The Purple Fox — نكتب من بين الشقوق

نحو خلاص كاذب، أو: ماذا إذا كان “جوكر” مسيحًا ما

46

حجم الخط

ربما يجيبك “تود فيلبيس” لو سألته سؤالي هذا: “أجل، سمعت بذلك، يمكن أن أجيب عليها يومًا”، دائمًا ما يفعل حين تطرح إحدى النظريات عليه، وأخاله يشعر بالرضى لأنه أنتج فيلمًا تجاوز به الصور المعتادة لأفلام الكوميك بوكس وترك خلفه أسئلة كثيرة، وإن شطح بعضها، يتداولها محبو الفيلم حول العالم بحثًا عن الإجابة.

يتأثر صناع السينما عادة بموروثهم الفكري والذي يتضمن خلفيتهم الدينية، انطلاقًا من كونها، ولفترة طويلة، أرضًا مشتركة بينهم وبين متلقي محتواهم، فاستخدموا الإشارات الدينية والترميزات لإيصال أفكارهم، حتى أنهم أسقطوا قصصًا لشخصيات دينية على أبطال أعمالهم في أحيان كثيرة، يكفي فقط أن يتم ذكر “يهوذا” فتتوقع الخيانة تلقائيًا من الشخصية الدرامية التي ربطت بها، تنتظر التوبة حيث تذكر “مريم المجدلية”، أو تتجسد صفاتها هيبةً وصلاحًا وعطاءً وقدسيةً وخلاصًا إذا وجدت أي خيط درامي يصلها بأحد أهم الشخصيات في التاريخ الإنساني “يسوع المسيح”، وهذا تمامًا ما حدث عندما شاهدت “جوكر”.

طريق الجليل/جوثام:

تنبع حاجة شعب ما إلى مُخلص من مأزق يجربه هذا الشعب. كأن يعيش أفراده بينما تتراكم حولهم قمامة، ليست بالضرورة قمامة مخلفات استهلاكهم فحسب، بل قد تكون من مخلفات ظلم اجتماعي/اقتصادي واقع عليهم قد ألقي بها داخل نفوسهم فتراكم بها السواد كتراكم أكياس المخلفات السوداء ذات الرائحة الكريهة في الشوارع. وكلا القمامتين، النفسية والفيزيائية، تحتاج إلى مُخلص يحمل مخلفات الناس عنهم، متحملًا ألم وثقل المهمة ليعيش الشعب حياةً طيبة.

“الموقف خطير فعلًا، هذا الوضع يضر كل سكان المدينة بالتقريب، بغض النظر عن هويتهم أو محل إقامتهم”، قالها مذيع الراديو في الثواني الأولى من شريط الصوت في فيلم جوكر، فقد أضرب عمال النظافة عن العمل في إشارة تصدح بأن “لا مخلصين”، تمامًا كما كان الحال بالجليل أثناء طفولة “المسيح” وقبل عماده على يد “يوحنا المعمدان” إبان عهد هيرودس الكبير ثم ابنيه من بعده، عهد كان من الممكن أن يقتل فيه كل أطفال مدينة لمجرد شعور الحاكم بالغضب، “حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى هِيرُودُسُ أَنَّ الْمَجُوسَ سَخِرُوا بِهِ غَضِبَ جِدّاً. فَأَرْسَلَ وَقَتَلَ جَمِيعَ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَفِي كُلِّ تُخُومِهَا، مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ، بِحَسَبِ الزَّمَانِ الَّذِي تَحَقَّقَهُ مِنَ الْمَجُوسِ.”، أو أن يُؤمَر بقتل جميع وجهاء الأمة لحظة موت الحاكم حتى يغلب حزن الناس على وجهائهم فرحتهم بموت حاكم مجنون. إذن ففي مكان يمكن أن تُقتل فيه بمحض صدفة ستكون مستعدًا لأن تَقْتل كذلك بالصدفة، تَظْلم أو تَبْطُش، فلابد لك من منفذ يخرج منه هذا الضغط الواقع عليك وليس ثمة منفذ أفضل من أن تمارس نفس هذا الضغط على من هو أضعف، لتبدأ دائرة من ظلم القوي للأضعف والغني للأفقر، وصاحب السلطان لمن لا سلطان له. كانت البيئة في الجليل وما حولها مثالية في هذه الحالة لظهور “المسيح”، كما كانت البيئة مثالية في جوثام لظهور “جوكر”. لذا فأنا أظن أنها ليست مصادفة تمامًا أن تكون الجملة الحوارية الأخيرة التي تسبق عنوان الفيلم هي: “أوسعوه ضربًا وخذوا أغراضه فهو ضعيف، لن يفعل شيئًا”، لتسلمنا الجملة إلى لقطة واسعة يتألم في أوسطها “أرثر فليك” بين أكياس القمامة، قبل أن تسد أعيننا مغطية المشهد بالكامل كلمة “جوكر”.

بين الميلاد والعِماد:

لا أحد يعرف يقينًا متى بالتحديد عرف المسيح المتجسد هويته اللاهوتية أي كونه الأقنوم الثاني في الثالوث المقدس، ولكنه حتى عماده ينادى بـ”ابن النجار” نسبة إلى “يوسف النجار”، “وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ بن هالي”. كذلك “أرثر فليك” الذي عاش نفس المدة تقريبًا وهو لا يعرف شيئًا عن هويته إلا أن هذه السيدة التي يرعاها هي أمه. وكمثل ما ربت مريم المسيح على أنه جاء من أجل الناس الذين “لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ” أخبرت والدة “أرثر” ابنها بأنه “خُلق لنشر السعادة في هذا العالم البارد” وأن عليه دائمًا أن يبتسم. أي أنه عليهما أن يسيرا طريقًا ما يتحملا فيه البطش والإيذاء من أجل الشعب أيًا كانت نهايته. طريق ابتداه “يسوع” بتعميد بالمياه الجارية بعد اعترافه بخطيئة الأمة كلها ليتوب الله عليهم ويحميهم من أنفسهم والشيطان، أما “أرثر” فعماده كان بـ”مسدس” في يده ليتوقف عن تصالحه مع ضعفه أمامهم ويحمي نفسه منهم ويضعه بين مطرقة الظلم وسندان الشيطان لينتجا لنا بعد عديد الضربات مسيحًا كاذبًا يسعى نحو خلاص كاذب.

الأكيد أنه في إحدى اللحظات في حياة الرجلين، ستخبر الأم الطفل بحقيقة نسبه إلى من هو “نافذ السلطان والقوة” أو الشخص الوحيد القادر على إصلاح الأمور التي فسدت، ولكن وقع الأمر على كل منهما سيختلف باختلاف طبيعة الأم.

النور والظلام والنجاة من الشرير:

“وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ”، يطلب ملايين البشر ذلك من الله في الصلاة الربانية يوميًا، وهي صلاة أوصى بها “يسوع المسيح” عندما سأله تلاميذه كيف يصلون؟ ولعل ذكر “التجربة” و”الشرير” من المسيح في هذه الصلاة ليس إلا إيمانًا منه بصعوبة هذه وتلك على أبناء الإنسان، فقد مر “المسيح” بثلاثة تجارب من إبليس فوق الجبل بعد تعميده، وتخطاها جميعها، اختبره في الجوع حيث كان المسيح قد صام أربعين يومًا وجاع جوعًا شديدًا بعدها فقال له إبليس: “إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ، فَقُلْ لِهذَا الْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزًا” ليخبره المسيح أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، أي أن يمكن للإنسان أن يعيش بكلمة الله أي يعيش من أجل الخير والحق، ثم اختبره في هويته وما إن كان الله يحبه حقًا، حين طلب منه أن يلقي نفسه من قمة جبل وإن كان ابن الله حقًا فستنقذه الملائكة من أن تحطمه الحجارة، فأجاب المسيح بأن “لا تُجَرّب الرّبَ إلهك” فمحبة الله ليست محل اختبار، ثم اختبره في المجد حيث أصعده إلى جبل عالٍ ووعده بأن يعطيه ملك كل الممالك المسكونة إن سجد له، فرفضه “يسوع” وفارقه الشيطان إلى حين ولكن شيطان “جوكر” لم يفعل.

رقصة تعبيرية بديعة قام بها “خوان فينيكس” تجسد كيف يبدأ تماهي شخص ما مع الشر، انتشاؤه وهو يشعر بالقوة تسري في أوصاله للمرة الأولى، “أنا الآن أملك كل شيء” هذا ما عبرت عنه وقفته فاردًا ذراعيه أمام المرآة. رسب جوكر في اختبار الشيطان الثالث فأعطاه الشيطان ما وعد، قوة ومجدًا، جسد أرثر يحتل الثلث الأوسط من الكادر وهو يسير مختالًا، ويقدم على تقبيل الفتاة التي أعجب بها، فعل شجاع لم يكن ليفعله من قبل. إضاءة القطار التي تتأرجح بين النور والظلام، قطار شهد جريمة “أرثر” الأولى، واشتعال وصفة الأيقوني الذي دفع الحشود المتظاهرة ضد الظلم الاجتماعي ترفع لافتات “جميعنا مهرجون”، ذلك التخبط بين النور/الخير والظلام/الشر هو ما حدث داخل نفس “أرثر” قبل الجريمة. إنها مرحلة الطهي.

قبل أن نصل إلى الاختبار الثالث، اختبر الشيطانُ “أرثر” أيضًا مرتين، وكأنه يشعل تحته النيران تدريجيًا وعلى مهل. اختبره في الجوع حين فُصل من عمله الأول وخُصم راتبه دون أن يعلم السبب، في بَلدةٍ كجوثام من لا يعمل سيموت جوعًا، إلا أنه ضحك، “ليس أمرًا مضحكًا” ولكن لأن ذلك ما يفعله، كما تقول بطاقته التي يحملها، عندما يعجز. ثم اختبره في محبة من حوله وفي أكثر الأشياء التي يحبها هو. فوجد الجميع يتنصل منه، ينتظر الخطأ البسيط لينكل به أشد تنكيل، بل يختلق أكاذيب ليزيد من عذابه إيمانًا بأنه لن يحرك ساكنًا ولن يقدر على دفع الضرر عن نفسه. كانت بداية علامات النضج عندما عرف “أرثر” بخيانة صديقه “راندل” وادعائه الكاذب بأمر المسدس الذي كلفه عمله الذي يحب، لم يضحك، لم تسرقه النوبة المعتادة عندما يعجز عن رد الظلم عنه، ولكنه ضرب زجاج الكابينة برأسه بقوة، علامة على الغضب، ولا غرو أن ملابسه كانت تفضح جزءً من هذا التحول، فكان يرتدي بعض ملابس عمله السابق وبعض ملابس “جوكر” الأيقوني فيما بعد، يضع شعر المهرج المستعار على رأسه ومكياج “جوكر” على وجهه، ويحتضن حقيبة المهرج قليل الحيلة، إلى أن بدأ الشبان الثلاثة في الاحتكاك به، وتقشير هذا المهرج الضعيف عنه، نزعوا عنه الشعر المستعار، ألقوا عدة المهرج بعيدًا، بدأوا في ركله، إضاءة إظلام إضاءة إظلام حتى أظلمت تمامًا، وأضاء بارود المسدس. هذه الرصاصة التي باغتت القتيل وباغتتنا وباغتت حتى “أرثر” نفسه، وأعلنت أخيرًا عن استسلامه للشيطان وتحوله لـ”جوكر”.

هكذا هي الحياة:

وكأن حياته ترفض أن يعود عن المسار الذي اتخذه، أخذت حياة “أرثر” في الاضطراب منذ جريمة مترو الأنفاق. وقعت في يده أوراق تكتبها والدته إلى “توماس واين” العمدة المنتظر وأحد أغنياء جوثام بالغي الشهرة، أخبرته الأم بحقيقة نسبته إلى “واين” الشخص النافذ كما ذكرت، صدقت مريم فيما أخبرت به طفلها فقد حدثه صوت من السماء “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ”، أما “أرثر” فقد أخذته قدماه إلى قصر أبيه المزعوم ليتأكد، لقاء شديد الرمزية جمعه بـ”بروس واين” الذي كان يقف داخل كوخ مضاء بالشموع، يضفي عليه لمعة كأنه كائن نوراني يتحرك بحرية في حديقة القصر الذي يملكه بينما يتحرك “أرثر” خلسةً في الظلام. وعند الحديقة وقف أرثر أمام بابها الحديد كمسجون يحاول أن يلتمس “الضحك” من الابن الحقيقي لواين، سيصبح “بروس” مخلصًا حقيقيًا فيما بعد وستنتهي الجريمة المنظمة في جوثام على يديه. أما “أرثر” فقد صُدم في كل شيء، أمه ليست أمه، وهو ليس ابن “بروس واين”، بالإضافة لكونه “أضحوكة” وليس “مضحكًا” كما يتمنى، أنه يعيش داخل أكذوبة، مسرحية هزلية لا حقيقة بها سوى أنه قتل ثلاثة شبان وأصبح رمزًا للفوضى. أخذته الحقيقة نحو الأسفل بمنتهى السرعة، كسرعته وهو ينزل السلم حاملًا ملف حالة “بيني فليك”. هطلت الحقائق على رأسه كالأمطار، فنجده داخلًا إلى منزله مبللًا وقد غسلته الحياة من “أرثر” تمامًا.

على عكس ما فعله “يسوع المسيح” مع “يهوذا الإسخريوطي” الذي خانه وباعه بثلاثين من الفضة حين تعامل معه بمنتهى اللين والرفق قائلًا: “أنت إنسان عديلي إلفي وصديقي”، أراد “جوكر” أن ينتقم لـ”أرثر” من خيانة صديقه “راندل” فشكره، شكره على كل شيء “أشكرك راندل، أشكرك بشدة”، فقد كان سببًا في كل ما حدث دون أن يشعر، قبل أن يعالجه بعدة طعنات بالمقص ويهشم رأسه. أكل تلاميذ “يسوع” الخبز كمثالٍ لجسده الذي وزعه على الحاضرين، والخمر عندما أعلن أنه رمز دمه أوضح: “لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا”، أما جوكر فلن يأكل أحد جسده ولن يشرب كائن دمه، فقط أكلوا في الماضي ما يكفي، وحان دوره ليشرب هو من دمائهم تكفيرًا لخطاياهم في حقه.

أنا هو:

يغلب على كل اللقطات التي جمعت “أرثر” والسلم حالة الصعود، يصعد “أرثر” الضعيف المتعب السلم الطويل الذي يبدو ممتدًا إلى الأفق عدا مشهده الأخير مع السلم يهبط إلى الأسفل، بإرادته، راقصًا متزينًا وسعيدًا بما هو مقبل عليه. ركض مستفزًا الشرطيين الذين حاولا إيقافه واستدرجهم إلى نفس مكان جريمته الأولى مترو الأنفاق فمن هنا بدأ كل شيء. حاول الشرطيان تخويف “جوكر” بالمسدس، بادرا بإطلاق النار ولكن في تطبيق حرفي لما قاله المسيح للجند لحظة القبض عليه “كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ” مات، أو كانا على وشك الموت، الشرطيان نتيجة لفعلتهما تلك لإثارتهما غضب الجموع المتظاهرة بقناع “المهرج”، بينما تركهما “جوكر” لمصيرهما وذهب راقصًا إلى مصيره، واضعًا قناع الجوكر على قمة القمامة التي نشأ منها.

عند بداية اهتمامي بالميثولوجيا المسيحية لفت انتباهي تكرار أربعة حروف لاتينية فوق أي أيقونة للمسيح المصلوب “INRI” ثم علمت بعدها أنها الأحرف الأولى من كلمات جملة “IESUS NAZARENUS REX IUDAEORUM” وتعني “يسوع الناصري ملك اليهود”. تساءلت عن السبب وراء رسمها حتى علمت أنها إجابة على سؤال سئل المسيح أثناء محاكمته حيث قيل له: “أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟” وتكررت أربعة مرات وهي التهمة الرئيسة التي أتهم بها ضمن عدة تهم: أنه يفسد الأمة، ويمنع أن تعطى جزية القيصر، ويدعي أنه ملك اليهود.

رغم أن المسيح كان يعلم ما سيحدث منذ اللحظة الأولى للقبض عليه لأنه لابد له من أن يصلب ويموت ويقوم من بين الأموات لتتحقق خطة الله لخلاص البشر، إلا أنه مر بمحاكمة دينية وأخرى سياسية من عدة مراحل بينها محاكمته على يد هيرودس الابن. أثناء هذه المحاكمة تم الاستهزاء به، والسخرية منه، وبعد انتهاء محاكمته ورغم إقرار “بيلاطس” بأنه غير مذنب، أُلبس أكليلًا من الشوك وزيًّا أرجوانيًا، وكانوا ينادونه “بملك اليهود” وهو مساق إلى الصليب. لم يطلب المسيح منهم ذلك بالطبع ولكنهم فعلوا تنكيلًا به. كمثل هذا الزي الأرجواني صمم “أرثر” بنفسه ولنفسه زيًّا مضحكًا ليظهر به على التلفاز أمام جميع سكان جوثام، وطلب بنفسه أيضًا أن يتم مناداته بـ”جوكر” ذات اللقب الذي أطلقه “موري” استهزاءً به وسخرية منه. أي أنه بينما كان المسيح يتحمل السخرية من أجل أن يكفر عن خطايا أهل الأرض، طلب “جوكر” السخرية لينتقم من أهل جوثام، ويجعل موته أكثر قيمة من حياته بانتحاره، كما كان يخطط، أمام الجميع، مخلصًا نفسه من متاعبه.

عبارة “أنا هو” هي عبارة تشير إلى الله في الديانة اليهودية، وللمسيح أقوال كثيرة تبدأ بها، أنه هو خبز الحياة، ونور العالم، وباب الخراف، والراعي الصالح، والقيامة والحياة، والطريق والحق والحياة، والكرمة الحقيقية، وجميعها صفات كريمة، كما أنه واجه بلفظة “أنا هو” الجند حينما جاءوا للقبض عليه. وهو اعتراف جلب عليه عقاب الصلب فيما بعد ولكنها كانت الحقيقة التي يجب أن يعلمها الناس حتى يتم خلاصهم بإرادة الله. كما دفعت حقيقة أخرى “جوكر” إلى أن يعترف أنه من قتل الشبان الثلاثة، لم لا وهو لو كان ميتًا على قارعة طريق لمشى الناس فوقه وتجاهلوه، ليضعهم بفعلته أمام أنفسهم، وأمام صفاتهم الغليظة، فهم لم يعودوا متحضرين والجميع يصرخ في وجه الجميع ولا أحد يضع نفسه مكان الآخر، هذه بضاعتهم ردت إليهم، فكانت “أنا هو” الخاصة بـ”جوكر” هي معكوس الخاصة بالمسيح، أنا هو ما تحصلون عليه عندما تدمجون مريض توحد مع مجتمع يظلمه، يقهره، ويعامله كالحثالة، أنا نتاج كل أفعالكم، أنا هو ما تستحقونه، كان ينوي الانتحار بعد مقولته تلك، ولكن وجد أن “موري” ومن مثله هم أجدر منه بالموت وكأن الرصاصة التي اخترقت رأس “موري” كانت مقصودة بها رأس المجتمع الظالم كله.

الـ”بناشلاين” السطر الأخير من النكتة:

لست بصدد محاولة تفسير ما إن كان “جوكر” محقًا فيما فعل أم لا، وهل كان ذلك هو ما حدث فعلًا أم أنها مجرد ضلالات تضرب عقل مريض نفسي، الأكيد أن قيامته حرًا بين من يعتبرونه رمزًا بعد القبض عليه كانت كقيامة من قام ناهضًا من قبر، فقد حصل “جوكر” بأفعاله كلها خلاصًا من صعابه وحقق لنفسه القيمة التي سعى إليها. كل ما ورد في خاطري بعد انتهائي من كتابتي هذا المقال أني متأكد أننا لن نحصل أبدًا على مسيحٍ آخر يسعى للخلاص لنا من خطايانا ويتحملها عنّا، ولكني أرجو أن لا نحصل على “جوكر” آخر نتيجة لخطايانا نفسها تجاه أي شخص أو تجاه أنفسنا فيسعى صاحبه للخلاص منّا.