
رامي عبدالرازق
في عام 1961 عُرض فيلم «طريق الدموع»، المأخوذ عن قصة حياة أنور وجدي، ليكون بذلك من أوائل الأفلام المصرية التي كسرت حاجز الصمت حول الحياة الخاصة لنجوم السينما. وتوالت بعده الأفلام المأخوذة عن الحياة الشخصية للفنانين، ومع كل فيلم كان الجدل يتصاعد حول طبيعة استغلال السينما للقصص التي تفرزها حياة الأشخاص الذين يمارسونها. فهل كانت تلك الأفلام تأريخًا لهم، أم تطبيقًا للمثل الشعبي المصري القائل: «جحا أولى بلحم ثوره»؟
على مدى سنوات طويلة قبل إنتاج أي فيلم من هذا النوع، اعتادت أطراف كثيرة، معنية وغير معنية، الانخراط في اتهامات ومناقشات ومخاوف وادعاءات تتعلق بحجم الحقائق التي يقدّمها الفيلم، أو بحدود الحرية المسموح بها في تناوله، أو بمستوى التشهير المسبق الذي قد يُستخدم ضمانًا للتنصل من كل ما يمكن أن يثيره الفيلم من تساؤلات أو شائعات حول أبطاله. وبشيء من التدقيق، نكتشف أن المشكلات نفسها ظلت تتجدد كلما برز في الأفق ما يشير إلى أن هذا الفيلم أو ذاك مستوحًى من حياة فنان، أو يحمل اقتباسًا مباشرًا أو غير مباشر من حياته. وهذا ما سنطرحه من خلال محاولة استعراض بعض تلك الأفلام التي ظهرت على امتداد تاريخ السينما المصرية، وكانت مأخوذة من حياة الفنانين الخاصة أو مؤلَّفة على أساسها.
«طريق الدموع» (1961)
قصة وإنتاج: كمال الشناوي وشركاه
بطولة: كمال الشناوي، صباح، ليلى فوزي
السيناريو: السيد بدير
إخراج: حلمي حليم
في مايو 1955، يصل جثمان الفنان أنور وجدي قادمًا من ستوكهولم، لتستقبله في المطار زوجته الثالثة ليلى فوزي، وسط حزن مروّع على رحيله المبكر عن عمر يناهز 51 عامًا. وبعد هذا التاريخ بنحو أربع سنوات، يقرر الفنان كمال الشناوي، الذي كانت تربطه بأنور وجدي علاقة صداقة، أن ينتج فيلمًا عن حياة هذا الفنان المكافح وأن يقوم ببطولته؛ ذلك الفنان الذي بدأ من الصفر حتى أصبح واحدًا من ألمع نجوم السينما المصرية. ويشرع كمال الشناوي في البحث عن القصص والتفاصيل من أفواه الذين عاشوا مع أنور وجدي، وتستغرق عملية الإعداد أكثر من ثلاث سنوات. لكنه يبدأ في تلقي إنذارٍ تلوَ إنذار من ورثة أنور وجدي، يطالبونه فيه بالتراجع عن هذا المشروع، أو يهددون بالتدخل لوقف عرض الفيلم إذا تم تصويره، حتى يصل عدد الإنذارات إلى أحد عشر إنذارًا. حتى إن والدة أنور وجدي نفسها تتصل بكمال هاتفيًا، باكيةً ترجوه أن يدع ذكرى ابنها يطويها النسيان. لكن الشناوي يقول لها إنه يريد إنتاج الفيلم تخليدًا لذكرى وجدي، بعد أن شعر بأنها تكاد تنطفئ في ذاكرة السينما، مثلما حدث مع كثيرين قبله.
تباينت الآراء التي ذكرتها صحافة تلك الفترة؛ فالبعض قال إن الشناوي لم يكن يريد تخليد ذكرى أنور وجدي بقدر ما كان يريد كشف كثير من سلبياته الشخصية، ولا سيما ما يتعلق بعلاقة الزواج والعمل بينه وبين ليلى مراد. بينما رأى البعض الآخر فيما يفعله الشناوي محاولة وفاء لذكرى صديق ورفيق على درب الفن.
كانت ترتيبات الإنتاج قد بدأت بالفعل، لكن قبل بدء التصوير دعا الشناوي إلى عقد اجتماع حضره جميع العاملين في الفيلم، واتفق معهم على تغيير أسماء الشخصيات حتى تبتعد عن المساس المباشر بحياة أنور وجدي. وكان الشناوي قد عرض على ليلى مراد أن تؤدي شخصيتها الحقيقية، وتوسّط في ذلك مخرج الفيلم حلمي حليم، لكن ليلى رفضت بشدة. ثم طُرح اسم المطربة صباح، لكنها أعلنت تخوّفها من أداء دور ليلى مراد. ولولا تدخل محمود الشافعي، موزّع الفيلم، وهو في الوقت نفسه زوج شقيقة أنور وجدي، لما وافقت؛ إذ اقتنعت بأن الفيلم، لو كان يمسّ حياة أنور وجدي مسًّا مباشرًا وسلبيًا، لما قبل زوج شقيقته أن يتولى توزيعه. وبعد ذلك اتصل كمال بليلى فوزي، التي كانت تنفجر في البكاء كلما حدّثها أحد عن الفيلم، إذ كانت قد أغلقت على نفسها باب الأحزان منذ أن عاد إليها جثمان أنور في نعش خشبي. لكنها في النهاية، وبعد فترة من الاحتجاب، وافقت على أن تؤدي شخصيتها الحقيقية.
الخيط الرئيسي الذي يتناوله الفيلم من حياة أنور وجدي هو خيط الصعود الفني، منذ كان ممثلًا ناشئًا في إحدى الفرق المسرحية يعمل بأجر متواضع، ويحب زميلته الجميلة في الفرقة، ليلى، التي تتزوج فيما بعد من عزيز عثمان، المطرب العجوز الثري. بعد ذلك يندفع وجدي في العمل باجتهاد شديد ليتزوج من ليلى مراد ويشاركها نجاحات مبهرة، ثم يصاب بمرض عضال في الكلى يدفع ليلى مراد إلى طلب الطلاق منه، فيعود إلى حبه الأول، ليلى فوزي، ويتزوجها، ثم يموت وهي زوجته. أما الفيلم، فعلى الرغم من التزامه بهذا الخط التصاعدي، حيث الممثل الناشئ أشرف حمدي، المقابل لأنور وجدي، وحبه لزميلته ليلى، وزواجها من عبد العزيز عدنان، المقابل لعزيز عثمان، ثم زواجه هو بعد ذلك من سامية فؤاد، المقابلة لليلى مراد، ثم إصابته بالمرض وطلاقها منه، فإن صُنّاعه غيّروا النهاية «الأصلية»، فجعلوه يموت من دون أن يتزوج من حبه الأول، خلافًا لما حدث في الواقع. كما جعلوه يموت في مصر، لا في الخارج ثم يعود جثمانه محمولًا. وهكذا كسر الفيلم السياج المضروب حول الاقتباس من الحياة الخاصة للفنانين في مصر، وجعل منها مادة لعمل فني، مهما جاءت تفاصيله مخالفةً للوقائع الحقيقية، وهو ما سوف يتكرر فيما بعد في أكثر من تجربة.
«القبلة الأخيرة» (1967)
إنتاج: عباس حلمي
بطولة: ماجدة، رشدي أباظة، إيهاب نافع
عن قصة: إبراهيم الورداني
سيناريو وحوار: محمد أبو يوسف
إخراج: محمود ذو الفقار
حين وقفت فاتن حمامة أمام عمر الشريف في مشهد النهاية من فيلم «صراع في الوادي» لتبادله القبلة، في أول قبلة لها على الشاشة، قامت الدنيا ولم تقعد. فقد كانت فاتن ترفض دومًا أن يقبّلها ممثل قبلة مباشرة في أي فيلم، مهما كانت أهمية القبلة بالنسبة إلى الدراما، لكنها استجابت هذه المرة، وللمرة الأولى، لرغبة يوسف شاهين في تصوير هذه القبلة. وبعدها أصبحت قصة الحب التي جمعت بين فاتن وعمر حديثَ الوسط الفني والجمهور الذي كان يتابع هذه النجمة البراقة وذلك الممثل الصاعد. وبعد سنوات، تم زواجهما بالفعل. ثم ذهب كاتب السيناريو إبراهيم الورداني إلى المنتج عباس حلمي، وعرض عليه قصة فيلم «القبلة الأخيرة». وحين بدأ الإعداد للفيلم، انطلقت الشائعات، وسرعان ما تحولت إلى يقين واسع بأن هذا الفيلم مستوحًى من قصة فاتن حمامة وعمر الشريف والمخرج عز الدين ذو الفقار، الذي كان زوجًا لفاتن حمامة لسنوات قبل أن تنفصل عنه وتتزوج عمر الشريف.
نفى إبراهيم الورداني أن تكون قصة الفيلم مأخوذة عن هذه الحادثة، وقال إنه استوحاها من حكايات كثيرة حدثت في الوسط الفني. واستدلّ بقصة حسين فوزي ونعيمة عاكف، وبقصة محمود ذو الفقار، مخرج الفيلم نفسه، ومريم فخر الدين. فكم من مخرج شهير اكتشف ممثلة، وصنع منها نجمة، ثم تزوجها، قبل أن تنشب بينهما خلافات تدفعها إلى طلب الطلاق والزواج من رجل آخر؟
وقد نفى محمود ذو الفقار نفسه أن تكون تلك هي قصة أخيه الراحل عز الدين، على الرغم من إجماع كثيرين على أنه تعمّد أن يصنع من رشدي أباظة، بطل «القبلة الأخيرة»، صورةً من عز الدين، في شخصيته ولوازمه وحتى في ملامحه المميزة. أمّا ماجدة الصباحي، بطلة «القبلة الأخيرة»، التي كانت أكثر المتضررات من هذه المقارنة، فقد رفضت الاعتراف بأنها تؤدي دور منافستها الأولى آنذاك، فاتن حمامة، رغم أن أفيش الفيلم نفسه حمل جملة دعائية تبدو، في ظاهرها، تلخيصًا للفيلم، وفي باطنها مكايدةً قاسية: «القبلة التي دمّرت حياة مخرج كبير».
يجدُ المتأمل في مشاهدة الفيلم أنه مبني على حادثتين رئيسيتين: الأولى اكتشاف يوسف شاهين لعمر الشريف ممثلًا صاعدًا أمام نجمة هي فاتن حمامة، والثانية طلاق فاتن من عز الدين ذو الفقار بعد ذلك، ثم زواجها من عمر الشريف، الذي كان قد فسخ خطوبته هو الآخر أثناء تصوير فيلم «أيامنا الحلوة». وقد امتزجت هاتان الحادثتان في سيناريو الفيلم، الذي قالت عنه الصحافة وقتها إنه أغرب فيلم في تاريخ السينما المصرية.
كانت فاتن، وقتها، قد سافرت في منتصف الستينيات إلى خارج مصر للحاق بعمر الشريف، بعد أن بدأ نجمه يلمع بوصفه أحد الوجوه الجديدة في هوليوود. ولم تتحدث عن هذا الفيلم، أو تدلِ بأي تصريح بشأنه. وجاءت قصة الفيلم شديدة التطابق مع هذا الواقع، باستثناء عملية الدمج التي حدثت، إذ صار اكتشاف الممثل الصاعد يتم على يد المخرج نفسه الذي كان زوجًا للنجمة الشهيرة. ومع تفانيه في عمله واستغراقه في إبداعه وفنه، تنشأ قصة الحب بين الممثل الصاعد والنجمة، لتنتهي وقد علم المخرج بالأمر واستسلم للقدر، تاركًا زوجته الأولى، الممثلة، إلى زوجته الثانية: الكاميرا؛ إذ ينتهي الفيلم بمشهد له وهو يقف إلى جوارها، كأنها مجده كله وحياته بأسرها.
«حافية على جسر من ذهب» (1977)
إنتاج: شركة الأفلام المتحدة ــ مخلص الشافعي
بطولة: حسين فهمي، ميرفت أمين، عادل أدهم
عن قصة: إبراهيم الورداني
سيناريو: عبد الحي أديب
حوار: رؤوف حلمي
إخراج: عاطف سالم
القطة التي أكلتها النار
مرة أخرى يبرز اسم إبراهيم الورداني مقترنًا بواحدة من أشهر قصص الوسط الفني في مصر: حكاية كاميليا، أو ليليان كوهين، الممثلة الفاتنة التي برزت في عدد من أفلام الأربعينيات، وانتهت حياتها بشكل مأساوي حين تحطمت الطائرة التي كانت تستقلها إلى سويسرا عام 1950، ولم تكن قد تجاوزت الحادية والعشرين من عمرها. ومن بين ما تردّد عن حياتها أن كاميليا لم تكن يهودية، بل كانت ثمرة علاقة بين أمها وتاجر إيطالي، وأن أمها نسبتها إلى رجل يهودي. كما قيل إنها لم تلتقِ الملك فاروق سوى مرة واحدة، غير أن هذه الرواية لا يمكن الجزم بها. فإذا نظرنا إلى طبيعة نزوات الملك فاروق، وأضاف المرء إليها جمال كاميليا الآسر، ومنافسة المخرج والممثل أحمد سالم لفاروق، في ذلك الوقت، على استمالة النساء الجميلات، لتوقفنا طويلًا قبل أن نحكم بعدم صحة الحكاية التي ربطت كاميليا بفاروق وأحمد سالم.
كان إبراهيم الورداني قد كتب رواية استوحى منها هذه الحكاية بعنوان «حافية على جسر من ذهب»، وأضاف إليها كثيرًا من خياله. وكان من المفترض أن يذهب بها إلى عباس حلمي، الذي أنتج له من قبل «القبلة الأخيرة»، لكن المنتج مخلص الشافعي تحمّس لإنتاجها، ليخرج هذا الفيلم حاملًا كثيرًا من ملامح الرواية المكتوبة، ومحاولًا حشد أكبر قدر ممكن من الإسقاطات على قصة كاميليا وفاروق وأحمد سالم؛ بدءًا من اسم البطلة نفسه، «كاميليا»، وصولًا إلى اللازمة «يا قطة» التي رددها عادل أدهم طوال الفيلم في دور عزيز، بوصفه إحدى شخصيات النفوذ في فترتَي الستينيات والسبعينيات، بما يجعلنا ندرك، بطبيعة الحال، أنه يحيل إلى فاروق وسلطاته المطلقة. وأخيرًا يأتي أحمد سامح، الذي ليس سوى أحمد سالم في صورة أخرى ــ بطل فيلم «الماضي المجهول» أمام ليلى مراد، لمن لا يذكره من أجيال اليوم ــ ذلك المخرج الشاب الوسيم الذي يمثل حلم عشرات الفتيات الشبيهات بكاميليا، الساعيات وراء الشهرة أو الحب.
بالطبع لم يُثِر هذا الاقتباس حفيظة كثيرين وقت إنتاج الفيلم عام 1977، لأن أطرافه كانت قد رحلت بالفعل منذ أعوام طويلة. وهكذا صار الفيلم نوعًا من التعبير شبه السياسي عن مراكز القوى ونفوذها المطلق في فترة الستينيات، من خلال قصة تحمل ميلودراما رومانسية ممزوجة بواحدة من كلاسيكيات الأدب العالمي، «غادة الكاميليا» لألكسندر دوما.
«موت سميرة» (1985)
إنتاج: شركة الأفلام المتحدة ــ مخلص الشافعي
بطولة: كمال الشناوي، رغدة، يوسف شعبان
سيناريو وحوار: نبيل غلام
إخراج: محمد البشير
واقع فاسد.. وسينما أكثر فسادًا
كان شهر ديسمبر من عام 1984 شهرًا حافلًا بالنسبة إلى الصحافة الفنية والجنائية على السواء، فقد كانت قضية وفاة السيدة المغربية «سميرة مليان» في بيت الملحن الشهير «بليغ حمدي» تتصدر العناوين والتحقيقات. وبدأ عدد كبير من منتجي السينما يترقبون هذه القصة لتحويلها إلى فيلم سينمائي، إذ استشعر الجميع في هذه الحادثة المأساوية توليفةً تجمع بين الغموض والمخدرات والجنس والجريمة، وهي من أكثر التوليفات رواجًا ونفاذًا في ذلك الوقت، أي في منتصف الثمانينيات.
لم تكن الحادثة الحقيقية قد حُسمت بعد لا أمام القضاء ولا أمام الشرطة، والمتمثلة في وفاة سميرة مليان في شقة الملحن بليغ حمدي. وقد وُجِّه الاتهام فيها إلى ثري سعودي قيل إن سميرة كانت على علاقة به، كما اتُّهم فيها بليغ حمدي نفسه بتسهيل أعمال غير مشروعة. وكانت الحادثة تضم أيضًا تورط عدد من الشخصيات المصرية والعربية في هذه المأساة، من بينهم شاعرة جزائرية كانت على علاقة بذلك الثري السعودي، ولواء شرطة سابق، ومستشار قانوني. وقيل إن كل ذلك دفع بعض الشهود إلى التكتم على الحقيقة في مواضع كثيرة، حتى يتمكن الثري السعودي من مغادرة مصر، وحينها فقط ظهرت المشكلة الخطيرة بالنسبة إلى مخلص الشافعي، الذي يبدو أن إنتاج الأفلام المأخوذة عن حوادث حقيقية قد استهواه بعد إنتاجه «حافية على جسر من ذهب».
ففي الثمانينيات كانت السينما المصرية تعوّل كثيرًا على أسواق الخليج والسعودية في توزيع الفيديو، وهي أسواق كانت تكفل تغطية تكلفة الفيلم وتحقق له أرباحًا طائلة. وكان معنى أن يكون من أطراف هذه الحادثة شخصيات عربية أن هذه الأسواق لن ترحب بالفيلم مطلقًا، بل ربما لن تسمح بدخوله إليها أصلًا. وهو ما دفع صُنّاع الفيلم إلى الإقدام على أمر شائع في مثل هذه الحالات، هو تمصير جميع الشخصيات المتورطة في الحادثة داخل السيناريو، لكي تصبح الحكاية مصرية خالصـة. وعندئذ بدأ أكثر من رأي يرتفع مطالبًا بوأد الفيلم، لأنه يسيء إلى سمعة مصر في الخارج.
وحين عُرض السيناريو على مديحة كامل لكي تقوم بدور سميرة، رفضته قائلة إنه يشوّه صورة الفنان المصري، ولا سيما بعد تمصير جميع الشخصيات. بينما وافقت رغدة على أداء دور سميرة، وتم استبدال شخصية الشاعرة الجزائرية، التي كانت على علاقة بالثري العربي، بشخصية مطربة مصرية ناشئة (إلهام شاهين) تدفعها أمها إلى استغلال جمالها لبلوغ الشهرة عبر علاقتها بفهمي (يوسف شعبان)، الملحن المشهور الذي يضطر، تحت ضغط الحاجة إلى المال، إلى اللجوء لتنظيم سهرات غنائية للثري عبد الرحمن (كمال الشناوي)، ذلك المليونير الذي لا يكف عن السعي وراء نزواته. وهناك يتعرف الملحن الشهير فهمي إلى سميرة، سكرتيرة المليونير وعشيقته، التي تنهار حين تكتشف زواج هذا المليونير من المطربة الناشئة، فتدمن المخدرات، وينتهي بها الأمر إلى أن تُقتل على يد المليونير في شقة الملحن، ثم يهرب المليونير بعد ذلك إلى الخارج، فيتورط الملحن في جريمة قتل.
بالطبع حاول الفيلم، مع تسطيحه للشخصيات وظهورها في هيئة أحادية البعد، أن يبرئ هذا الملحن أيضًا من دون أسباب مقنعة. كما حاول أن يجعل من هذه الحادثة عبرةً أخلاقية ذات طابع تعليمي، حتى إنه ينتهي بآية قرآنية تأكيدًا لمغزاه الأخلاقي، من غير أن يتورط في أي تحليلات أو آراء خاصة بكل ما تكشفه هذه الحادثة من فساد في واقعنا العربي. أو كما قال الناقد كمال رمزي في مجلة «الموعد» عقب عرض الفيلم: «إن «موت سميرة» يرينا، في النهاية، كيف تموت قضية ساخنة تقتلها شاشة تعكس خوفًا وترددًا».
من الدموع إلى السير الذاتية
مع هبوط منحنى السينما المصرية خلال سنوات التسعينيات، وظهور جيل جديد من صناع السينما لم يعد مهتمًا بصناعة أفلام مأخوذة عن حياة أهل المهنة، توقفت السينما عن إنتاج تجارب مماثلة، إلى أن ظهر فيلم «كوكب الشرق» عام 1999، من تأليف إبراهيم الموجي، وإخراج محمد فاضل، وبطولة فردوس عبد الحميد. وقد تزامن ظهوره مع موضة مسلسلات السيرة الذاتية التي اجتاحت صناعة الدراما في مصر، بالتوازي مع إنجاز الكاتب محفوظ عبد الرحمن والمخرجة إنعام محمد علي مسلسلهما الأشهر «أم كلثوم» في العام نفسه. وهكذا ورثت الدراما التلفزيونية عن السينما الاهتمام بتناول حياة الفنانين وقصصهم طوال السنوات العشر الأولى من الألفية الجديدة. ولم تقدم السينما سوى فيلم واحد مأخوذ عن حياة عبد الحليم حافظ، هو «حليم» عام 2005، من كتابة محفوظ عبد الرحمن أيضًا، وإخراج شريف عرفة. أما فيلم «أول مرة تحب يا قلبي»، من إنتاج 2003، فقد مر مرورًا عابرًا، وهو من بطولة جالا فهمي وإخراج الراحل علاء كريم، مع أنه قيل وقتها إنه مأخوذ عن الواقعة الشهيرة التي عُرفت آنذاك بحادثة «يسرا وأبو الروس»، والتي تورط فيها أحد ضباط الشرطة في احتجاز الفنانة يسرا داخل منزلها.
لم يتمكن المخرج نفسه (علاء كريم) من إنجاز مشروعه عن واقعة اتهام الفنانة الشابة «حبيبة» بقتل زوجها القطري وسرقته، وهي القضية التي حُكم عليها فيها عام 1998 بالسجن لمدة خمسة عشر عامًا. وقيل لاحقًا إنها اعترفت بالجريمة تحت التعذيب، ثم أُلقي القبض بعد ذلك على الجناة الحقيقيين.

كاتب وناقد سينمائي مصري
