلق. وهذا الفارق في نقطة البدء الداخلية بين من يشعر بانتمائه بوصفه حقيقة طبيعية، ومن يشعر به بوصفه امتيازًا يجب أن يثبته باستمرار، هو ما يُنتج مسارات حياتية مختلفة تمامًا حتى حين تبدو الظروف الخارجية متشابهة. وما يجعل تجربة الخروف الأسود شديدة التعقيد هو أنها تتشكّل في علاقة مستمرة ومتبادلة مع الجماعة التي تُنتجها؛ فالشخص الذي يُنبذ لا يظل ثابتًا أمام هذا النبذ، وإنما يستجيب له ويتكيّف معه بطرق متعددة تُشكّل شخصيته وطريقة تفكيره وعلاقته بنفسه، على نحو يصعب تفكيكه لاحقًا. فبعضهم يتشرّب الهوية المشوهة، كما وصفها إرفينغ غوفمان في تحليله للوصمة الاجتماعية، فيُصدّق التعريف الذي أعطته له الجماعة، ويبدأ في النظر إلى نفسه من خلاله، كأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة عنه. وبعضهم الآخر يرفض هذا التعريف، ويُطوّر ذاتًا متمردة تعتز بالاختلاف وتجعل منه هوية موازية. وبعضهم يفعل الأمرين معًا في أوقات مختلفة من اليوم والحياة: يُصدّق في لحظات الهشاشة، ويرفض في لحظات القوة، ويعيش في هذا التأرجح المرهق بين صوتين داخليين لا يتوقفان عن الجدال.

من جانبها تحتاج الجماعة إلى الخروف الأسود بطريقة تشبه حاجتها إلى مرآة سلبية تُظهر لها ما لا تريد أن تكونه؛ فهي تُحدّد هويتها في جانب كبير منها، بالمقارنة مع من استبعدته، وتُجدّد تماسكها الداخلي كلما تشارك أعضاؤها في التعليق على اختلافه أو في التماسك في مواجهة ما يُمثّله. وهذه العملية تعمل بكثافة أكبر داخل الأسرة، بوصفها أولى الجماعات وأعمقها أثرًا؛ إذ يكفي أن تكون لأسرة ما سيرة من الصمت المنظّم حول موضوع محدد، كإدمان أو خيانة أو فشل أو خزي لم يُعالَج، لكي يُعاد إنتاج هذا التاريخ في طفل واحد يصبح حامل السر وحامل العار في الوقت نفسه؛ طفل يُعاقَب بطرائق دقيقة جدًّا كلما كسر الصمت المتفق عليه أو هدّد الصورة التي تريد الأسرة أن تحتفظ بها عن نفسها. وقد بنى رينيه جيرار على هذه الملاحظة نظرية كاملة حين قرر، في «العنف والمقدّس»، أن ما تفعله الجماعات بضحاياها لا يمكن عدّه انحرافًا طارئًا، غير أنه آلية بنيوية لا غنى عنها؛ فالجماعات تُولّد في داخلها توترات وعنفًا متراكمًا يهددها بالتفكك الداخلي، ويكون المتنفس التلقائي الذي تلجأ إليه هو تحويل هذا العنف نحو هدف واحد يتحمّل وحده وزن القلق الجمعي المتراكم، ثم يُعدم أو يُطرد أو يُهمَّش لكي تستعيد الجماعة توازنها المؤقت وتشعر بنقائها المستعاد. والأهم عند جيرار أن اختيار الضحية لا يخضع لمنطق الذنب الحقيقي؛ فالضحية تُختار لأنها صالحة للاختيار، مختلفة بما يكفي لتبدو خارج الإجماع الرمزي للجماعة، لكن من دون أن تكون مختلفة إلى الحد الذي يجعل إدانتها مكلفة سياسيًّا أو اجتماعيًّا؛ إنها تقع تحديدًا في المنطقة التي تتيح للجماعة أن تدينها من غير أن تدفع ثمنًا.

غير أن جيرار يصف لحظة الاختيار الجمعي من دون أن يصف ما يحدث بعدها للشخص المُختار نفسه، ما يحدث في داخله حين يبدأ، شيئًا فشيئًا، في تصديق ما قيل عنه، وفي النظر إلى نفسه من خلال العيون التي نبذته. وهذه الفجوة يملؤها إرفينغ غوفمان في «الوصمة»، عبر تحليل دقيق يصف كيف تتحول سمة واحدة في شخص ما، صوته أو أصله أو طريقته في الكلام أو في حلّ المشكلات أو حتى في الصمت، إلى تصنيف كلي شامل يُعيد تعريف شخصيته بالكامل في أعين المحيطين به، ويجعل كل ما يفعله قابلًا لأن يُقرأ من خلال هذا التصنيف المسبق وحده. فهو لا يعود، بعد ذلك، فردًا له تاريخ وتعقيد وتناقضات داخلية تستحق أن تُرى، بل يصير «المختلف» أو «غير المندمج» أو «الصعب» أو «غريب الأطوار»، وتُقرأ كل تفاصيله اللاحقة في ضوء هذا الحكم المسبق الذي يسبق أي لقاء حقيقي، ويجعل اللقاء الحقيقي مستحيلًا من الأساس، لأن الآخر يصل إليه وهو يحمل قرارًا جاهزًا. والأشد قسوةً فيما يكشفه غوفمان هو أن المنبوذ يتشرّب هذه الهوية المشوَّهة تدريجيًّا، ومن دون أن يقرر ذلك بوعي، ويبدأ في النظر إلى ذاته من خلالها كما لو أنها الحقيقة الوحيدة الممكنة عنه، فيصبح السجن مزدوجًا ومُحكمًا على نحو لا يحتاج إلى حارس، لأن المسجون يغدو هو نفسه من يحرس ذاته: سجن الجماعة التي تُصنّفه، وسجن الذات التي قبلت هذا التصنيف، وراحت تعيش داخله وتُعيد إنتاجه في كل موقف جديد. والطفل الذي يكبر داخل هذا الدور يتعلم، في وقت مبكر جدًّا، أن ثمة شيئًا فيه يُزعج المحيطين به، وأن هذا الإزعاج يبدو حقيقة ثابتة فيه لا حادثة عارضة. وهو لا يملك، في طفولته المبكرة، الأدوات المعرفية التي تُتيح له التساؤل عن مصدر هذا الإزعاج أو عن الديناميكيات الأسرية التي تصنعه، فيُفسّر ما يحدث له بالطريقة الوحيدة المتاحة أمامه: أن العطب فيه هو، وأن المشكلة منه هو، وأن الحل يكون في أن يتغيّر ويصبح أقل مما هو عليه حقًّا. وهذه القناعة التي تترسّخ في سنوات لا يكون فيها التفكير النقدي قد بلغ ما يكفي من النضج، تبقى في البنية النفسية بوصفها ميراثًا صامتًا يُؤثّر في كل قرار، وكل علاقة، وكل طموح لاحق. وحتى حين يكبر الشخص ويُصبح قادرًا من الناحية الفكرية على رؤية ما حدث له، فإن الفهم العقلي لآلية ما جرى لا يُزيل تلقائيًّا الأثر العاطفي الذي خلّفه عبر سنوات طويلة من التلقّي.

المفارقة العميقة في تجربة الخروف الأسود هي أن الصفات التي تجعله مُقلقًا للجماعة، تكون في كثير من الأحيان هي نفسها الصفات التي تمنحه قيمة خاصة من زاوية أخرى. فالحساسية المفرطة التي تجعل طفلًا ما يبكي بسهولة، وتجعله «المشكلة» في عائلة تُمجّد الصلابة، هي نفسها الحساسية التي قد تجعله فنانًا، أو معالجًا، أو شخصًا قادرًا على رؤية ما يفوت غيره. وكذلك فإن الميل إلى التساؤل، الذي يُزعج المجموعة ويُصنَّف تمردًا أو غرورًا أو صعوبةً في التكيف، هو نفسه ما يدفع أحيانًا نحو اكتشافات وأفكار لا تولد من الامتثال الهادئ، والاختلاف الذي تُعاقب عليه الجماعة المتجانسة هو، في الوقت نفسه، ما تحتاج إليه أي جماعة تريد أن تتطور وتظل قادرة على الاستجابة لبيئة متغيرة. وهذا التناقض بين ما تُعاقب عليه الجماعة في الحاضر وما قد تحتاج إليه في المستقبل هو جزء من المأساة؛ إذ كثيرًا ما لا يُدرك الخروف الأسود قيمة ما فيه إلا بعد أن يكون قد أمضى سنوات طويلة محاولًا التخلّص منه.

بهذه الآليَّة يفعل الأدب شيئًا لا تستطيع الأطر النظرية وحدها أن تفعله: يمنحنا النفاذ إلى البنية الداخلية للشخصية في لحظة نبذها، ويجعلنا نرى من أين يبدأ الإقصاء وكيف يتغلغل في طريقة الشخص في النظر إلى الباب حتى قبل أن يفتحه. حين يموت غريغور سامسا في «المسخ»، وتشعر الأسرة بتلك الخفة الغريبة التي تملأ الشقة وتجعلهم يتحدثون عن الخروج للتنزه في الشمس والانتقال إلى شقة أصغر، فإن كافكا لا يقدّم مشهدًا استثنائيًّا، لكنه يقدّم الحقيقة المقطّرة لحالة كانت قائمة طوال الوقت: غريغور كان يُعامَل بوصفه عبئًا قبل أن يتحول جسديًّا، وكان يؤدي دور المُعيل الصامت الذي يُسمح له بالوجود ما دام يُنتج ولا يطلب، وحين توقف عن الإنتاج انكشف الحكم الذي كان معلَّقًا دائمًا فوق رأسه. وما يجعل هذه القصة تقرع شيئًا عميقًا في نفوس من مرّوا بتجربة مشابهة هو أن غريغور نفسه يقبل، بصمت تدريجي، أنه أصبح عبئًا، وأن موته سيُريح من يحبهم، وهذا القبول هو الأكثر إيلامًا، لأنه يُظهر إلى أي عمق يمكن لآلية النبذ أن تتغلغل حين تعمل، على مدى سنوات، داخل الفضاء الأكثر حميمية. أما ميرسو في «الغريب» فيعيش تجربة مختلفة في شكلها، لكنها تنبع من المصدر ذاته: فهو يرفض تمثيل المشاعر التي يتوقعها المجتمع منه، لأنه ببساطة لا يملكها بالشكل المطلوب، وهذا الرفض الهادئ يصبح في عيون المجتمع أشد خطورة من أي تمرد صريح؛ لأن التمرد الصريح يمكن تصنيفه ومعالجته، أما من يقف خارج منظومة التوقعات الانفعالية من دون أن يُعلن ذلك، فإنه يُربك الجماعة بطريقة لا تجد لها تسمية جاهزة، فتلجأ إلى أشد ما تملكه من أدوات، وهو تحويله إلى «كائن بلا روح». وهي تسمية تقول عن الجماعة التي اختارتها أكثر مما تقوله عن الشخص الذي أُسبغت عليه. ثم إن المدعي العام يُعيد بناء شخصية ميرسو بالكامل من خلال شهادات الآخرين عنه، لا من خلال ما يقوله هو عن نفسه، حتى يصبح ميرسو أقل الأطراف مصداقية حين يتعلق الأمر بتعريف نفسه، ويُصدر الحكم قبل أن تنتهي المحاكمة، لأنه كان قد صَدَر ضمنًا قبل أن تبدأ. أما الكولونيل العجوز عند ماركيز، فيحمل نوعًا آخر من النبذ، هو نبذ الذاكرة ذاتها: فالكولونيل الذي ينتظر طوال خمسة عشر عامًا رسالة لا تأتي، يحمل وحده وزن وعد جمعي لم يتحقق، ويُذكّر وجوده القرية بالأحلام التي تخلّت عنها، وبالوعود التي نسيتها عن سابق قصد، فيغدو توبيخًا صامتًا لكل من اختار النسيان استراتيجيةً للبقاء. أما الديك الذي يرفض بيعه رغم الجوع الحقيقي، فهو آخر بقية ملموسة من عالم كان يَعِد بالمعنى، والشخص الذي يحمل الذاكرة ويرفض التخلي عنها يتحول إلى عبء أخلاقي على مجتمع يريد أن ينسى ويمضي.

حين نجيء إلى الأدب العربي، نرى أن النبذ الفردي يتداخل مع النبذ الجمعي، فيصبح المنبوذ الواحد حاملًا لأزمات أكبر منه بكثير: أزمة الهوية في مرحلة ما بعد الاستعمار، وأزمة الجنس والجسد في المجتمعات الذكورية، وأزمة الذاكرة الجمعية التي لا أحد يريد أن يحملها. فمصطفى سعيد، عند الطيب صالح، يُدرك نبذه ويُحوّله إلى استراتيجية هجوم؛ يفهم التوقعات الاستعمارية التي يُسقطها الغرب عليه، ويستبقها ويستخدمها سلاحًا، فيتحول إلى ما يريد الغرب أن يراه، ولكن من موقع الفاعل. غير أنه، حتى وهو يُوظّف الوصمة، تظل الهوية التي صُنعت حوله هي التي تُحدّد حركته ومصيره النهائي. كأن الهروب من آلية النبذ عبر استخدامها لا يفعل سوى إعادة إنتاج الأسر في صورة أكثر التواءً. أما القرية السودانية التي يعود إليها الراوي، فلا تملك التصنيف المناسب لمصطفى، فتُبقيه معلّقًا في الهواء من دون حكم صريح. وهذا التعليق نفسه شكل من أشكال الإقصاء، يصعب الاعتراض عليه لأنه لا يحمل اسمًا. وفردوس، عند نوال السعداوي، تُقدّم مسارًا مختلفًا: فهي تروي قصتها قبل الإعدام بساعات، وما تحكيه ليس سوى الأثر التراكمي لنبذ بدأ مبكرًا وتدرّج بصبر؛ نبذ قرر منذ البداية ما الذي يحق لها أن تشعر به، وما الذي يمكنها أن تفعله بجسدها، وأين يصح صمتها، وأين يصح كلامها. وحين تقول إن ما فعلته كان الفعل الوحيد الحر في حياتها كلها، فإنها تُشخّص ما ينتهي إليه بعض من يُنبذون ويُحاصرون طويلًا: أن الفعل الوحيد الذي يشعرون فيه بامتلاك أنفسهم هو الفعل الذي سيُدينهم، لأن كل الأفعال الأخرى كانت مقيّدة بتوقعات لم يختاروها. أما كنفاني، ففي «رجال في الشمس» يبلغ بهذه الآلية شكلها الأكثر منهجية: فأبو قيس، وأسعد، ومروان، يموتون داخل الصهريج لأن أحدًا لم يسمع طرقهم على الجدران. ويُقدّمهم كنفاني بكل تفاصيلهم الإنسانية قبل أن يُميتهم، لكي نفهم أن ما مات لم يكن أرقامًا، بل أشخاصًا حقيقيين كانوا يحملون تطلعات ومخاوف، وأن الصمت الذي قتلهم كان اختيارًا واعيًا تكرر في كل محطة مروا بها: اختيار ألّا يُسأل، واختيار ألّا يُرى، وتنظيم الغياب بحيث لا يُترك أثر يستدعي المساءلة.

كل هذه الأشكال من النبذ التي رسمها الأدب تمتد كذلك إلى الحياة اليومية في صور أكثر هدوءًا وأقل قابليةً للتسمية. فتجربة المهاجر مثلًا، تُضيف إلى ما سبق بُعدًا جغرافيًّا ولغويًّا يُكثّف الآلية كلها في جسد واحد يحمل تاريخين؛ إذ إن المهاجر يحمل في جسده، وفي لكنته، وفي اللحظات التي يضحك فيها على شيء لا يضحك عليه أحد ممن حوله، تاريخًا كاملًا لا يُرى ولا يُسمع في المجتمع الجديد الذي يريد منه أن يبدأ من الصفر، كأنه وُلد في لحظة وصوله. فالمجتمع الجديد يحمل صورة جاهزة عمّا ينبغي أن يكون عليه المهاجر المقبول، صورةً تجمع بين الامتنان والامتثال والسرعة الكافية في الذوبان، وأيُّ مهاجر يخرج عن هذه الصورة يجد نفسه أمام سؤال يُطرح عليه بأشكال مختلفة ومن جهات متعددة: لماذا لم تندمج بعد؟ وهذا السؤال ينطوي في داخله على حكم مسبق مفاده أن عدم الاندماج فشل شخصي، لا استجابة طبيعية لوضع مُركّب. وما يجعل تجربة المهاجر فريدة في سياق النبذ هو ما أسماه هومي بابا «الفضاء الثالث»، أي تلك المنطقة التي لا تنتمي إلى هنا ولا إلى هناك، والتي تُنتج بدلًا من الانتماء المزدوج، غيابًا مزدوجًا. فالمجتمع الأصلي يرى في المهاجر أنه تغيّر ولم يعد ينتمي على النحو الصحيح، بينما يرى فيه المجتمع الجديد أنه لم يُصبح بعد ما ينبغي له أن يُصبحه. وبين هذين الحكمين يُمضي المهاجر وقتًا طويلًا في حالة من التفاوض المُرهق مع صورته عن نفسه، محاولًا أن يقرر أيَّ أجزائه يحتفظ بها، وأيَّها يُعدّل، وأيَّها يُخفي، وفي أي سياق. وهذا التفاوض المستمر يستهلك طاقة هائلة لا يعرف وجودها من لم يمرّ به، طاقةً تُصرف في إدارة الهويات المتعددة، وفي ترقّب ردود الفعل، وفي الترجمة المستمرة، لا بين اللغات فحسب، بل بين طرائق الوجود أيضًا. ذلك أن اللغة الأولى التي فكّر بها، وحلم بها، وأحبّ بها، تحمل تفاصيل الداخل الأكثر حميمية، بينما تظل اللغة الجديدة، التي قد يُتقن قواعدها، وربما يُتقن أسلوبها أيضًا، لغةَ الخارج في كثير من الأحيان؛ مسافةً ليست جهلًا ولا رفضًا، لكنه شيئًا أشدَّ عسرًا على التسمية، لأن الانتماء الحقيقي يحتاج إلى ذاكرة مشتركة تبدأ من الطفولة، وهذا ما لا يستطيع المهاجر البالغ أن يصنعه مهما بذل من جهد. والشخص الذي نشأ مختلفًا في مجتمعه الأصلي قبل أن يُهاجر يحمل معه، حين يهاجر، طبقتين من الخبرة مع النبذ، لا طبقة واحدة؛ فهو قد عرف الشعور بعدم الانتماء قبل أن يغادر، وحين يصل يجد أن الأنماط التي يعرفها تتكرر في صور مختلفة. وما يجمع إذن الخروف الأسود في الأسرة، والمنبوذ في المجتمع، والمهاجر في البلد الجديد، هو شيء واحد يصعب تسميته من دون أن تبدو التسمية أصغر منه: الشعور بأن الوجود نفسه يحتاج إلى تبرير مستمر، وأن الحضور في الغرفة ليس أمرًا طبيعيًّا، بل شيء يجب استحقاقه في كل مرة وإثباته من جديد. وهذا الشعور يترك أثره في طريقة المشي، وطريقة الكلام، وطريقة شغل المساحة، وفي الكيفية التي يُقلّص بها الشخص حضوره حين يدخل غرفة، وفي الطريقة التي يعتذر بها قبل أن يطرح سؤالًا، وفي الحاجة المتكررة إلى التحقق من أن وجوده مقبول قبل أن يُقدم على أي شيء.

لا تحتاج الجماعة إلى أن تُحب من تنبذه، ولا إلى أن تكرهه كرهًا صريحًا وفاعلًا؛ يكفيها أن تُقرر ألّا تراه كاملًا، وأن تُبقيه في هامش الرؤية، حيث يمكن استحضاره حين تُحتاج إليه الجماعة لكي يؤكد شيئًا عن صورتها الذاتية، ويُغفل في بقية الوقت. وهذا الإغفال الانتقائي هو ما يجعل النبذ الناعم أشد فتكًا من العداء الصريح، لأن العداء الصريح يُحدد الخصم ويُتيح له موقعًا يمكنه أن يدافع عن نفسه انطلاقًا منه، أما الإغفال الانتقائي فيترك الشخص في حالة من الضبابية الدائمة، فلا يعرف إن كان ما يشعر به حقيقيًّا أم مبالغًا فيه، ولا إن كان ما يحدث له نمطًا متعمدًا أم مجرد سلسلة من الصدف المؤسفة. وهنا تطرح غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك، المفكرة الهندية التي تُعدّ من أبرز منظّري ما بعد الاستعمار، سؤالها الشهير: «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» وهو سؤال لا يتناول القدرة الجسدية على إصدار الصوت، غير أنه يمسّ شيئًا أعمق وأكثر إزعاجًا: هل يستطيع من هُمّش ونُبذ أن يُنتج خطابًا يُسمَع ويُعترف به ويُؤخذ على محمل الجد داخل المنظومة التي أقصته أصلًا وصاغت شروط صمته، أم أن هذه المنظومة نفسها هي التي تُحدد ما يُعدّ كلامًا مشروعًا يستحق الإنصات، وما يُعدّ مجرد ضجيج عاطفي أو شكوى شخصية لا ترقى إلى مستوى الخطاب الحقيقي؟ ويظل هذا السؤال مفتوحًا ومقلقًا في جميع السياقات التي استعرضناها، لأن من يكتب اليوم عن تجربة النبذ من الداخل يجد نفسه أمام مفارقة عسيرة: فاللغة التي يكتب بها، والمنابر التي يكتب فيها، كلها تنتمي إلى منظومة لها معاييرها الخاصة في ما يُعدّ تحليلًا مشروعًا، وما يُعدّ مجرد شكوى شخصية. وكثيرًا ما جاء أعمق ما كُتب عن ظاهرة النبذ على يد أشخاص كانوا يكتبون، في الوقت نفسه، عن أنفسهم، وعن سنوات أمضوها يتساءلون لماذا لا يشبهون أحدًا، قبل أن يكتشفوا أن هذا السؤال نفسه كان أصدق سؤال يمكن أن يُطرح.

ثمة إذن سؤال يظل معلّقًا في نهاية هذا التحليل كله، ويصعب على أي نظرية أن تُجيب عنه إجابةً كافية، وهو: ماذا يحدث للشخص الذي عاش طويلًا في موقع الخروف الأسود، ثم أدرك ما حدث له، وأدرك أن العطب لم يكن فيه، وأن الدور الذي أُسند إليه كان يلبي حاجة الجماعة، لا حقيقته هو؟ هذا الإدراك يأتي في الغالب متأخرًا، بعد سنوات من التشكّل في ضوء تعريف لم يختره، وهو إدراك لا يُشبه النصر، لأنه يكشف في الوقت نفسه عن الثمن الذي دُفع في غيابه: كل علاقة بُنيت على افتراض العطب الشخصي، وكل قرار اتُّخذ من داخل هوية مشوَّهة، وكل صوت خُفِّف أو أُخفي كي لا يُزعج من حول الشخص أكثر مما هم منزعجون منه أصلًا. والمشكلة أن هذا الإدراك لا يُعيد السنوات، ولا يمحو ما ترسّخ، غير أنه يفعل شيئًا أكثر تعقيدًا: إذ يجعل الشخص يرى، ببطء، أن ما ظنه طبيعته لم يكن سوى تكيف، وأن ما ظنه عيوبه كان في كثير من الأحيان، الأجزاء الأكثر صدقًا فيه، تلك التي رفضت أن تنسجم مع ما طُلب منها أن تكونه.

من يعيش في موقع الخروف الأسود لسنوات طويلة يطوّر علاقة شديدة التعقيد مع الانتماء ذاته؛ فهو يريده ويخشاه في الوقت نفسه، على نحو لا يستطيع دائمًا أن يفسّره لنفسه أو لمن حوله. يريده لأن الحاجة إلى الانتماء حاجة أولية لا تختفي مهما تعرّض الإنسان للرفض، ويخشاه لأن كل تجربة انتماء سابقة انتهت إلى ذلك الاكتشاف المؤلم: أن القبول كان مشروطًا، وأن هذا الشرط يُسحب في اللحظة التي يتوقف فيها عن أداء الدور المطلوب. ولهذا يميل كثير من «الخراف السوداء» إلى صنع مسافة وقائية تسبق الرفض نفسه؛ أن يكونوا أول من يبتعد قبل أن يُبعَدوا، وأن يُفسّروا الصمت العابر بوصفه بداية الإقصاء المعتاد، وأن يُعسّروا على أنفسهم الثقة حتى حين تكون ممكنة وآمنة. وهذا التأهّب الدائم، الذي قد يبدو من الخارج برودًا أو كبرياءً أو عدم اكتراث، ليس في حقيقته إلا نظام حماية بنته سنوات من التعلّم القاسي أن الانتماء قد يُنتزع فجأة، وأن الأفضل هو أن يكون المرء مستعدًّا لذلك دائمًا.

العلاقة مع الغضب عند الخروف الأسود علاقة خاصة ومُنهِكة، لأن الغضب من موقع المنبوذ يأتي دائمًا محفوفًا بخطر مضاعف: فالغضب العادي يُقلق الجماعة ويستدعي ردود فعل دفاعية، أما غضب المنبوذ فيُعيد تأكيد التصنيف الذي وُضع فيه، ويُستخدم دليلًا على أنه «صعب» أو «عدواني» أو «غير قادر على الاندماج»، فيجد نفسه أمام خيار ظالم بين أن يُعبّر عمّا يشعر به، فيمنح الجماعة ذريعة إضافية، وبين أن يبتلع ما يشعر به ويواصل أداء الدور المطلوب. وكثيرون يختارون هذا الابتلاع زمنًا طويلًا جدًّا. فيُتقنون فن إخفاء الألم خلف كفاءة مفرطة، أو خلف دعابة تُحوّل كل ما هو مؤلم إلى نكتة قابلة للتداول، غير أن هذا الإخفاء يكلّف أكثر مما يبدو، لأنه يحتاج إلى طاقة مستمرة لإدارة الفجوة بين ما يُحَسّ في الداخل وما يُعرَض في الخارج، وهي طاقة تُستنزف دائمًا من شيء آخر.

ربما كان الأشد غرابةً في نفسية الخروف الأسود، أنه في بعض الأحيان، يُدافع عن الجماعة التي تُقصيه، ويُبرر سلوكها، ويجد لها الأعذار، ويُؤجل الاعتراف بما يحدث له إلى ما بعد الوقت اللازم بكثير. وهذا الدفاع لا ينبع من غباء أو ضعف، لكن من حاجة نفسية عميقة إلى الاعتقاد بأن الجماعة التي ينتمي إليها، أو يريد أن ينتمي إليها، جماعة عادلة، وأن ما يحدث له استثناء لا قاعدة، وأن الأمور ستتحسّن إذا تحسّن هو نفسه. وهذه القناعة تمنحه القدرة على الاستمرار، لكنها في الوقت نفسه، تُبقيه في مكانه أكثر مما ينبغي، وتُعيق قدرته على رؤية النمط الذي يتكرر. أما الخروج من هذا النمط، حين يحدث، فلا يكون في الغالب، قرارًا واعيًا ومدروسًا، بل يكون لحظة تراكم، لحظة تصبح فيها الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش أكبر من أن تجسرها أي رواية مُطمئنة. ولعل هذا هو أكثر ما يخشاه المجتمع من الخروف الأسود حقًّا: ليس اختلافه في الحاضر، لكن في احتمال أن يفهم يومًا ما أن اختلافه لم يكن مشكلة تحتاج إلى حل، وأن السنوات التي أمضاها محاولًا إصلاح نفسه، كانت في الحقيقة طاقة كان يمكن أن تتجه إلى مكان آخر مختلف تمامًا.

لكن حين يصل الخروف الأسود إلى هذه اللحظة، لحظة التوقف عن الرغبة في الانتماء إلى جماعة لم ترده كما هو، يحدث في الغالب شيء غير متوقع: فهو لا يتحول إلى شخص بارد أو منعزل أو حاقد، كما تحب الجماعة أن تتخيله، لكنه يبدأ في اكتشاف أن الطاقة التي كان ينفقها في إدارة الفجوة بين ما يشعر به وما يعرضه، وفي تبرير من لا يحتاجون إلى تبرير، وفي تصغير نفسه كي يتسع المكان لمن يعتقدون أنهم المعيار، هذه الطاقة كلها تصبح متاحة فجأة لشيء آخر. كما أن التحرر من الرغبة في الانتماء ليس انتصارًا خالصًا ولا نهاية سعيدة مرتبة، لكنه أشبه بفضاء ينفتح ببطء، فضاء يستطيع فيه الشخص للمرة الأولى أن يتساءل: «من هو؟» خارج التعريف الذي أعطته إياه الجماعة، وأن يسمع الإجابة من دون أن يقيسها بمعيار طُلب إليه أن يتبناه من غير أن يختاره.

عبر التاريخ كله كانت الخراف السوداء هي التي غيّرت الأشياء الجوهرية في كيفية تفكير البشرية في نفسها، لأن من يقف خارج الإجماع هو وحده من يستطيع أن يرى الإجماع كما هو، وأن يُلاحظ ما يُفترض بالجميع أن يتجاهلوه، وأن يسأل عمّا يُفترض بالجميع أن يعدّوه سؤالًا غير لائق. فسيمون دو بوفوار، حين كتبت «الجنس الآخر»، كانت تكتب من داخل مجتمع لم يكن يريد سماع ما تقوله، وفريدا كالو، حين رسمت جسدها المكسور والمختلف، كانت تُصرّ على لغة بصرية لم يعرف أحد في زمانها كيف يتعامل معها، وكوبرنيكوس، حين أعلن أن الأرض تدور حول الشمس، كان يُفكّك يقينًا جمعيًّا كاملًا في مواجهة سخرية من كانوا يعدّون أنفسهم أهل العلم والمعرفة، وابن رشد، حين أصرّ على تفسيراته في مواجهة الإجماع الفقهي، دفع ثمنًا شخصيًّا باهظًا مقابل فكرة لم تُثمر إلا بعد وفاته بقرون. وهؤلاء جميعًا كانوا في زمنهم خرافًا سوداء في القطيع المحيط بهم، يحملون ما يحملونه من ثمن الوقوف خارج الإجماع. وما وصل إلينا من أفكارهم لم يصل لأن الجماعة رحّبت بهم، بل وصل رغم أنها لم تفعل، وأحيانًا لم يصل إلا بعد أن أمضوا حياتهم كلها في ذلك الهامش الذي لم يكن يُعترف به. والمجتمعات التي لا تُنتج خرافًا سوداء، أو التي تسحق كل من يبدو مختلفًا قبل أن يستطيع الكلام، هي مجتمعات تضمن استقرارها الراهن على حساب قدرتها على التغيّر حين يصبح التغيير ضرورة. وحين يحين ذلك، تكتشف أنها لا تملك اللغة، ولا الأدوات، ولا الأشخاص الذين كان يمكن أن تبني بهم ما تحتاج إليه، وتجد نفسها تبحث عن صوت يقودها إلى الأمام، فلا تجد سوى صدى ما كانت تقوله دائمًا.