ذاكرة

العبور إلى أرض الورق

شروق فتّال


في مطلع عام 2023 حطّت طائرتي القادمة من بيروت في مطار دوسلدورف. كنت، كغيري من الأطباء السوريين، ممن غادروا بحثًا عن مستقبل أكثر وضوحًا وأقل التباسًا، في ظل واقعٍ بلغ في السنوات الأخيرة درجةً من القسوة جعلت الاستمرار فيه صعبًا، حتى على خريجي كليات الطب.

تعددت دوافع الهجرة بيننا، لكن يمكن إرجاعها جميعًا إلى عنوان واحد: مغادرة واقعٍ لم يعد يتيح أفقًا مهنيًا أو حياتيًا مستقرًا. والسؤال الذي فرض نفسه لاحقًا كان: هل وجدنا هنا ما كنا ننتظره؟

كانت توقعاتي عن الحياة في ألمانيا متواضعة، ومبنية على تقديري الشخصي وتجارب من سبقوني. أعتقد اليوم أن هذه التوقعات لعبت دورًا وقائيًا في لحظات مفصلية، حين تساءلت: لماذا أنا هنا؟ وكان الجواب الأكثر حضورًا في ذهني آنذاك أن الهجرة بدت، في تلك المرحلة، الخيار الأكثر منطقيةً لمساري المهني كطبيبة؛ ولم أمتلك لفترة طويلة تفسيرًا آخر.

جئتُ محمّلة بذكريات كثيفة، وبإحساسٍ بأنَّ بلدي الأمَّ لم يعد قادرًا على احتوائي، رغم محاولاتي المتكررة للبقاء. كان هذا الإحساس -بغضِّ النظر عن دقته الموضوعية- نقطةَ الانطلاق النفسية لتجربتي في ألمانيا؛ إذ شعرتُ بالانفصال عن مكانٍ تشكَّلت فيه ملامح حياتي لسنواتٍ، وخضتُ داخله صراعاتٍ وجوديةً متعددةً. ومهما بدا الاستعداد للهجرة كافيًا، فإنَّ تجربة الاغتراب تكشف هشاشة الفرد، لا سيما إذا خاضها مثقلًا أصلًا بأسئلةٍ غير محسومة.

أتذكر بوضوح الأشهر الأولى؛ إذ كانت مرحلة شاقة لإعادة بناء الذات خارج البيئة المألوفة: لغة جديدة، ونظامًا اجتماعيًا مختلفًا، وشعورًا عامًا بانقطاع السياق. نجح بعضنا في هذا المسار، بينما بقي آخرون -وأنا منهم- عالقين في حالة من الضبابية بين مكانين. لم أتمكن من إعادة تشكيل ذاتي بسهولة، ليس لغياب الرغبة، بل لتعقيد ما تشكّل سابقًا في سياقٍ لا يتيح البدء من نقطة حيادية.

تورّط جيلنا في سوريا في واقع ثنائي حاد: إما الاستمرار في وطنٍ مأزوم، أو البدء من الصفر في مكانٍ آخر. مثّل هذا “الصفر” لكثيرين فرصة لإعادة التكوين، بينما بدا لي، في تلك المرحلة، حالة مغلقة يصعب تجاوزها.

لا أكتب هذا المقال لنفي المسؤولية الفردية، بل لأحلل بموضوعية ما إذا كان النظام البيروقراطي في ألمانيا قد أسهم في تعميق شعور المهاجرين بالاغتراب، أم أن ما نعيشه ليس إلا جزءًا من مسار طبيعي يمر به كل من يدخل منظومة اجتماعية جديدة، حيث يُتوقع من الفرد التكيّف والاندماج بوصفهما مسؤوليةً شخصيةً بالدرجة الأولى.

البيروقراطية في ألمانيا: سياق تشكّلها ومعناها

عند الحديث عن البيروقراطية في ألمانيا، من المضلّل التعامل معها كظاهرة حديثة أو كنتاجٍ مباشرٍ للدولة المعاصرة؛ فجذور هذا النظام تعود إلى ما قبل توحيد ألمانيا عام 1871، وتحديدًا إلى التجربة البروسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. كانت بروسيا دولة محدودة الموارد، تقوم على جهازٍ عسكريٍ وإداريٍ صارمٍ، مما فرض عليها تطوير نظامٍ إداريٍ يعتمد على الانضباط والتعليم والوضوح القانوني، بدلًا من الاعتماد على الولاءات الشخصية أو الحلول الارتجالية. وفي هذا السياق، تشكّل نموذجٌ إداريٌ يقوم على القواعد المكتوبة، والتسلسل الوظيفي، والفصل بين الشخص والمنصب، وهو نموذجٌ لم يكن حكرًا على بروسيا، لكنه ترسّخ فيها بدرجةٍ أعلى من الاستمرارية والتنظيم، كما يوثّق ذلك مؤرخون مثل كريستوفر كلارك في دراسته عن نشوء الدولة البروسية.

وهنا يبرز دور عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، الذي قدَّم واحدة من أكثر القراءات تأثيرًا للبيروقراطية الحديثة؛ فقد وصفها بأنها الشكل الأكثر عقلانية لتنظيم العمل داخل الدولة الحديثة، لقدرتها على تقليل الاعتباطية وإخضاع القرار لمجموعة واضحة من القواعد. وفي هذا النموذج، يتعامل الموظف مع الفرد بوصفه حالةً قانونيةً لا شخصًا؛ فالمواطن في نظره مجموعةٌ من المعطيات التي يجب معالجتها وفق الإجراءات، وقد بات هذا النظام يهيمن على المجتمعات الحديثة.

ما يلفت النظر في التجربة الألمانية هو أن هذا الجهاز الإداري استمر -مع إجراء تعديلات- عبر تحوّلات سياسية عميقة في القرن العشرين. فقد تغيّرت الأنظمة من الإمبراطورية إلى جمهورية فايمار، ثم الحقبة النازية، تلتها ألمانيا ما بعد الحرب والانقسام، وصولًا إلى إعادة التوحيد، لكن البيروقراطية بقيت عنصرًا ثابتًا في بنية الدولة. لا يعني هذا أن الإدارة كانت محايدةً أخلاقيًا في كل المراحل، ولا يمكن الادّعاء بأن الجهاز البيروقراطي كان منفصلًا عن سياسات السلطة، لا سيما خلال الحقبة النازية، وهو موضوع ناقشه مؤرخون كثيرون ولا يمكن اختصاره هنا دون تبسيطٍ مخلٍّ. ما يمكن قوله بثقةٍ هو أن فكرة الدولة القائمة على الإدارة والقانون لم تختفِ، بل أُعيد توظيفها في سياقاتٍ مختلفة.

بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصًا في ألمانيا الغربية، اكتسبت البيروقراطية بُعدًا جديدًا مرتبطًا بدولة القانون والضمان الاجتماعي؛ إذ أصبح الالتزام بالإجراءات يُنظر إليه كوسيلة لحماية الحقوق ومنع التعسف، لا كعقبة أمامها. وقد ترسّخت قناعةٌ مفادها أن العدالة لا تتحقق إلا عبر قواعد واضحة تُطبَّق على الجميع. ومن هذا المنظور، تحوّلت البيروقراطية إلى ضمانةٍ ضد عودة الاستبداد والفوضى، متجاوزةً كونها مجرد أداة تنظيمية.

غير أن ما يمنح هذا النظام قوته هو ذاته ما يجعله صعبًا على الأفراد، لا سيما القادمين من خارج سياقه الثقافي والتاريخي؛ فالنظام البيروقراطي الألماني لا يعنى بالسياق الشخصي أو بالتاريخ الفردي أو بالظروف النفسية لمن يقف أمامه، بل صُمِّم ليكون غير شخصي، لأن الشخصنة كانت في التجربة التاريخية الألمانية مدخلًا للفوضى أو للظلم. وبينما تثبت البيروقراطية نفسها عبر التاريخ، يصبح السؤال عن مكان الإنسان داخل هذا النظام أكثر إلحاحًا، خاصة بالنسبة للقادمين من خلفيات ثقافية وسياسية مختلفة.

بعد ثلاث سنواتٍ في ألمانيا، أدركتُ أن النظام البيروقراطي يتجاوز كونه إطارًا إداريًا لتسيير المعاملات، ليغدو واقعًا يوميًا مُعاشًا يُطلب من الفرد أن يجد موقعه داخله، وأن يُعيد تنظيم إيقاع حياته وفق منطقه الخاص. فأصبح التفقّد اليومي للبريد، وقراءة الرسائل الإلكترونية، ومتابعة الموظف الإداري، جزءًا لا يُستغنى عنه من الوجود داخل المؤسسة.

في هذا السياق، تحتلُّ الخطاباتُ المكتوبةُ الصدارةَ بوصفها وسيلةَ التواصل الأساسية مع النظام، وهو ما يُفضي أحيانًا إلى مفارقة تكاد تكون ساخرة؛ إذ لا يرتبط أسلوب الخطاب أو صيغُ افتتاحه وختامه بمضمونه الفعلي. فقد تحمل الرسالة أخبارًا سلبية أو قراراتٍ مصيرية، لكنها تُقدَّم بلغة منمَّقة ومحايدة، تتوافق مع التقاليد الراسخة في آداب المراسلات الرسمية الألمانية.

من هنا بدأت تتشكل لديّ أسئلة حول المسافة النفسية التي تفرضها البيروقراطية؛ مسافةٌ لا تنبع من القسوة أو التعمّد، بل من طبيعة نظامٍ صُمِّم ليكون غير شخصي، يفصل بين المحتوى والانفعال، وبين القرار ومن يتلقاه. هذه المسافة، التي قد تؤدي وظيفة تنظيمية ضرورية، تتحول في التجربة الفردية إلى شعورٍ بالانفصال، وتمهّد لمرحلةٍ مختلفة: حين يكفّ الفرد عن النظر إلى النظام بوصفه أداة، ليبدأ في الإحساس به كإطارٍ يحدد شكل علاقته بوجوده القانوني والاجتماعي.

الاغتراب في نظام متماسك

لفهم هذه التجربة، من المفيد العودة إلى الفلسفة التي تناولت الاغتراب بوصفه حالة وجودية. يرى كامو أن الاغتراب ينشأ حين يصطدم وعي الإنسان بعالمٍ صامتٍ لا يقدم إجاباتٍ عن أسئلته الوجودية العميقة؛ فكائنٌ يسعى إلى المعنى يواجه كونًا لاعقلانيًا ولامباليًا، ومن هذا التناقض يولد العبث. أما ماركس فيرى الاغتراب وليدَ النظام الاجتماعي ذاته؛ فحين تنقطع العلاقة بين الإنسان وما يصنعه، يتحول العمل من فعلٍ يحقق الذات إلى عبءٍ مفروض، ويغدو الإنسان وسيلة لا غاية.

وفي زمننا المعاصر، يضيف زيغمونت باومان في «الحداثة السائلة» بُعدًا آخر؛ إذ يصف مجتمعًا انتقل من الاستقرار المؤسساتي والروابط الصلبة إلى مرونةٍ لا تتوقف، حيث تصبح الهويات والعلاقات قابلة لإعادة التشكيل بلا نهاية، ويجد الفرد نفسه في تفاوضٍ مستمرٍ مع اللايقين. هذه القراءات لا تبقى نصوصًا نظرية معلقة، بل تعكس تجارب ملموسة يمكن التعرف عليها في واقع الهجرة والبيروقراطية الأوروبية، حيث يصبح الانفصال بين الفرد والنظام قابلًا للقياس على أرض الواقع.

بين الشخصي والموضوعي

لم ألحظ في البداية التأثير المباشر للبيروقراطية على شعوري بالاغتراب. بدت الأوراق عقبات منطقية لا بد من اجتيازها للوصول إلى الهدف؛ تأشيرة دخول، ترخيص عمل مؤقت. غير أن هذا التصور تبدّل مع مرور الوقت، حين بدأ يتشكل لديّ شعور غريب بتداخل الذات مع الورق.

تساءلتُ عمّا يُمثله هذا الملف بالنسبة لي، وماذا أكون خارجه. كيف يمكن لوجودي، بكل ما يحمله من تاريخ وتجربة، أن يُختصر في ملفٍ داخل نظام، وكيف لحياتي أن تتأخر أو تتوقف بسبب إجراءٍ لم يكتمل، أو غياب موظفٍ لا يوجد من يحل محله.

امتدت هذه المشاعر لتلامس شكلًا من التنميط النفسي الذي يتسرب أحيانًا إلى أسلوب التعامل داخل المؤسسات؛ فلا يُعترف إلا بما هو مكتوب، وما لم يُدوَّن لا يجد طريقه إلى الاعتبار. شعرت بانكماش تدريجي، وبضغط متزايد لإعادة تشكيل الذات بما يتوافق مع منطق إداري يقوم في جوهره على الحياد.

غير أن هذا الحياد، حين يُختبر على مستوى التجربة الفردية، قد يتحول إلى لاشخصية خانقة؛ إذ تُثقل الإجراءات وجود الإنسان وتفصله عن مشاعره وظروفه وقدرته على الاندماج. ليس ذلك قصدًا أو تعسفًا، بل هو أثر جانبي لمنظومة صُمِّمت لتعمل بكفاءة، لا لتقرأ التعقيد الإنساني الكامن خلف الملفات.

أسئلة مفتوحة

لا يمكن اختزال تجربة الاغتراب في البيروقراطية وحدها، كما لا يمكن فصلها عن السياق الشخصي الذي يحمله الفرد معه إلى أي مكان جديد. ورغم ما يتمتع به النظام الإداري الألماني من وضوح وانضباط يؤدي دورًا جوهريًا في تنظيم الحياة وحماية الحقوق، إلا أنه لا يخلو من عقبات لوجستية باتت تُعيق الدولة وتُسبب لها عجزًا واضحًا في مواكبة متطلبات الاقتصاد والسياسة المتسارعة.

لا يظهر الاغتراب هنا نتيجة لظلمٍ مباشر، إنما كحالةٍ تنشأ في المسافة بين ما يَعِد به النظام من عدالة وما يختبره الفرد من وحدةٍ وصمتٍ داخلي؛ مسافةٍ لا يمكن ردمها بالقوانين وحدها، ولا بتفسيرٍ فلسفيٍ واحد.

ما يبدو لي محوريًا في ختام هذه التأملات ليس السؤال عن كيفية تجاوز الاغتراب أو تخفيف وطأته؛ فهو تجربة تراكمية ممتدة لا تقبل الحلول السريعة. إنما المحوري هو كيفية التعايش معه دون أن يتحول إلى قطيعة مع الذات. فالاغتراب في جوهره إعادة تفاوض مستمرة بين ما نحن عليه وما يُطلب منا أن نكونه.

في هذا التماس بين الشخصي والموضوعي، وبين النظام والذات، يبقى الاغتراب تجربة مفتوحة على التأويل. ولعل السؤال الأجدر بالطرح هو ما إذا كانت ثمة أشكالٌ أخرى للإدارة يمكن أن تُقدَّم وسيلةً للتقارب بين الفرد ونظامه، لا أداة للفصل بينهما.


شروق فتّال 
 كاتبة وناقدة وطبيبة سورية مقيمة في ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى