ذاكرة

عن التشبيح والرعاية في زمن القسوة الرقمية

آلاء حسانين


منذ أسابيع كنت برفقة زميلة لي، نتمشى في مركز المدينة ونتكلم عمّا هو يومي وعادي، قبل أن نقرر الجلوس في إحدى البارات لنمضي في تلك الحوارات حول الحياة والمخاوف الشخصية والمستقبل الضبابي. وبعد عدة ساعات، احتجت إلى النهوض من أجل استخدام المرحاض، عندها قلت لها: سأترك أغراضي عندك، عديني ألّا تذهبي إلى أي مكان! فضحكت وبدأت بالسخرية من هذا الطقس الصغير بيننا، لأن هذه عادتي؛ أحمل ما يهمني معي أينما ذهبت – مثل الهاتف والمحفظة والبطاقات المهمة – حتى لو كنت ذاهبة للحديث مع البار مان أو استخدام المرحاض لبضع دقائق. أفكر بأن الناس يمكن أن يختفوا، أن أي أحد يمكن أن يتلاشى هكذا ببساطة. استكمالًا لذاك الموقف مع زميلتي، فاجأتني بقولها: أنا لن أذهب لأي مكان، لكن عديني أنك ستعودين! لأنها تعتقد أن الناس ببساطة يمكن ألا يعودوا، أن يذهبوا للداخل لطلب القهوة ثم يبتلعهم الفراغ، أو يسقطوا في زمن آخر لا يعودون منه. عندها ضحكت أنا أيضًا، وكان ضحكنا مُرًا، ضحك على الخوف كي نُصغِّره، ثم تابعتُ: لن يخطفني الفضائيون، وأعدك أن أعود حتمًا.

من يومها وأنا أفكر بأنه قد يكون لديّ صدمة ما إثر تعرضي للتشبيح مرات عديدة. التشبيح، وهو قطع التواصل أحادي الجانب دون تحذير أو تفسير، رافقني منذ وقت مبكر في حياتي، حتى قبل أن ينتشر المصطلح ويصبح مألوفًا لدى الناس. فأول شخص أحببته في مراهقتي، حبًا هائمًا وعميقًا استمر لسنوات، اختفى ذات يوم من حياتي. كانت صداقة عميقة أكثر من كونها علاقة رومانسية، من طرفه أكثر، أما أنا فلم أعرف يومًا كيف أسمّي ما بيننا أو أين تنتهي حدوده. غير أني كنت أعرف شيئًا واحدًا: لا أتخيل يومي دونه. كنا نعيش في قارتين مختلفتين، لكننا نتواصل بشكل يومي وكثيف، حتى استيقظت ذات يوم ولم يكن له أثر، لقد اختفى من كل مكان، حذف كل حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم ذاب، بعد نحو ثلاث سنوات من التواصل اليومي غير المنقطع. أذكر أني كنت في الثانية والعشرين حينها، وكانت هذه أول مرة في حياتي يُشبِّحني شخص ما، بالأخص شخص أحبه. لم أكن أعرف هذا المصطلح في الأساس، لكني أدركت أن شيئًا ما قد انكسر فيّ. أثر ذلك عليَّ كان بالغًا، إذ تضاءلت ثقتي في الناس وفي قدرتي على تكوين صداقات جديدة، وعلى رغبتي في الاقتراب من أحد من جديد. ظللت بعدها لسنوات أراه في كل مكان حولي، في كل الوجوه، ورافقتني كل تلك الأسئلة: ما الذي حدث؟ هل ما يزال على الأقل حيَّا؟ حينها فهمت، للمرة الأولى، كيف يمكن لإنسان أن يصير: شبحًا.​​​​​​​​​​​​​​​​

بعد ذلك بسنوات عديدة، تعرضت للتشبيح مرة أخرى، على يد أقدم صديقاتي هذه المرة. كنا قد التقينا في الجامعة، في تلك المرحلة حيث تبدو الصداقة سهلة كأنها قدر محتوم، وحيث القرب الجغرافي والوقت الفائض والجروح المتشابهة تخلق روابط تبدو غير قابلة للكسر. بعد التخرج، صارت علاقتنا رقمية بسبب انتقالي إلى بلد مختلف، غير أننا ظللنا على اتصال عبر الرسائل والمكالمات اليومية الطويلة. وقتها بدت المسافة بيننا غير مهمة، غير أن شيئًا ما كان يحدث داخل تلك المسافة نفسها: كان كلٌّ منّا يكبر بعيدًا عن أعين الآخر، نتغير بطرق متباعدة، كقطعتين من قارة تنجرفان في اتجاهين متعاكسين. كل لقاء لاحق بيننا كان مليئًا بسوء الفهم، والصمت الذي يكتم الصراع، ومحاولة ردم مسافة صارت فجأة شاسعة. كنا نتذكر من كنا، لكننا لم نعد نعرف من أصبحنا، أو ربما لم يعجَب كل منّا بما أصبح الآخر عليه.

ما حدث بعد ذلك أنها اختفت ذات يوم أيضًا، توقفت ببساطة عن الرد على رسائلي، دون شرح، دون عتاب، دون مشاجرة. ورغم كل التعقيدات التي طرأت على علاقتنا، لم أتخيل أبدًا أنها ستختفي هكذا. التشبيح من طرفها كان محوًا لتلك العلاقة بأثر رجعي، كأن ثماني سنوات يمكن شطبها بمجرد التوقف عن الرد. أخذت وقتًا طويلًا لأتعلم كيف أحمل هذا الجرح دون أن يثقل كاهلي ويسكن جسدي، وحرصت ألا يأكل من احترامي لنفسي. قلت لنفسي: ما فعلته يعكسها، لا يعكسني. لكن الألم ظل حقيقيًا، والشعور بأني لم أستحق حتى جملة وداع كان يعود في لحظات لا أتوقعها.​​​​​​​​​​​​​​​​

جعلني هذا أفكر بالتشبيح في كل سياقاته. في المواعدة، قمت به مرات أكثر مما يريحني الاعتراف به، حين كانت الخيارات تبدو لا نهائية والمحادثات متشابهة وسطحية، حيث كان الاختفاء يبدو الأسهل. كما تعرضت له من آخرين أيضًا مرات عديدة، وفي كل مرة كنت أدرك كم يكون وقع التشبيح قاسيًا. لكن مع الوقت والتدريب والمحاولة، تعلمت أن أرسل رسالة بسيطة، أن أخوض المحادثات الصعبة، ليس لأنني أسعى باستمرار إلى أن أكون إنسانًا أفضل فحسب، لكن لأنني أدركت أن الاختفاء يترك أثرًا فيّ أنا أيضًا، كأنني أخون فكرتي عن الإنسان الذي أودُّ أن أكونه.

في زمننا المعاصر، صار التشبيح نسيجًا من حياتنا اليومية، لا رسالة، لا مكالمة، لا تبرير أو عتاب أو طلب أخذ مساحة. فقط صمت يمتد ويتسع حتى يملأ المكان الذي كان فيه صوت، وأنت تُترك لتفسير ذلك الصمت، لتملأ الفراغ بتخميناتك وشكوكك. إنه فعل بسيط جدًّا في تنفيذه، مدمر في أثره، معقد في دلالاته. نسمع عنه في المواعدة، لكنه يحدث كذلك في الصداقات والعلاقات العائلية وحتى المساحات المهنية. إنه مرآة لطريقة هروبنا مما يصعب قوله، ومن المسؤولية تجاه من أحببناهم، في عصر صار فيه الإنسان نفسه قابلاً للتخلص والاستبدال.

الألم الذي يصيبك حين تُشبَّح ليس عابرًا، تكشف لنا الأبحاث أن الرفض الاجتماعي يُنشّط ذات مسارات الألم في الدماغ التي ينشطها الألم الجسدي، إذ ثمة رابط بيولوجي عتيق بين الرفض والألم، وهذا يفسر لماذا يمكن لاختفاء شخص أن يتركك تشعر بألم حقيقي في صدرك، في كل جسدك. لكن ما يجعل التشبيح مؤلمًا بشكل استثنائي ربما هو الغموض، أكثر من مجرد الرفض. تحتاج أدمغتنا إلى قصص وإلى معنى، وحين لا تجد ذلك تبدأ بصناعته، تستعيد كل محادثة، تبحث عن الخطأ الذي ارتكبته، عن الكلمة التي ربما أفرطت فيها. وفي غياب الإجابات، يتسلل الشك، ويعود بين حين وآخر سؤال: ألم أكن أستحق حتى تفسيرًا؟​​​​​​​​​​​​​​​​

لكن الألم الذي يرافق التشبيح ليس وحده كل شيء، لأن ثمة أربع حاجات أساسية تتعرض للتهديد: إحساسك بالانتماء، بأن وجودك ذو معنى، بالسيطرة على حياتك، واحترامك لذاتك. هذه ليست حاجات ترفية، إنها أسس البقاء النفسي. فالارتباط بالآخرين نشأ أصلًا كضرورة بقاء في التاريخ البشري، ومازالت أدمغتنا تحمل هذا الإرث. حين تُشبَّح، يفقد دماغك مرجعيته الاجتماعية، إذ لا إشارات، فقط فراغ تام. وفي الصداقات، يمكن للتشبيح أن يكون أكثر تدميرًا لأن الصداقات تُبنى على تراكم سنوات من الثقة والألفة، على إحساس عميق بأن هذا الشخص يعرفك. حين يختفي صديق قديم فجأة، تشعر أن كل الماضي المشترك يُمحى، كأن كل تلك السنوات لم تكن ذات قيمة كافية لتستحق محادثة واحدة ولو أخيرة. أشارت دراسات عدة إلى أن نسبة كبيرة من الناس تعرضوا للتشبيح على يد صديق، وأن الألم يمكن أن يكون مساويًا أو أشد مما يحدث في علاقة رومانسية. والمفارقة أن الناس يرونه أمرًا مقبولًا في الصداقات أكثر من غيرها، كأن الصداقة تستحق احترامًا أقل حين يتعلق الأمر بالنهايات.

للتشبيح كذلك، على ما أعتقد، علاقة عميقة بكيفية تفكيرنا في العلاقات. فهناك من يؤمنون بـ”قدرية العلاقات”، أي أن العلاقات إما أن تُكلَّل بالنجاح وإما لا، وإذا لم يكن الشخص الذي يواعدونه هو المنشود، فلا جدوى من بذل الجهد. بالنسبة لهم، التشبيح منطقي تمامًا. أما المجموعة الأخرى فتؤمن بـ”نمو العلاقات”، أي أن العلاقات تُبنى بالجهد والتواصل، وأن الطريقة التي تنتهي بها العلاقة مهمة. أظن أن هؤلاء أقل احتمالًا للتشبيح لأنهم يرون قيمة في التواصل حتى لو كانت النتيجة النهائية الافتراق.

هناك أيضًا بُعدٌ آخر يتعلق بالتكنولوجيا، فالتواصل الرقمي خلق وهمًا بأننا متصلون دائمًا، لكننا في الوقت نفسه صرنا أكثر قابلية للاستبدال. تطبيقات المواعدة، على سبيل المثال، خلقت إحساسًا بأن الخيارات لانهائية، وجعلت الانتقال إلى الشخص التالي سهلًا. المشكلة أن هذه العقلية تتسرب إلى كل علاقاتنا، فنبدأ برؤية الآخرين حتى في حياتنا اليومية كمجموعة خيارات في قائمة لانهائية، مجرد صور على شاشة، ما إن تفقد بريقها حتى تمر إلى ما بعدها. والأخطر أنه حين تقابل أشخاصًا خارج دائرتك الاجتماعية لا توجد عوالم مشتركة ولا أشخاص مشتركون، فيمكنك أن تختفي وكأن شيئًا لم يحدث.

هذه السهولة تأتي بثمن باهظ؛ وجدت بعض الأبحاث أن التشبيح مرتبط بمستويات أعلى من أعراض الاكتئاب والقلق، خاصة عند من لديهم تاريخ من الصدمات. التشبيح إذن ليس هفوة عابرة، إنما فعل له تبعات نفسية حقيقية قد تستمر لأشهر أو حتى لسنوات.​​​​​​​​​​​​​​​​

لكن ماذا عن من يقومون بالتشبيح؟ حين نستمع لقصصهم، تظهر صورة أكثر تعقيدًا. امرأة شبّحت رجلاً لأن وجوده كان يذكّرها بما ينقصها ويُشعرها بعدم الكفاءة. وأخرى شبّحت شخصًا لأنها كانت مفلسة ولم تستطع تحمّل شرح هشاشتها المالية. ورجل شبّح امرأة لأنها تجاهلت حدوده الصريحة فشعر أن كلامه لا قيمة له. وامرأة شبّحت من أحبتها لأن التوتر بين هويتها الكويرية وعائلتها المحافظة بلغ حدًا لا تطيقه. وامرأة كانت تواعد عدة أشخاص ولم تعد تملك الطاقة لإجراء نفس المحادثة الصعبة مرارًا. وامرأة في الستينيات شبّحت لأول مرة لأنها قررت ألا تساوم بعد الآن.

هذه القصص تكشف أن معظم من يقومون بالتشبيح ليسوا وحوشًا على طول الخط، لكنهم بشر أيضًا، يشعرون بالذنب والخوف والإرهاق. يتجنبون المواجهة لأنها تبدو أصعب من الصمت، لأنهم لا يعرفون كيف يواجهون ما يشعرون به. يمكن أن نقول، إن أحسنَّا الظن، أن التشبيح في معظم الحالات لا يحدث رغبة في الإيذاء، ولكنه قد يحدث هربًا من الانزعاج. ورغم أن هذا لا يبرره، فإنه يساعدنا على فهم أنه غالبًا ينبع من عدم النضج العاطفي لا من القسوة المتعمدة. دون أن ننسى أنه قد يحدث أحيانًا بدافع الانتقام أو الرغبة في إذلال الآخر والمساس برؤيته لنفسه.

غير أن ثمة حالات يكون فيها التشبيح ضروريًا تمامًا. في العلاقات السامة أو المسيطرة أو المسيئة، حين تُرفض كل محاولات وضع حدود وحين تشعر بالخطر، يكون الاختفاء التام ربما الطريقة الوحيدة الآمنة. يُعرف في علم النفس مفهوم “عدم الاتصال”، ويُستخدم تحديدًا في حالات الإساءة، لأن بعض الأشخاص غير قادرين على احترام الحدود، فإن محاولة إنهاء العلاقة بالطريقة المعتادة غالبًا ما تُفضي إلى مزيد من الأذى.

المشكلة أن التمييز بين التشبيح كحماية ذاتية والتشبيح كتجنب للمسؤولية غالبًا ملتبس حتى على من يقوم به، لأن ثمة منطقة رمادية واسعة يختلط فيها الخوف المشروع بالتجنب غير المبرر. وهنا تكمن الأزمة، إذ لا قواعد اجتماعية واضحة لدينا حول ما هو مقبول. الصداقات والمواعدة العابرة تفتقر للوضوح. والتكنولوجيا جعلت هذا الغموض أسوأ، فقد خلقت توقعات متناقضة؛ من جهة نحن متاحون دائمًا، ومن جهة أخرى لا أحد ملزم بأي شيء تجاه أحد.

لكن ماذا لو كان هناك طريق ثالث؟ ماذا لو أمكننا أن نكون صادقين ومحدودين وفي الوقت نفسه دافئين ومحترمين؟ أفكر في صديقة أدركت بعد موعد أول جميل أنها لا تشعر بالشرارة الرومانسية، فجلست تكتب رسالة صادقة ومدروسة، شرحت فيها أنها استمتعت لكنها تفضّل أن يبقى ما بينهما في حدود الصداقة. جاء الرد دافئًا ومُقدِّرًا، وانتهى كل شيء بطريقة تركت كليهما يشعر بأنه رُئي واحتُرم كإنسان، لا كمجرد خيار آخر قابل للحذف.

في المقابل، أرسلت صديقة أخرى رسالة واضحة عوضًا عن الاختفاء المفاجئ، حين شعرت أنها لا تريد الالتزام كليًّا مع الشخص الذي بدأت بمواعدته. غير أنه لم يرد، ربما شعر بالضيق أو الرفض، أو رأى في صمته نوعًا من رد الاعتبار. لكنها شعرت بالراحة رغم ذلك، لأنها فعلت ما تظنه صحيحًا. هذا التوتر بين ما نعرف أنه الصواب وما نشعر أننا قادرون عليه هو صميم الأزمة. معظمنا يعرف أن الصدق أفضل، لكن في اللحظة ذاتها نبدأ بالشعور بثقل هائل، بخوف من ردة الفعل، أو بعجز عن تحمّل الانزعاج العاطفي. حينها نختار الصمت أو الاختفاء، ثم نُقنع أنفسنا بأنه الأفضل، رغم أنه في الغالب أشد إيذاءً.​​​​​​​​​​​​​​​​

هناك شيء نادرًا ما نتحدث عنه: حين نقوم بالتشبيح، نحن نؤذي شيئًا ما في أنفسنا. لأنه كلما اخترنا التجنب على المواجهة، نخون قيمنا قليلًا، نصبح أقل مما نعرف أننا عليه. فحين نشبّح الآخرين، نشبّح أنفسنا أيضًا. نصبح نحن أشباحًا، نعيش في المنطقة الرمادية بين ما نحن عليه وما نتظاهر بكونه. مهم هنا التحدث عن طريقة الرفض نفسها. كثيرون يبدأون بالاعتذار حين يرفضون الاستمرار مع شخص ما، المشكلة أن الاعتذار يخلق ديناميكية تُتوقع فيها المسامحة، كأن عدم رغبتك في الاستمرار خطأ يستوجب المغفرة. لكن عدم الرغبة في علاقة حق مشروع، وليس خطأ. وما يحتاجه الموقف فعلًا هو الوضوح واللطف. يمكن مثلًا أن نقول: “استمتعت بوقتنا، لكنني لا أشعر أننا متوافقون بالشكل الذي أبحث عنه”. هذا صادق، مباشر، ولطيف.

وماذا عمن تعرضوا للتشبيح؟ الخطوة الأولى: اعترف لنفسك أن ما تشعر به حقيقي وله ما يسوّغه. التشبيح خسارة بدون إغلاق، من الطبيعي أن تشعر بالحزن والغضب والحيرة. ثمة ما يساعد هنا: أن تسمّي ما تشعر به دون محاولة تغييره، فمجرد التسمية يقلل الحدة. ثم ذكّر نفسك أن التشبيح يقول عمَّن قام به أكثر مما يقول عنك. حاول أن تُعيد قراءة ما حدث، من “هل لم أكن كافيًا؟” إلى “لقد اختار التجنب على الصدق، وهذا يكشف عنه، لا عنّي”. وحاول مَلْء الفراغ بالعودة للروابط الأخرى، اخرج واقضِ وقتًا ممن ما زالوا هنا، هذا يذكّرك بأنك لست وحدك، وأن ثمة من لم يختر الغياب. هناك خطوة أخرى وهي الأكثر جدلًا: فكّر في التواصل مرة أخيرة. أحيانًا الصداقات تنتهي لأن الحياة تدخلت وأخذت الآخر قليلًا، لا لأنه قرر إنهاءها. ربما صديقك لا يشبّحك عمدًا، ربما إذا تواصلت برسالة بسيطة غير متطلبة قد تحصل على رد يفاجئك، أو على الأقل على نوع من الإغلاق، فعدم الرد هو ردٌّ كذلك.

لكن السؤال الدقيق هو: ماذا يقول التشبيح عنَّا كمجتمع؟ هناك من يقول إنه مظهر من مظاهر تراجع التعاطف، وأظن أن في ذلك حقيقة عميقة. التشبيح ليس فعلًا فرديًا معزولًا، لكن يمكن قراءته كعرضٌ لثقافة تقوم على الإهمال والاستبدال والخوف من المواجهة العاطفية. إنه انعكاس لكيفية تعاملنا مع عدم الارتياح في كل مجالات حياتنا، من السياسة إلى العمل إلى غرفة الطعام. والتشبيح مرتبط بما يمكن تسميته “سياسات الإهمال”: ثقافة تمجّد الرعاية الذاتية والحدود إلى الحد الذي يُسهّل تبرير حجب الرعاية عن الآخرين. صرنا نردد طوال الوقت عبارات مثل: الحدود ضرورية، الرعاية الذاتية أولوية، لا أدين لأحد بشيء. وهذا صحيح في سياقه، لكن المشكلة حين نخلط بين الحدود الصحية والتجنب الأناني، حين نستخدم لغة الرعاية الذاتية لنبرر القسوة. الحقيقة أن هذه ليست لعبة صفرية، والخيارات ليست دائمًا بيضاء أو سوداء. يمكنك أن تحترم نفسك وحدودك وفي الوقت نفسه تحترم كرامة الآخرين. أما السؤال الأدق فهو عن الكرامة نفسها. فالكرامة ليست شيئًا نكسبه بالإنجاز، لكننا نملكه بحكم إنسانيتنا. إنها ما ندينه بعضنا لبعض ببساطة لأننا موجودون. حين نشبّح شخصًا، لا نحرمه من الإغلاق وحسب، لكننا نحرمه أيضًا من كرامته الأساسية. نقول ضمنيًا إنه لا يستحق حتى الاعتراف بوجوده.​​​​​​​​​​​​​​​​

لكن لنوضح هذه النقطة: ليست كل طرق التشبيح متساوية. إذا تحدثت مع شخص على تطبيق ليومين ولم تلتقيا ثم اختفيت، هذا في نظري لا يرقى إلى التشبيح الحقيقي، لأنه لم تكن هناك علاقة حقيقية. فالسياق أيضًا مهم: مدة التواصل، وعمق العلاقة، وطبيعة التوقعات، كلها تحدد متى يكون التشبيح مفهومًا ومتى يكون قاسيًا. الطريقة التي ننهي بها علاقاتنا مهمة بقدر الطريقة التي نبدأها. كل علاقة تترك بصمة في تكويننا، وكيف نختار إنهاءها يقول شيئًا عنَّا، عن قيمنا، عن الإنسان الذي نريد أن نكونه. أحيانًا التشبيح قد يبدو الحل الأسهل، لكنه يترك ندمًا خفيًا، شعورًا بأننا خذلنا أنفسنا. حين نختفي من حياة شخص دون كلمة، نصبح نحن أنفسنا أشباحًا قليلًا.

ما نحتاجه ليس طرقًا أذكى في إنهاء العلاقات، بل تغيير أعمق في رؤيتنا للعلاقات، لدور الرعاية، لمعنى الكرامة في عصر رقمي. نحتاج إلى الرعاية في كل خطوة، في كل تفاعلاتنا، من السياسة إلى طريقة توديعنا لمن نختار المضي بعيدًا عنهم. هذه الرعاية، رغم أنها تتطلب جهدًا، أقل تكلفة مما نظن، وأكثر عطاءً مما نتوقع، وتمنحنا السلام الداخلي والنزاهة والإحساس بأننا نعيش متوافقين مع قيمنا.

في النهاية، التشبيح مرآة تعكس أعمق مخاوفنا كبشر في القرن الحادي والعشرين، يكشف كيف نتعامل مع الضعف، كيف نتهرب من الألم، كيف نفشل في احترام كرامة بعضنا في عالم صار فيه الإنسان ملفًا رقميًا يمكن حذفه في أي وقت، عالم يمكن فيه لشخص ما أن يتسلل إلى دورة مياه في حانة ولا يعود حقًا أبدًا. لكن التشبيح ذاته يكشف أيضًا إمكانية شيء مختلف، فيمكننا أن نختار الصدق على التجنب، الرعاية على الإهمال، الكرامة على القسوة. وفي ذلك الاختيار الصغير المتكرر اليومي، ربما نجد طريقًا يعيدنا إلى ما نحن حقًا: كائنات فُطرت على الارتباط، تبحث عن الحب والانتماء في عالم صار يجعلهما أصعب، لكنه لا يجعلهما مستحيلين، إن اخترنا الحضور، والصدق، والإنسانية.​​​​​​​​​​​​​​​​


آلاء حسانين
شاعرة وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية، من أصول مصرية، نشأت في السعودية وتقيم في فرنسا


‫2 تعليقات

  1. شكرًا لكِ على هذا المقال الرائع. لامسني ما كتبته بشكل كبير.لا نستطيع العودة إلى الوراء لتغيير ماتعرضنا له من تشبيح ولا يمكننا إنكار الألم الذي رافق ذلك. لكن يمكننا معاملة أنفسنا بعد الفهم بطريقة أفضل مما كنا عليه قبله، ويمكننا الاختيار بوعي ان نتجنب إيذاء غيرنا بالطريقة التي آذتنا. هذه التجارب برغم ألمها وندوبها إلا أنها قد تُسهم في صلابة النفس بشكل ما. فلا تعوّل كثيرًا على الخارج بعد ذلك. وتصبح أكثر قبولاً للحياة كما هي. استمتعت جدًا بالقراءة لهذا الطرح الجميل.

  2. يمكن الشيء الذي يضطرنا للمواجهات العاطفية برغم كل الألم والانزعاج المصاحب ليها هو أحترامنا لكرامتنا و الأخر. و تبقى أمنية أن نجد مساحة للمواجهة اَمنة بدون خوف من إساءة أكبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى