من يسكن مَن؟ البيت كآلية لإنتاج الجسد المنضبط – نسخة للحذف
آلاء حسانين
*شاعرة من أصول مصرية، وصحافية ثقافية وناقدة سينمائية تقيم في فرنسا.
حين ندير المفتاح في القفل، نشعر أننا عدنا أخيرًا إلى مساحتنا الخاصة، حيث تبدأ حريتنا وينتهي ضجيج العالم. نتوهم أن البيت هو المكان الذي نكفّ فيه عن التمثيل ونصير “أنفسنا”. لكن السينما، حين تنظر إلى هذا الفضاء بعين فاحصة، تكشف وجهًا آخر: البيت ليس مجرد ملجأ، بل نظام يعيد تشكيل وعينا وحركتنا دون أن ندري. إنه يسكننا بقدر ما نسكنه، يروّض رغباتنا ويهذّب عفويتنا لتتماشى مع الانتظام الاجتماعي. وتكمن خطورته في أنه يقدّم قيوده على أنها طبيعية وعائلية ومحبّة، فهو يمارس سلطته عبر الحميمية ذاتها، ويجعل الإكراه يبدو كأنه رعاية. السينما الواعية لا تصوّر البيت كديكور جميل، بل تُظهره كمعمار يبرمج حياتنا اليومية. في لقطة طويلة وثابتة، بلا موسيقى، يظهر البيت كبرنامج كامل يفرض جدولًا زمنيًا على الجسد، وينحت حركاتنا حتى تصير أداءً متكررًا لا واعيًا.
السلطة لا تحتاج إلى رفع صوتها، يكفيها ترتيب المكان. تُوزَّع الغرف كما تُوزَّع الأدوار: غرفة النوم لاقتصاد الرغبة، والمطبخ لتدجين الزمن، والصالون لاستعراض صورة عائلية متماسكة تخفي هشاشتها. الجدار يصير آلية، والستارة قانونًا، والممر شرطًا نفسيًا، والنافذة جهازًا للمراقبة. في سينما الروتين، يحدث القمع كاستمرارية. الروتين تقنية لإعادة إنتاج اليوم نفسه حتى يفقد الزمن قابليته للتغيير. حين تتابع الكاميرا يدًا تقشّر بطاطس، أو تمسح طاولة، أو ترتّب سريرًا للمرة الألف، فهي لا توثق عملًا منزليًا بل ترسم حدودًا غير مرئية حول الذات. البيت يعرف كيف يستهلك العمر، قطرة بعد قطرة، حتى يصبح الإبداع ترفًا والخيال خروجًا عن النص.
يبدأ فيلم “جين ديلمان، 23 شارع التجارة، 1080 بروكسل” (Jeanne Dielman, 23 quai du Commerce, 1080 Bruxelles، 1975) لشانتال أكرمان بامرأة تدخل شقتها والكاميرا ثابتة في الزاوية، لا تتحرك ولا تعلّق. تؤدي جين أفعالها بحركات محسوبة بدقة هندسية، في تسلسل لا يحتمل الخطأ. أكرمان تقدّم توثيقًا للزمن المنزلي كإطار يجعل الحياة ممكنة، لكنها حياة آلية. الجسد يتعلم عبر التكرار أين يجلس وكيف يتحرك، حتى يصبح الانضباط جزءًا من بنيته. حين ينكسر الروتين بتفاصيل تافهة، كزر قميص أو نسيان ضوء، ينهار النظام بأكمله. وحين تقتل جين الرجل في النهاية، لا يظهر العنف كتمرد واعٍ بل كانفجار لجسد توقف إيقاعه المبرمج. البيت هنا ليس ملاذًا بل خط إنتاج، واللقطة الطويلة تجبرنا على الشعور بزمن لا يمضي بل يتراكم ويحاصر.
يتجلى هذا الحصار في فيلم “ناب” (Dogtooth، 2009) ليورغوس لانثيموس، حيث تُؤخذ فكرة البيت كنظام إلى أقصاها. عائلة تعيش خلف سياج لم يغادره الأبناء قط، والأب يعيد تعريف العالم لغويًا: البحر يعني الكرسي، والزومبي يعني الزهرة الصفراء. اللغة هنا أداة حصار تجعل الخارج غير قابل للتخيل. النظام يحرم الضحايا من المفردات التي تصف الحرية، ويجعل التمرد مستحيلًا لافتقارهم لأدوات التفكير. أما فيلم “طفيلي” (Parasite، 2019) لبونغ جون-هو، فيُظهر البيت كتجسيد معماري للطبقية. يوزع التصميم الأجساد وفق مستويات: الخدم في الأسفل، والعائلة في المركز. العمارة تتحدث لغة الإقصاء، والبيت الحديث يمارس رقابة تعتمد على الارتفاع والرائحة، محولًا الفراغ المكاني إلى أداة لفرز البشر وتصنيف جدارتهم بالوجود. النظام هنا يعمل كإغراء. عائلة كيم تسعى لامتلاك البيت، لكن البناء يُعيد إنتاج مكانتهم قسرًا، والدم ينزل مع الدَرَج في النهاية تأكيدًا على استحالة الصعود دون تحطم.
وفي سياق مختلف، يقدم فيلم “عرض ترومان” (The Truman Show، 1998) لبيتر وير البيت كاستعارة شاملة عن المراقبة الترفيهية. يعيش ترومان في استوديو ضخم تُباع فيه أدق تفاصيل حياته كبضاعة. النظام يعمل بالإغواء والمتعة بدلًا من الترهيب، وتصبح الخصوصية وهمًا يُدار لضمان استمرار العرض. البيت والمدينة يقاومان تحرر ترومان بإعادة إنتاج واقع مفبرك، حتى يكتشف أخيرًا أن السماء سقف مطلي، وأن ملاذه كان مسرح مراقبة عالمي. يضبطنا البيت أيضًا من خلال علاقات طبيعية تتخفى فيها السلطة خلف القرب. تُمارس الرقابة بلغة الحب عبر مفاهيم كـ”السمعة” و”العيب”. هذه الكلمات تصنع غطاءً لفحص الجسد والوقت، فتتحول الرعاية إلى وصاية تسلب الفرد حق التقرير، ويُصبح الخوف من كلام الناس أقوى من أي قانون. في فيلم “مختبئ” (Caché، 2005) لميشيل هانيكه، ينهار هذا النظام حين تُخترق الخصوصية بأشرطة فيديو تكشف الذنب المتراكم وزيف الطمأنينة المنزلية المبنية على أنقاض الآخرين.
أما في السينما العربية، كما في فيلم “في شقة مصر الجديدة” (2007) لمحمد خان، تظهر الشقة كفضاء للتفاوض مع نظرة المجتمع، حيث تظل الرقابة جماعية وعابرة للجدران. البيت نظام أخلاقي قبل أن يكون معماريًا. النوافذ والشرفات ثقوب تسمح بتسرب الضبط الاجتماعي، والجيران يمارسون دور الرقيب الطوعي، والسكن يغدو عبئًا نفسيًا يفرض على الفرد تشذيب سلوكه ليناسب جدرانًا لا تحجب الأسرار بقدر ما تذيعها للصمت المتربص في الخارج. ورغم هذا القمع، تلمح السينما إلى إمكانية المقاومة عبر انزياحات صغيرة تخلخل ثبات النظام.
المقاومة لا تتطلب دائمًا هدم الجدران، بل تبدأ من كسر رتابة الجدول اليومي أو إعادة توزيع الأشياء لاستعادة الملكية داخل الغرفة الواحدة. أحيانًا، تتحول الكتابة أو الرسم إلى نافذة رمزية تحوّل البيت من مكان يُدار بالمسطرة إلى مسرح يُعاد تخيّله بالعاطفة.
يظهر هذا بوضوح في فيلم “كارول” (Carol، 2015) لتود هاينز، وفيلم “بورتريه لفتاة مشتعلة” (Portrait de la jeune fille en feu، 2019) لسيلين سياما، حيث تتحول المساحات المؤقتة والمنعزلة، كغرف الفنادق أو البيوت الصيفية المهجورة، إلى مختبرات للحرية. هذه الأماكن تكتسب قيمتها من وقوعها خارج حدود النظام الأبوي، مما يمنح الشخصيات فرصة لبناء نظام بديل تُفاوض فيه القواعد بناءً على الرغبة والندية. في هذه الهوامش، يكفّ البيت عن كونه أداة للضبط ويصبح فضاءً يُعيد تعريف العلاقات الإنسانية، ويتحول الجسد من موضوع للمراقبة إلى فاعل يمتلك حركته.
المشكلة ليست في البيت كمكان، بل في النظام الذي يسكنه ويحوله إلى آلية انضباطية تشبه المصنع أو السجن. السينما تجعلنا ننظر إلى البيت كبناء سياسي وفضاء متنازع عليه، وتدفعنا للسؤال عند عودتنا: من يسكن من؟ السينما تكشف كيف نحتاج البيت بوصفه وهمًا محايدًا كي نعيش فيه، ونقبل ثمنه المتمثل في قياس حياتنا بمدى انتظامها وأخلاقنا بمدى هدوئنا.
البيت ليس مجرد ديكور، بل بنية تفكير تصنع الإنسان وتؤثر في جسده وزمنه ولغته. حين نخرج من الفيلم، يعود السؤال إلى حياتنا اليومية بصوت منخفض: كم مرة سمّينا الطاعة راحة، وسمّينا الرقابة اهتمامًا؟ ربما لا توجد إجابة مطمئنة، لكن الأجدر أن ينتهي الأمر بقلق منتج يدفعنا لإعادة النظر في الأشياء التي تبدو طبيعية أكثر مما ينبغي. البيت الحقيقي هو الذي يسمح لنا بالنمو والتبدل. حين نغلق الأبواب الليلة، يجدر بنا تأمل تلك الجدران لنسأل بوعي جديد: هل نحن من يسكن البيت، أم أن نظامه هو الذي يسكننا ويحدد لنا من نكون؟



Hi, this is a comment.
To get started with moderating, editing, and deleting comments, please visit the Comments screen in the dashboard.