The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

بيت العائلة المتوتر والإبداع

146

  • إقبال عبيد
    كتابة

    إقبال عبيد

    كاتبة ومترجمة مختصة في مجال الترجمات والنشر
  • آلاء حسانين
    مراجعة وإخراج وتصميم

    آلاء حسانين

    شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا

لا تُعدُّ العائلة مجرد خلفية اجتماعية للإنسان، لكنها البنية الأولى التي يتشكّل فيها وعيه ومعرفته وخياله ونظامه النفسي، وأي تغيير في هذه البنية يترك أثرًا طويل المدى، قد يكون نموًّا وثراءً، وقد يكون جرحًا مُحفِّزًا، وقد يكون الاثنان معًا في الوقت نفسه.

من الناحية النفسية، العائلة هي المكان الذي يتعلّم فيه الإنسان كيف يُحِب، وكيف يخاف، وكيف يُعبِّر عن ذاته أو يكبتها. الطريقة التي يُستقبل بها الطفل: هل يُنصَت إليه أم يُقاطَع، هل يُكافَأ فضوله أم يُعاقَب، هل يُسمَح له بالخطأ أم يُخجَل منه، تصبح لاحقًا نموذجًا داخليًا يرافقه في التفكير والإبداع والعلاقات. لهذا نرى أن كثيرًا من المبدعين إمّا نشؤوا في بيئات مُحفِّزة على السؤال والقراءة والخيال، أو في بيئات خانقة دفعتهم إلى خلق عالم بديل عبر الكتابة أو الفكر. في الحالتين، العائلة شكّلت المسار.

معرفيًّا، العائلة تحدد مبكرًا علاقة الإنسان باللغة والمعنى. بيتٌ يُقدِّر النقاش ويحتمل الاختلاف يُنتج عقلًا واثقًا بالأسئلة، بينما بيتٌ يقوم على الطاعة الصامتة قد يُنتج عقلًا خائفًا، لكنه أحيانًا يتحوّل لاحقًا إلى عقل ناقد ومتمرّد. هنا يظهر ما يمكن تسميته التغيير النوعي: فالعائلة لا تحدد النتيجة النهائية، لكنها تحدد نقطة البداية، والانحراف عن هذه النقطة، سواء بالامتداد أو بالمقاومة، هو ما يصنع الثراء المعرفي لاحقًا.

أما إبداعيًّا، فالعلاقة وثيقة إلى حدٍّ يصعب فصله. الإبداع غالبًا هو استجابة لفراغ عاطفي، أو محاولة لترميم خلل في التواصل، أو سعي لبناء هوية مستقلة عن العائلة دون إنكارها. كثير من الكتّاب والفلاسفة لم يبدعوا لأنهم عاشوا طفولة مثالية، بل لأنهم عاشوا توترًا مبكرًا جعلهم أكثر حساسيةً للعالم وأكثر حاجةً إلى التعبير. العائلة هنا لا “تمنح” الإبداع مباشرة، لكنها تخلق شرطه النفسي.

هل يشكّل هذا تغييرًا؟

نعم، لكنه ليس تغييرًا بسيطًا أو خطيًّا. العائلة لا تزرع فكرة بعينها ثم نراها لاحقًا في كتاب أو فلسفة، غير أنها تُشكِّل بنية الاستقبال نفسها: كيف يفهم الإنسان الألم، كيف يواجه الفشل، كيف يتعامل مع الوحدة، وكيف يمنح المعنى لتجربته. هذه البنية هي التي تجعل شخصًا ما قارئًا عابرًا، وتجعل آخر مفكرًا عميقًا أو كاتبًا لا يستطيع التوقف عن الكتابة.

الأهم أن تأثير العائلة ليس قدرًا مغلقًا. فبعض الناس ينمون معرفيًّا لأن العائلة دعمتهم، وبعضهم ينمون لأنهم اضطروا إلى تجاوزها. في الحالتين، العائلة كانت نقطة التحوّل. التغيير الحقيقي لا يكمن في كون العائلة جيدة أو سيئة، لكن في كيفية تفاعل الفرد مع أثرها: هل يكرره، أم يعيد صياغته، أم يحوّله إلى معنى أوسع من تجربته الشخصية.

لهذا يمكن القول إن العائلة تشكّل الإنسان، نعم، لكنها لا تحبسه. إنها تضع البذرة الأولى، أما الثراء المعرفي والإبداعي والنفسي، فينشأ حين ينجح الإنسان في فهم تلك البذرة، والاشتباك معها بوعي، وتحويلها، سواء كانت نعمةً أو جرحًا، إلى مصدر نمو حقيقي.

العلاقات العائلية المتوترة في حياة المبدعين ليست هامشًا سيرويًّا يمكن تجاوزه، ولا تفصيلًا نفسيًّا ثانويًّا يُستحضر بدافع الفضول، إنما هي في كثير من الأحيان البنية العميقة التي يتشكّل فوقها الإبداع نفسه، كأن الكتابة والفلسفة لا تولدان من الانسجام، لكن من الشرخ، ومن تلك المسافة المؤلمة بين القرب الجسدي والبعد الوجودي، حيث يكون الآخر، الأب أو الأم أو العائلة، حاضرًا بوصفه جذرًا لا يمكن اقتلاعه، وغائبًا بوصفه علاقة لا يمكن احتمالها.

في هذا السياق، تبدو العلاقة المتوترة بين آرثر شوبنهاور ووالدته يوهانا شوبنهاور مثالًا كاشفًا، لا على فشل العلاقة فحسب، لكن على تحوّلها إلى طاقة فكرية صامتة. فشوبنهاور لم يكن ابنًا متمرّدًا بالمعنى الأخلاقي، ولم يكن أيضًا ضحيةً بسيطة لأم قاسية. كان شوبنهاور عقلًا شديد الحساسية وجد نفسه في بيت لا يتّسع لقلقه وتشاؤمه وحدّته الوجودية، ووجد في والدته، الناجحة اجتماعيًّا والأدبية الحاضرة في الصالونات، نقيضًا كاملًا لرؤيته للعالم بوصفه إرادةً عمياء ومعاناةً لا فكاك منها. القطيعة التي حدثت بينهما لم تكن قرارًا انفعاليًّا، إنما ضرورة نفسية وفكرية، ومع ذلك لم تُنهِ الرابطة الأولى، بدليل تلك الدموع المتأخرة عند اقتراب موت الأم، حيث انهار وهم التحرر الكامل، وبان أن العلاقة لم تُصلَح، لكنها أيضًا لم تُلغَ. تحوّلت إلى جرح صامت ظل يغذّي فلسفة كاملة عن الألم والحرمان.

هذا النمط لا يخص شوبنهاور وحده، فنجد أنه يتكرر بصيغ مختلفة عند مبدعين آخرين، مثل فرانز كافكا، الذي يمكن القول إن أدبه كله خرج من رحم علاقة أبوية مختنقة، علاقة لم تتخذ شكل الضرب أو القسوة الجسدية الصريحة. لكنها أخذت شكل السلطة النفسية الساحقة، حيث يتحوّل الأب إلى معيار دائم للفشل، وإلى صوت داخلي لا يكفّ عن الإدانة. كافكا لم يقطع علاقته بوالده فعليًّا، ولم يدخل في صدام علني معه، لكنه كتب نصًّا استثنائيًّا هو “رسالة إلى الأب”، وهي رسالة لم تُسلَّم، وكأن الكتابة هنا لم تكن وسيلة للإصلاح، بل ربما بديلًا عنه، محاولةً أخيرة لفهم ما لا يمكن تغييره، ولتحويل العجز عن المواجهة إلى نصٍّ يمنح المعاناة شكلًا ومعنى. في حالة كافكا، لا يمكن فصل عوالمه الكابوسية، وشخصياته المذعورة، وإحساسه الدائم بالذنب، عن تلك العلاقة الأولى التي علّمته الخوف قبل أن تعلّمه اللغة.

أما فريدريك نيتشه، فيقدّم نموذجًا مختلفًا، إذ لم تكن علاقته المتوترة مع العائلة قائمةً على أب متسلّط، إنما على أم متديّنة وأخت حاولت لاحقًا السيطرة على إرثه الفكري. نيتشه أدرك مبكرًا أن مشروعه الفلسفي، القائم على نقد الأخلاق والشفقة والدين، لا يمكن أن ينمو في ظل هذا القرب العاطفي الخانق، فاختار المسافة، والقطيعة أحيانًا، لا بدافع الكراهية، لكن بدافع النجاة الفكرية. غير أن هذه القطيعة لم تكن دليلَ برود عاطفي، لكنها كانت ترجمةً فلسفية لصراع داخلي مع الأصل، مع “الأم الأخلاقية” التي تمثّل القيم السائدة، ومع العائلة بوصفها حارسةً للمعنى الجاهز. هكذا يصبح التوتر العائلي عند نيتشه شرطًا لولادة فكرة “الإنسان المتفوق”، لا بوصفه إنسانًا بلا جذور، إنما إنسانًا اضطر إلى أن يقف ضد جذوره ليخلق نفسه.

يأخذ هذا التداخل بين العائلة والإبداع شكلًا أكثر تنظيرًا عند سيغموند فرويد، الذي لم يكتب فلسفةً بالمعنى التقليدي، لكنه أسّس علمًا كاملًا انطلاقًا من التوتر العائلي. فرويد لم يُخفِ أن علاقته بوالده كانت معقّدة، وأن مشاعر الحب والغيرة والخوف التي عاشها في طفولته كانت المفتاح لفهم النفس الإنسانية عمومًا. هنا لا يتم إصلاح العلاقة مع الأب، ولا القطيعة معه، لكن تفكيكه نظريًّا، وتحويل التجربة الشخصية إلى نموذج كوني، وكأن فرويد يقول إن ما لا يمكن حله في البيت يمكن فهمه في المختبر، وما لا يُحتمل عاطفيًّا يمكن تحمّله معرفيًّا.

في تجربة سيمون دي بوفوار، يتخذ التوتر العائلي بعدًا وجوديًّا وجندريًّا، حيث كانت العلاقة مع الأم محكومةً بالخوف والأخلاق والواجب، في مقابل سعي الابنة إلى الحرية والاستقلال. دي بوفوار لم تدخل في قطيعة درامية، لكنها أيضًا لم تبحث عن مصالحة دافئة. دي بوفوار اختارت أن تكتب، وأن تفهم، وأن تعيد تعريف الأمومة والأنوثة والعائلة من موقع نقدي، بحيث يصبح الإصلاح هنا تحريرًا للمفهوم لا للعلاقة نفسها.

ما يجمع هذه النماذج، على اختلاف سياقاتها، هو أن التوتر العائلي لا يظهر بوصفه عائقًا أمام الإبداع، لكنه يظهر بوصفه محرّكًا خفيًّا له. فالعائلة هي أول مكان يتعلّم فيه الإنسان اللغة والسلطة والحب والذنب، وحين تكون هذه العناصر مشوّهة أو متناقضة، يصبح الإبداع محاولةً لإعادة ترتيب العالم، أو على الأقل لإعادة صياغته بلغة أكثر احتمالًا. الكاتب أو الفيلسوف لا يكتب لأنه سعيد، بل لأنه لم يجد في علاقاته الأولى ما يكفي من المعنى أو الأمان، فاضطر إلى أن يصنع معنى بديلًا.

من هنا، فإن السؤال ليس: لماذا كان هؤلاء المبدعون على خلاف مع عائلاتهم؟ بل: كيف تحوّل هذا الخلاف إلى كتابة وفكر وفلسفة؟ الإجابة تكمن في أن الإبداع، في جوهره، ليس احتفالًا بالانسجام، إنما محاولة دائمة لرأب صدع لا يلتئم. بعض العلاقات لا تُصلَح بالعودة، ولا تُنقَذ بالاعتذار، لكنها تظل حاضرة في النص، في الفكرة، في النبرة، وكأن الكاتب يقول للعالم ما لم يستطع قوله في البيت الأول.

هكذا لا تصبح العلاقات العائلية المتوترة فشلًا إنسانيًّا بقدر ما هي شرطٌ وجودي أنتج أعظم الأسئلة وأعمق النصوص، لا لأن الألم جميل، لكن لأن الإنسان، حين لا يجد لغة للحب داخل العائلة، يضطر إلى اختراع لغة جديدة للعالم كله.